الغسل

الشافعية

تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
257 ( بَابُ الْغُسْلِ )
بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرُ غَسَلَ وَاسْمُ مَصْدَرٍ لِاغْتَسَلَ وَبِضَمِّهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِمَا يُغْسَلُ بِهِ مِنْ سِدْرٍ وَنَحْوِهِ ، وَالْفَتْحُ فِي الْمَصْدَرِ وَاسْمِهِ أَشْهَرُ مِنْ الضَّمِّ وَأَفْصَحُ لُغَةً وَقِيلَ عَكْسُهُ وَالضَّمُّ أَشْهَرُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ لُغَةً سَيَلَانُ الْمَاءِ عَلَى الشَّيْءِ وَشَرْعًا سَيَلَانُهُ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالنِّيَّةِ وَلَا يَجِبُ فَوْرًا وَإِنْ عَصَى بِسَبَبِهِ بِخِلَافِ نَجَسٍ عَصَى بِهِ لِانْقِطَاعِ الْمَعْصِيَةِ ثَمَّ وَدَوَامِهَا هُنَا ( مُوجِبُهُ مَوْتٌ ) لِمُسْلِمٍ غَيْرِ شَهِيدٍ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ فِي الْجَنَائِزِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ السِّقْطُ إذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَظْهَرْ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْمَوْتِ وَهُوَ مُفَارَقَةُ الْحَيَاةِ أَوْ عَدَمُهَا عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ 258 أَوْ عَرَضٌ يُضَادُّهَا صَادِقٌ عَلَيْهِ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
( وَ ) مِنْهُ ( تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ ) لِدَاخِلِ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ وَاَلَّذِي بَعْضُهُ مَسْجِدٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَطَهِّرًا أَمْ مُحْدِثًا وَتَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ قَبْلَ جُلُوسِهِ ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لِدَاخِلِهِ عَلَى وُضُوءٍ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُرِيدًا لِلْجُلُوسِ أَمْ لَا ، وَقَوْلُ الشَّيْخِ نَصْرٍ لِمُرِيدِ الْجُلُوسِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ ، إذْ الْأَمْرُ بِهَا مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الدُّخُولِ تَعْظِيمًا لِلْبُقْعَةِ ، وَإِقَامَةً لِلشِّعَارِ ، كَمَا يُسَنُّ لِدَاخِلِ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْإِقَامَةَ بِهَا ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مُدَرِّسًا يَنْتَظِرُ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَمْ لَا ، وَإِنْ نَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ خِلَافَهُ لِعَدَمِ اسْتِحْضَارِهِ ذَلِكَ ، وَسَوَاءٌ أَدْخَلَ زَحْفًا أَمْ حَبْوًا أَمْ غَيْرَهُمَا .
وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا إلَّا إنْ قَرُبَ قِيَامُ مَكْتُوبَةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جُمُعَةً بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ التَّحَرُّمِ مَعَ إمَامِهِ وَكَانَتْ 119 الْجَمَاعَةُ مَشْرُوعَةً لَهُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى فِيمَا يَظْهَرُ ، أَوْ كَانَ خَطِيبًا ، وَدَخَلَ وَقْتُ الْخُطْبَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا ، أَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي مَكْتُوبَةٍ ، أَوْ خَافَ فَوْتَ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَمَا فِي الرَّوْنَقِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ طَوَافَ الْقُدُومِ إذَا خَشَى فَوَاتَ سُنَّةٍ مُؤَكَّدَةٍ ، أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مُرِيدًا لِلطَّوَافِ ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ ; لِحُصُولِهَا بِرَكْعَتَيْهِ ، وَيَحْرُمُ الِاشْتِغَالُ بِهَا عَنْ فَرْضٍ ضَاقَ وَقْتُهُ ، وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ الرِّبَاطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَمَا بُنِيَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ عَلَى صُورَةِ الْمَسْجِدِ ، وَأَذِنَ بَانِيهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ ، وَهِيَ ( رَكْعَتَانِ ) لِلْحَدِيثِ : أَيْ أَفْضَلُهَا ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا جَائِزَةٌ وَتَكُونُ كُلُّهَا تَحِيَّةٌ ، فَإِنْ سَلَّمَ ثُمَّ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ لِلتَّحِيَّةِ لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا مِنْ جَاهِلٍ فَيَنْعَقِدُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا ( وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ ) نُوِيَتْ أَمْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَهْجَةِ ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ لِعَدَمِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ الْمَقْصُودَةِ .
نَعَمْ لَوْ نَوَى عَدَمَهَا لَمْ يَحْصُلْ فَضْلُهَا فِيمَا 120 يَظْهَرُ ; لِوُجُودِ الصَّارِفِ أَخْذًا مِمَّا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ فِي سُنَّةِ الطَّوَافِ ( لَا رَكْعَةَ ) أَيْ لَا يَحْصُلُ بِهَا التَّحِيَّةُ ( عَلَى الصَّحِيحِ ) لِخَبَرِ { ۝ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ } .
وَالثَّانِي نَعَمْ لِحُصُولِ الْإِكْرَامِ بِهَا الْمَقْصُودِ مِنْ الْخَبَرِ وَيَجْرِي فِيمَا بَعْدَهُ ( قُلْت : وَكَذَا الْجِنَازَةُ وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَ ) سَجْدَةُ ( شُكْرٍ ) فَلَا تَحْصُلُ بِهَذِهِ ، وَلَا بِبَعْضِهَا لِلْحَدِيثِ أَيْضًا .
( وَتَتَكَرَّرُ ) التَّحِيَّةُ : أَيْ طَلَبُهَا ( بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الْأَصَحِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) ; لِتَجَدُّدِ سَبَبِهَا كَالْبُعْدِ وَالثَّانِي لَا لِلْمَشَقَّةِ وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا ، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ إلَّا إنْ جَلَسَ سَهْوًا وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَيُطَوِّلُ الْوُقُوفَ أَيْضًا كَمَا أَفْتَى بِهَا الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قِيَاسًا عَلَى فَوَاتِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ قِرَاءَتِهَا ، وَكَمَا يَفُوتُ سُجُودُ السَّهْوِ بِطُولِ الْفَصْلِ بَعْدَ سَلَامِهِ ، وَلَوْ سَهْوًا ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا إنَّمَا يُفْعَلُ لِعَارِضٍ وَقَدْ زَالَ ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَفُوتُ بِجُلُوسِهِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا قَبْلَ فِعْلِهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ مِنْ حَالِ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ .
وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ لِإِتْمَامِهَا فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا جَالِسًا فَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى جَوَازُهُ حَيْثُ جَلَسَ لِيَأْتِيَ بِهَا إذْ لَيْسَ لَنَا نَافِلَةٌ يَجِبُ التَّحَرُّمُ بِهَا قَائِمًا ، وَحَدِيثُهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلِهَذَا لَا تَفُوتُ بِجُلُوسٍ قَصِيرٍ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا ، وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ .
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ فَوَاتُهَا بِجُلُوسِهِ لِلشُّرْبِ عَمْدًا ; لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ بِفَوَاتِهَا بِجُلُوسِهِ مِنْ أَجْلِهَا فَفَوَاتُهَا بِهِ لِغَيْرِهَا أَوْلَى ، وَمَرَّ أَيْضًا أَنَّ لَنَا قَوْلًا بِفَوَاتِهَا بِتَقْدِيمِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ عَلَيْهَا مَعَ اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي وُجُوبِهَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فَوَاتُهَا أَيْضًا لِمَنْ دَخَلَ غَيْرَ قَائِمٍ وَطَالَ الْفَصْلُ قَبْلَ فِعْلِهَا .
وَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ ، فَإِنْ دَخَلَ فَلْيَقُلْ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ ، زَادَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ، وَغَيْرُهُ زَادَ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ; لِأَنَّهَا الطَّيِّبَاتُ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ وَصَلَاةُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ .
وَفِي الْأَذْكَارِ عَنْ بَعْضِهِمْ : يُسَنُّ لِمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا لِحَدَثٍ أَوْ شُغْلٍ أَوْ نَحْوِهِ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ أَرْبَعًا ، قَالَ الْمُصَنِّفُ : إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحِيَّاتِ 121 مُتَعَدِّدَةٌ ، تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَالْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ وَمِنًى بِالرَّمْيِ وَعَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ وَلِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ ، وَتَحِيَّةُ الْخَطِيبِ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
بَابٌ
الْغُسْلُ
مُوجِبَاتُهُ أَرْبَعَةٌ .
الْأَوَّلُ : الْمَوْتُ . وَيَأْتِي فِي الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالثَّانِي : الْحَيْضُ . ثُمَّ وُجُوبُهُ بِخُرُوجِ الدَّمِ ، أَمْ بِانْقِطَاعِهِ ؟ أَمِ الْخُرُوجُ مُوجِبٌ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ . أَصَحُّهَا : الثَّالِثُ . وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ فِي الْغُسْلِ وَمُعْظَمِ الْأَحْكَامِ .
وَالثَّالِثُ : إِذَا أَلْقَتِ الْحَامِلُ وَلَدًا ، أَوْ عَلَقَةً ، أَوْ مُضْغَةً ، وَلَمْ تَرَ دَمًا ، وَلَا بَلَلًا ، لَزِمَهَا الْغُسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ .
وَالرَّابِعُ : الْجَنَابَةُ ، وَهِيَ بِأَمْرَيْنِ : الْجِمَاعُ ، وَالْإِنْزَالُ . أَمَّا الْجِمَاعُ ، فَتَغْيِيبُ قَدْرِ الْحَشَفَةِ فِي أَيِّ فَرْجٍ كَانَ ، سَوَاءٌ غُيِّبَ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ ، أَوْ بَهِيمَةٍ ، أَوْ دُبُرِهِمَا ، أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ ، أَوْ خُنْثَى ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ ، حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ . وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِأَيِّ ذَكَرٍ دَخَلَ فَرْجَهَا ، حَتَّى ذَكَرِ الْبَهِيمَةِ ، وَالْمَيِّتِ ، وَالصَّبِيِّ . وَعَلَى الرَّجُلِ الْمُولَجِ فِي دُبُرِهِ . وَلَا يَجِبِ إِعَادَةُ غَسْلِ الْمَيِّتِ الْمُولَجِ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ .
قُلْتُ : وَيَصِيرُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ الْمُولِجَانِ ، أَوِ الْمُولَجُ فِيهِمَا جُنُبَيْنِ بِلَا خِلَافٍ . فَإِنِ اغْتَسَلَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُمَيِّزٌ ، صَحَّ غُسْلُهُ ، وَلَا يَجِبُ إِعَادَتُهُ إِذَا بَلَغَ . وَمَنْ كَمُلَ مِنْهُمَا قَبْلَ الِاغْتِسَالِ ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ . وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ بِالْغُسْلِ فِي الْحَالِ ، كَمَا يَأْمُرُهُ بِالْوُضُوءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
82 هَذَا كُلُّهُ إِذَا غَيَّبَ قَدْرَ الْحَشَفَةِ ، فَإِنْ غَيَّبَ دُونَهَا ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ . وَلَنَا وَجْهٌ : أَنَّ تَغْيِيبَ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ، وَإِنَّمَا يُوجِبُهُ تَغْيِيبُ جَمِيعِ الْبَاقِي ، إِنْ كَانَ قَدْرُ الْحَشَفَةِ فَصَاعِدًا .
قُلْتُ : هَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ ( الْحَاوِي ) عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً فَأَوْلَجَهُ ، وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الثَّانِي . وَالثَّالِثُ إِنْ كَانَتِ الْخِرْقَةُ خَشِنَةً ، وَهِيَ الَّتِي تَمْنَعُ وُصُولَ بَلَلِ الْفَرْجِ إِلَى الذَّكَرِ ، وَتَمْنَعُ وُصُولَ الْحَرَارَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ ، لَمْ يَجِبْ ، وَإِلَّا وَجَبَ .
قُلْتُ : قَالَ صَاحِبُ ( الْبَحْرِ ) : وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ بِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَجْرِيَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

الحنابلة

شرح منتهى الإرادات اقرأ →
باب الغسل
الإنصاف اقرأ →
باب الغسل
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
177 بَابُ الْغُسْلِ
وَمُوجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ : خُرُوجُ الْمَنِيِّ الدَّافِقِ بِلَذَّةٍ ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْ فَإِنْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ ، فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ ، فَلَمْ يَخْرُجْ ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ ، أَوْ خَرَجَتْ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ ، لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ وَعَنْهُ يَجِبُ ، وَعَنْهُ : يَجِبُ إِذَا خَرَجَ قَبْلَ الْبَوْلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ .
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب الغسل
شرح عمدة الفقه اقرأ →
فَصْلٌ
كَلَامُ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْتَضِي أَنْ لَا وُضُوءَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ لَيْسَ فِي مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَّلْتُمُوهُ ، فَإِنَّ مَيِّتَكُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا فِي خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيِّ وَعَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، وَهُمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ يَمَّمَهُ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ ، فَكَذَلِكَ إِذَا غَسَّلَهُ ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ 342 فَلَمْ يَنْتَقِضْ كَغُسْلِ الْحَيِّ وَغُسْلِ نَفْسِهِ ، وَحَمَلُوا الْآثَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَالْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ ، قَالَ أَحْمَدُ : " مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا فِيهِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ " وَقَالَ : " أَرْجُو أَنْ لَا يَجِبَ الْغُسْلُ ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ " وَكَذَلِكَ قَالَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ : " إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْوُضُوءِ " .
رَوَى عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ " كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ " . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ " . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " يَكْفِي فِيهِ الْوُضُوءُ " وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي تَرْكِهِ رُخْصَةٌ ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ ، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ انْتَهَتْ رُخْصَتُهُ إِلَى الْوُضُوءِ ، وَكَانَ الْوُضُوءُ مِنْهُ شَائِعًا بَيْنَهُمْ ، لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمُ الْإِخْلَالُ بِهِ ، قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ : حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " غَسَّلَ أَبَاكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَمَا زَادُوا عَلَى أَنْ حَسِرُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ ، وَجَعَلُوا ثِيَابَهُمْ فِي حُجُزِهِمْ ، فَغَسَّلُوا ثُمَّ تَوَضَّئُوا ثُمَّ خَرَجُوا " وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ 343 فَغَسَّلَتْهُ ، ثُمَّ أَرْسَلَتْ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلٍ ؟ قَالُوا : لَا ، فَتَوَضَّأَتْ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي مَسْنَدِهِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ مِنْهُ ، كَمَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ .
فَظَاهِرُهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ الَّذِي هُوَ بَعْضُهُ ، فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَى الْوُضُوءِ بَقِيَ الْوُضُوءُ بِحَالِهِ ، أَوْ يُقَالُ : الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ أَمْرٌ بِالْوُضُوءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَفَحْوَى الْخِطَابِ ، فَإِذَا تُرِكَ دَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ لَمْ يَجِبْ أَنْ نَتْرُكَ دَلَالَةَ فَحَوَاهُ ، وَقَوْلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ ، وَيَكْفِي فِيهِ الْوُضُوءُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ ، وَالْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ ؛ وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ مَشْرُوعٌ لِسَبَبٍ مَاضٍ ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْتَزَمَ أَنْ لَا وُضُوءَ مِنَ الْقَهْقَهَةِ ، وَلَا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ ، أَوْ يَقُولُ : وُضُوءٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، أَوْ مَشْرُوعٌ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ ؛ وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ عَنْ سَبَبٍ مَاضٍ يُشْرَعُ لَهُ الْغُسْلُ ، فَكَانَ وَاجِبًا كَوُضُوءِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ ، وَهَذَا لِأَنَّ شَرْعَ الْغُسْلِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْمُقْتَضِي لِلطَّهَارَةِ ، فَإِذَا نَزَلَ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ ، بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ الْمُسْتَقْبِلَةِ كَغُسْلِ الْإِحْرَامِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا النَّظَافَةُ فَقَطْ ، وَهَذَا الْقِيَاسُ مِنْ أَقْوَى الْأَشْبَاهِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ ، وَلِأَنَّ بَدَنَ الْمَيِّتِ صَارَ فِي حُكْمِ الْغُرُورِ بِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ كَرَاهَةِ مَسِّهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ لَا لِحَاجَةٍ ، وَهُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ النَّجَاسَاتِ ، فَجَازَ أَنْ يُوجِبَ الْوُضُوءَ كَمَسِّ الذَّكَرِ ، وَلَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِلنَّوْعِ وَالْجَوَازِ ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِأُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ ؛ وَلِأَنَّ لَمْسَ النَّاقِضِ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ مَمْسُوسٍ وَمَمْسُوسٍ ، فَمَسُّ الْفَرْجِ يَنْقُضُ مُطْلَقًا ، وَمَسُّ النِّسَاءِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ ، وَمَسُّ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّغْسِيلِ لَهُ سَوَاءٌ مَسَّهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَوْ بَاشَرَهُ ، وَهَذَا أَجْوَدُ مِنْ تَعْلِيلِ مَنْ عَلَّلَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ مَسِّ ذَكَرِهِ .
344 وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إِنْ صَحَّ ، فَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ۝ حَسْبُكُمْ فِي إِزَالَةِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ نَجَاسَتِهِ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، وَإِنَّمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصَابَ الْيَدَ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا شَيْئَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَفْتَى أَنَّ الَّذِي يَكْفِي مِنْهُ الْوُضُوءُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى .
وَثَانِيهِمَا : أَنَّ قَوْلَهُ : " ۝ حَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ " أَيْ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ : يَكْفِيكُمْ فِي الِاسْتِحْبَابِ غَسْلُ أَيْدِيكُمْ ، وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا لَا يُقَالُ بِهِ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَشْرُوعٌ ، بَلِ الِاغْتِسَالُ أَيْضًا ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى : يَكْفِيكُمْ فِي إِزَالَةِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنَ الْخَبَثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْأَقْيِسَةِ مُنْعَكِسٌ بِاسْتِحْبَابِ الْوُضُوءِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحِبُّوا الْوُضُوءَ فِي تَيَمُّمِهِ ، وَلَا تَغْسِيلَ الْحَيِّ ، أَوِ اسْتَحَبُّوهُ هُنَا ، وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ ، فَكُلُّ مَعْنًى اقْتَضَى الْفَرْقَ فِي الِاسْتِحْبَابِ حَصَلَ الْفَرْقُ بِهِ فِي الْإِيجَابِ ؛ لِأَنَّهُ وُضُوءٌ جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا ، وَكَانَ وَاجِبًا كَالْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ وَلَحْمِ الْجَزُورِ ، بَلْ وَأَوْكَدُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَلَا أَثَرٌ يُعَارِضُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْغَاسِلُ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُهُ وَيُبَاشِرُهُ وَيُعِينُ فِي ذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً ، فَأَمَّا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ مُلَامَسَةٍ لِلْمَيِّتِ فَلَيْسَ بِغَاسِلٍ .

المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد اقرأ →
كِتَابُ الْغُسْلِ .
- وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ) وَالْكَلَامُ الْمُحِيطُ بِقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِوُجُوبِهَا ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِهِ تُفْعَلُ ، وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ - فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ : .
الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ .
41 وَالثَّانِي : فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ .
وَالْبَابُ الثَّالِثُ : فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ .
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ ؟ فَعَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا ، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الْوُضُوءِ بِعَيْنِهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا ، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْمِيَاهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا .
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ .
وَهَذَا الْبَابُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
[ الدَّلْكُ ]
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ كَالْحَالِ فِي طَهَارَةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، أَمْ يَكْفِي فِيهَا إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ ، وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ ; فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إِفَاضَةَ الْمَاءِ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَجُلُّ أَصْحَابِهِ ، وَالْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاتَ الْمُتَطَهِّرَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَنَّ طُهْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ : اشْتِرَاكُ اسْمِ الْغُسْلِ ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ لِقِيَاسِ الْغُسْلِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي صِفَةِ غُسْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَمَيْمُونَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّدَلُّكِ ، وَإِنَّمَا فِيهَا إِفَاضَةُ الْمَاءِ فَقَطْ .
فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : " ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرْفَاتٍ ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ " وَالصِّفَةُ الْوَارِدَةُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ هَذَا ، إِلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِلَى آخِرِ الطُّهْرِ ، وَفِي ۝ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ : - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " هَلْ تَنْقُضُ ضَفْرَ رَأْسِهَا لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ الْمَاءَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ، ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ الْمَاءَ ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ " ، وَهُوَ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ هُنَالِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَاصِفُ لِطُهْرِهِ قَدْ تَرَكَ التَّدَلُّكَ ، وَأَمَّا هَهُنَا فَإِنَّمَا حَصَرَ لَهَا شُرُوطَ الطَّهَارَةِ ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الطَّهَارَةِ الْوَارِدَةَ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ هِيَ أَكْمَلُ صِفَاتِهَا ، وَأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ مِنْ أَرْكَانِهَا الْوَاجِبَةِ ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطُّهْرِ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِيهِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَحَادِيثِ ، وَفِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ ، لَا أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا ، فَهُوَ مِنْ بَابِ مُعَارَضَةِ الْقِيَاسِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَطَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ تَغْلِيبُ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْقِيَاسِ .
42 فَذَهَبَ قَوْمٌ كَمَا قُلْنَا إِلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ، وَغَلَّبُوا ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهَا عَلَى الْوُضُوءِ ، فَلَمْ يُوجِبُوا التَّدَلُّكَ ، وَغَلَّبَ آخَرُونَ قِيَاسَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوُضُوءِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ ، فَأَوْجَبُوا التَّدَلُّكَ كَالْحَالِ فِي الْوُضُوءِ ، فَمَنْ رَجَّحَ الْقِيَاسَ صَارَ إِلَى إِيجَابِ التَّدَلُّكِ ، وَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْقِيَاسِ صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ .
وَأَعْنِي بِالْقِيَاسِ : قِيَاسَ الطُّهْرِ عَلَى الْوُضُوءِ . وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ مِنْ طَرِيقِ الِاسْمِ فَفِيهِ ضَعْفٌ إِذْ كَانَ اسْمُ الطُّهْرِ وَالْغُسْلِ يَنْطَلِقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ .