الاعتكاف

الحنفية

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع اقرأ →
( كِتَابُ الِاعْتِكَافِ ) :
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ صِفَةِ الِاعْتِكَافِ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ صِحَّتِهِ وَفِي بَيَان رُكْنِهِ وَيَتَضَمَّنُ بَيَانَ مَحْظُورَاتِ الِاعْتِكَافِ وَمَا يُفْسِدُهُ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَسَدَ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالِاعْتِكَافُ فِي الْأَصْلِ سُنَّةٌ وَإِنَّمَا يَصِيرُ وَاجِبًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : قَوْلٌ وَهُوَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ ، بِأَنْ يَقُولَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ ، بِأَنْ يَقُولَ : إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي ، أَوْ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .
وَالثَّانِي فِعْلٌ ، وَهُوَ الشُّرُوعُ ; لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي التَّطَوُّعَ مُلْزِمٌ عِنْدَنَا كَالنَّذْرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ سُنَّةٌ ، مُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى } وَعَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : عَجَبًا لِلنَّاسِ تَرَكُوا الِاعْتِكَافَ وَقَدْ { ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَيَتْرُكُهُ وَلَمْ يَتْرُكْ الِاعْتِكَافَ مُنْذُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ مَاتَ } .
وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ دَلِيلُ كَوْنِهِ سُنَّةً فِي الْأَصْلِ وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ تَقَرُّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمُجَاوَرَةِ بَيْتِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ عَلَى خِدْمَتِهِ لِطَلَبِ الرَّحْمَةِ وَطَمَعِ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ مَثَلُ الْمُعْتَكِفِ مَثَلُ الَّذِي أَلْقَى نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ : لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَغْفِرَ لِي ; وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِمُلَازَمَةِ الْأَمَاكِنِ الْمَنْسُوبَةِ إلَيْهِ .
وَالْعَزِيمَةُ فِي الْعِبَادَاتِ الْقِيَامُ بِهَا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ ، وَإِنَّمَا رُخِّصَ تَرْكُهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالِاعْتِكَافِ اشْتِغَالًا بِالْعَزِيمَةِ حَتَّى لَوْ نَذَرَ بِهِ يَلْتَحِقُ بِالْعَزَائِمِ الْمُوَظَّفَةِ الَّتِي لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
المبسوط اقرأ →
باب الاعتكاف
فتح القدير اقرأ →
389 بَابُ الِاعْتِكَافِ قَالَ ( الِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ عَلَيْهِ 390 الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ وَالْمُوَاظَبَةُ دَلِيلُ السُّنَّةِ ( وَهُوَ اللَّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الصَّوْمِ وَنِيَّةِ الِاعْتِكَافِ ) أَمَّا اللَّبْثُ فَرُكْنُهُ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْهُ فَكَانَ وُجُودُهُ بِهِ ، وَالصَّوْمُ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ ، هُوَ يَقُولُ : إنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ وَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ . وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { ۝ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ } وَالْقِيَاسُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الْمَنْقُولِ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، 391 ثُمَّ الصَّوْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَاجِبِ مِنْهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً ، وَلِصِحَّةِ التَّطَوُّعِ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى 392 لِظَاهِرِ مَا رَوَيْنَا وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ . 393 وَفِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ . وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَقَلُّهُ سَاعَةٌ فَيَكُونُ مِنْ غَيْرِ صَوْمٍ . لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقْعُدُ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ . وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ ثُمَّ قَطَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَمْ يَكُنْ الْقَطْعُ إبْطَالًا . وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ : يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْيَوْمِ كَالصَّوْمِ .
رد المحتار على الدر المختار اقرأ →
باب الاعتكاف
البحر الرائق شرح كنز الدقائق اقرأ →
باب الاعتكاف
الاختيار لتعليل المختار اقرأ →
184 بَابُ الِاعْتِكَافِ
الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ ، وَهَذَا فِي الْوَاجِبِ وَهُوَ الْمَنْذُورُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ اللَّبْثُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ مَعَ الصَّوْمِ وَالنِّيَّةِ ، وَالْمَرْأَةُ تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا ، وَيُشْتَرَطُ فِي حَقِّهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ أَوِ الْجُمُعَةِ ، فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَاعَةً ( سم ) فَسَدَ ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّمْتُ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ وَدَوَاعِيهِ ، فَإِنْ جَامَعَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَ ، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَزِمَتْهُ بِلَيَالِيهَا مُتَتَابِعَةً ، وَلَوْ نَوَى النَّهَارَ خَاصَّةً صُدِّقَ ، وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ .

المالكية

مواهب الجليل في شرح مختصر خليل اقرأ →
ص ( بَابٌ الِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ )
ش : قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : الِاعْتِكَافُ لُزُومُ مَسْجِدٍ مُبَاحٍ لِقُرْبَةٍ نَاجِزَةٍ بِصَوْمٍ مَعْزُومٍ عَلَى دَوَامِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً سِوَى وَقْتِ خُرُوجِهِ لِجُمُعَةٍ أَوْ بِمُعَيَّنِهِ الْمَمْنُوعِ فِيهِ ، انْتَهَى .
وَقَوْلُهُ نَافِلَةٌ أَيْ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ : لَمْ يُبَيِّنْ مَا رُتْبَتُهُ فِي الْقُرَبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ إذْ لَوْ كَانَ سُنَّةً لَمْ يُوَاظِبْ السَّلَفُ عَلَى تَرْكِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَاضِي هُوَ قُرْبَةٌ كَالشَّيْخِ نَفْلُ خَيْرٍ الْكَافِي فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ وَفِي غَيْرِهِ جَائِزٌ . الْعَارِضَةِ : سُنَّةٌ لَا يُقَالُ فِيهِ مُبَاحٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ جَائِزٌ جَهْلٌ ابْنُ عَبْدُوسٍ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ مَا رَأَيْت صَحَابِيًّا اعْتَكَفَ وَقَدْ اعْتَكَفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قُبِضَ وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ اتِّبَاعًا فَلَمْ أَزَلْ أُفَكِّرُ حَتَّى أَخَذَ بِنَفْسِي أَنَّهُ لِشِدَّتِهِ نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ كَالْوِصَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ وِصَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْهُ كَرَاهِيَةَ مَالِكٍ ، انْتَهَى . وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ التَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْعِبَادَةِ وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ
منح الجليل شرح مختصر خليل اقرأ →
باب الاعتكاف

الشافعية

المجموع شرح المهذب اقرأ →
كتاب الاعتكاف
تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
( كِتَابُ الِاعْتِكَافِ ) هُوَ لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ وَلَوْ شَرًّا وَشَرْعًا 462 مُكْثٌ مَخْصُوصٌ عَلَى وَجْهٍ يَأْتِي وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ مُعْتَكِفٌ وَمُعْتَكَفٌ فِيهِ وَلُبْثٌ وَنِيَّةٌ ( هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ ) إجْمَاعًا ( وَ ) هُوَ ( فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ ) مِنْهُ فِي غَيْرِهَا وَلَوْ بَقِيَّةَ رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَاوَمَ عَلَيْهِ إلَى وَفَاتِهِ قَالُوا وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ ( لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) أَيْ : الْحِكَمِ وَالْفَضْلِ أَوْ الشَّرَفِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَاَلَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أَيْ الْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ قَدْرٍ فَهِيَ أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ { ۝ مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا أَيْ : تَصْدِيقًا بِهَا وَاحْتِسَابًا أَيْ : لِثَوَابِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } وَفِي رِوَايَةٍ { ۝ وَمَا تَأَخَّرَ } وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ خَبَرَ { ۝ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَقَدْ أَخَذَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِحَظٍّ وَافِرٍ } وَخَبَرَ { ۝ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ } وَقُدِّمَ هَذَا فِي سُنَنِ الصَّوْمِ لِيُبَيَّنَ ثُمَّ نَدَبَهُ لِلصَّوْمِ وَهُنَا نَدَبَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ وَأَرْجَاهَا الْأَوْتَارُ ( وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَنَّهَا ) أَيْ : تِلْكَ اللَّيْلَةَ الْمُعَيَّنَةَ ( لَيْلَةُ الْحَادِي ) وَالْعِشْرِينَ ( أَوْ ) لَيْلَةُ ( الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أُرِيَهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي لَيْلَةٍ وِتْرٍ مِنْهُ وَأَنَّهُ سَجَدَ صَبِيحَتَهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ } فَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْلَةُ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَاخْتَارَ جَمْعٌ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ 463 بَلْ تُنْقَلُ فِي لَيَالِيهِ فَعَامًا أَوْ أَعْوَامًا تَكُونُ وِتْرًا إحْدَى أَوْ ثَلَاثًا أَوْ غَيْرَهُمَا وَعَامًا أَوْ أَعْوَامًا تَكُونُ شَفْعًا ثِنْتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا أَوْ غَيْرَهُمَا قَالُوا وَلَا تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَارِضَةُ فِيهَا إلَّا بِذَلِكَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِيهِ وَيُسَنُّ لِرَائِيهَا كَتْمُهَا وَلَا يَنَالُ فَضْلَهَا أَيْ : كَمَالَهُ إلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا وَحِكْمَةُ إبْهَامِهَا فِي الْعَشْرِ إحْيَاءُ جَمِيعِ لَيَالِيهِ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِنَا وَبَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاَلَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَشَذَّ وَأَغْرَبُ مَنْ زَعَمَهَا لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَعَلَامَتُهَا أَنَّهَا مُعْتَدِلَةٌ وَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا وَلَيْسَ لَهَا كَثِيرُ شُعَاعٍ لِعَظِيمِ أَنْوَارِ الْمَلَائِكَةِ الصَّاعِدِينَ وَالنَّازِلِينَ فِيهَا وَفَائِدَةُ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ يَوْمِهَا ؛ إذْ يُسَنُّ الِاجْتِهَادُ فِيهِ كَلَيْلَتِهَا .
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
213 كِتَابُ الِاعْتِكَافِ هُوَ لُغَةً : اللُّبْثُ وَالْحَبْسُ وَالْمُلَازَمَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَلَوْ شَرًّا ، يُقَالُ اعْتَكَفَ وَعَكَفَ يَعْكُفُ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا عَكْفًا وَعُكُوفًا وَعَكَفْته أَعْكِفُهُ بِكَسْرِ الْكَافِ عَكْفًا لَا غَيْرُ ، يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا كَرَجَعَ وَرَجَعْته وَنَقَصَ وَنَقَصْته . وَشَرْعًا : لُبْثٌ فِي مَسْجِدٍ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ عَنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ صَاحٍ كَافٍ نَفْسَهُ عَنْ شَهْوَةِ الْفَرْجِ مَعَ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ ، وَأَصْلُهُ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } وَأَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ مِنْهَا { ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ رَمَضَانَ ، ثُمَّ الْأَوْسَطَ ، ثُمَّ الْأَخِيرَ وَلَازَمَهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّهُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ } وَفِي رِوَايَةٍ
214 { ۝ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْهُ } وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ كَمَا قَالَ ( هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ ) فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَلِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ .
الأم اقرأ →
كتاب الاعتكاف
الأم اقرأ →
باب الاعتكاف
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام … اقرأ →
481 كِتَابُ الِاعْتِكَافِ
أَمَّا الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ الْمُقَامُ وَاللُّبْثُ عَلَى الشَّيْءِ بِرًّا كَانَ أَوْ إِثْمًا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ [ الْأَعْرَافِ : 138 ] ، أَيْ : يُقِيمُونَ وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : ﴿﴾ تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا ﴿﴾ وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ : ﴿﴾ فَهُنَّ عُكُوفٌ كَنَوْحِ الْحَمَامِ ﴿﴾ ﴿﴾ قَدْ شَفَى أَكْبَادَهُنَّ الْهَوَى ﴿﴾ ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ فَقَرَّرَ الِاعْتِكَافَ لُبْثًا عَلَى صِفَةٍ فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ : وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [ الْبَقَرَةِ : 187 ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى : أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ الْبَقَرَةِ : 125 ] ، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدُهُمَا : تَطْهِيرُهُ مِنَ الْكُفَّارِ .
وَالثَّانِي : مِنَ الْأَصْنَامِ .
وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ عَشْرًا مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ إِلَى أَنْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَالِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ وَقُرْبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَلَازِمَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، رِوَايَةُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ 482 الْأَوَاخِرَ " فَعَلَّقَهُ بِالْإِرَادَةِ ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَاتِ قَدْ قَرَّرَ لَهَا الشَّرْعُ أَسْبَابًا رَاتِبَةً كَالصَّلَاةِ ، أَوْ عَارِضَةً كَالزَّكَاةِ ، وَلَيْسَ لِلِاعْتِكَافِ سَبَبٌ رَاتِبٌ ، وَلَا عَارِضٌ فَعُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
كتاب الاعتكاف

الحنابلة

المغني اقرأ →
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ : لُزُومُ الشَّيْءِ ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ ، بِرًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } . وَقَالَ : { يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ } . قَالَ الْخَلِيلُ : عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ . وَهُوَ فِي الشَّرْعِ : الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ ، عَلَى صِفَةٍ نَذْكُرُهَا ، وَهُوَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ } . وَقَالَ : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ : { ۝ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ ، فِي ( سُنَنِهِ ) ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ : هُوَ يَعْكُفُ الذُّنُوبَ ، وَيُجْرَى لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَات كُلِّهَا } . وَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ .
وَفِي إسْنَادِهِ فَرْقَد السَّبَخِيُّ قَالَ أَبُو دَاوُد : قُلْت لِأَحْمَدَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : تَعْرِفُ فِي فَضْلِ الِاعْتِكَافِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا شَيْئًا ضَعِيفًا . وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ مَسْنُونٌ .
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
498 - 499 كِتَابُ الِاعْتِكَافِ لُغَةً : لُزُومُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ { يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ } بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْمَاضِي وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا فِي الْمُضَارِعِ وَشَرْعًا ( لُزُومُ مُسْلِمٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ عَاقِلٍ ، وَلَوْ ) كَانَ ( مُمَيِّزًا : مَسْجِدًا ) مَفْعُولُ " لُزُومُ " ( وَلَوْ ) كَانَ لُزُومُهُ ، أَيْ : وَقْتِهِ ( سَاعَةً ) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ أَيْ : مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا ( لِطَاعَةٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِ " لُزُومُ " ( عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ) تَأْتِي فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ ، وَلَا مِمَّنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَا غَيْرِ عَاقِلٍ وَمَنْ دُونَ التَّمْيِيزِ ، وَلَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ بِغَيْرِ لُبْثٍ وَلَا يَلْزَمُ غَيْرَ مَسْجِدٍ لِنَحْوِ صِنَاعَةٍ ، وَمَشْرُوعِيَّتُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَالَ فِي الْمُغْنِي : وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا فِي أَنَّهُ مَسْنُونٌ وَيُسَمَّى جِوَارًا وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ : لَا يَحِلُّ أَنْ يُسَمَّى خَلْوَةً وَفِي الْفُرُوعِ : وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى .
( وَلَا يَبْطُلُ ) اعْتِكَافٌ ( بِإِغْمَاءٍ ) كَنَوْمٍ لِبَقَاءِ التَّكْلِيفِ ( وَسُنَّ ) اعْتِكَافُ ( كُلِّ وَقْتٍ ) لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهِ وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مَعَهُ ، وَبَعْدَهُ .
( وَ ) هُوَ ( فِي رَمَضَانَ آكَدُ ) لِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَآكَدُهُ ) أَيْ : رَمَضَانَ ( عَشْرُهُ الْأَخِيرِ ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { ۝ كُنْت أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ ، يَعْنِي الْأَوْسَطَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَلْبَثْ فِي مُعْتَكَفِهِ } وَلِمَا فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَنَقَصَ الشَّهْرُ أَجْزَأَهُ ، لَا إنْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَنَقَصَ فَيَقْضِي يَوْمًا ( وَيَجِبُ ) اعْتِكَافٌ ( بِنَذْرٍ ) لِحَدِيثِ { ۝ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
( وَإِنْ عَلَّقَ ) نَذْرَ اعْتِكَافٍ ( أَوْ غَيْرِهِ ) كَنَذْرِ صَوْمٍ أَوْ عِتْقٍ ( بِشَرْطٍ ) كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي لَأَعْتَكِفَنَّ أَوْ لَأَصُومَنَّ كَذَا ( تَقَيَّدَ 500 بِهِ ) أَيْ : الشَّرْطِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبْلَهُ كَطَلَاقٍ ( وَيَصِحُّ ) اعْتِكَافٌ ( بِلَا صَوْمٍ ) لِحَدِيثِ عُمَرَ { ۝ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْفِ بِنَذْرِك } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لِمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَكَالصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ { ۝ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ } مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ وَهَمَ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ : الِاسْتِحْبَابُ وَ ( لَا ) يَصِحُّ اعْتِكَافٌ ( بِلَا نِيَّةٍ ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَلِحَدِيثِ { ۝ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } ( وَيَجِبُ أَنْ يُعَيَّنَ نَذْرٌ بِهَا ) أَيْ النِّيَّةِ ، لِيَتَمَيَّزَ النَّذْرُ عَنْ التَّطَوُّعِ ( وَمَنْ نَوَى خُرُوجَهُ مِنْهُ ) أَيْ : الِاعْتِكَافِ ( بَطَلَ ) كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ .
( وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا ) لَزِمَهُ الْجَمْعُ ( أَوْ ) نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ ( بِصَوْمٍ ) لَزِمَهُ الْجَمْعُ ( أَوْ ) نَذَرَ أَنْ ( يَصُومَ مُعْتَكِفًا ) لَزِمَهُ الْجَمْعُ ( أَوْ بِاعْتِكَافٍ أَوْ ) نَذَرَ أَنْ ( يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا ) لَزِمَهُ الْجَمْعُ ( أَوْ ) نَذَرَ ( أَنْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا لَزِمَهُ الْجَمْعُ ) بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لِحَدِيثِ { ۝ لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صَوْمٌ ، إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ } وَقِيسَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ فَلَزِمَتْ بِالنَّذْرِ كَالتَّتَابُعِ وَالْقِيَامِ فِي النَّافِلَةِ ( كَنَذْرِ صَلَاةٍ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ ) مِنْ الْقُرْآنِ فَلَوْ فَرَّقَهُمَا أَوْ اعْتَكَفَ وَصَامَ مِنْ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ النَّهَارِ ، بَلْ يَكْفِيهِ رَكْعَتَانِ .
( وَلَا يَجُوزُ لِزَوْجَةٍ وَقِنٍّ ) وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ ( اعْتِكَافٌ بِلَا إذْنِ زَوْجٍ ) لِزَوْجَتِهِ .
( وَ ) لَا إذْنِ ( سَيِّدٍ ) لِرَقِيقِهِ ، لِتَفْوِيتِ حَقِّهِمَا عَلَيْهِمَا ( وَلَهُمَا ) أَيْ : الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ ( تَحْلِيلُهُمَا ) أَيْ : الزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ ( مِمَّا شَرَعَا فِيهِ ) مِنْ اعْتِكَافٍ وَلَوْ مَنْذُورًا ( بِلَا إذْنِ ) زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ لِحَدِيثِ { ۝ لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ }
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ غَيْرِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَانَ لِرَبِّ الْحَقِّ الْمَنْعُ مِنْهُ ، كَمَنْعِ مَالِكٍ غَاصِبًا ( أَوْ ) كَانَا شَرَعَا فِيهِ ( بِهِ ) أَيْ : بِإِذْنِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ ( وَهُوَ ) أَيْ : مَا شَرَعَا فِيهِ ( تَطَوُّعٌ ) لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي الِاعْتِكَافِ ، ثُمَّ مَنَعَهُنَّ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ فِيهِ } وَيُخَالِفُ الْحَجَّ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا مِنْ مَنْذُورٍ شَرَعَا فِيهِ بِالْإِذْنِ وَالْإِذْنُ فِي عَقْدِ النَّذْرِ إذْنٌ فِي فِعْلِهِ إنْ نَذَرَا مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ ( وَلِمُكَاتَبٍ اعْتِكَافٌ بِلَا إذْنِ ) سَيِّدِهِ نَصًّا لِمِلْكِهِ مَنَافِعَ نَفْسِهِ ، كَحُرٍّ مَدِينٍ ، بِخِلَافِ أُمِّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرٍ .
( وَ ) لِمُكَاتَبٍ 501 أَيْضًا ( حَجٌّ ) بِلَا إذْنٍ نَصًّا كَاعْتِكَافٍ وَأَوْلَى لِإِمْكَانِ التَّكَسُّبِ مَعَهُ لَكِنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ وَيَأْتِي ( مَا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ ) مِنْ كِتَابَتِهِ فَإِنْ حَلَّ لَمْ يَحُجَّ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ ( وَمُبَعَّضٌ كَقِنٍّ ) كُلُّهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ ( إلَّا مَعَ مُهَايَأَةٍ ) فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ وَيَحُجَّ ( فِي نَوْبَتِهِ ) بِلَا إذْنِ مَالِكٍ أَوْ بَعْضِهِ ( فَ ) إنَّهُ فِي نَوْبَتِهِ ( كَحُرٍّ ) لِمِلْكِهِ اكْتِسَابَهُ وَمَنَافِعَهُ .
الإنصاف اقرأ →
كتاب الاعتكاف
الفروع اقرأ →
باب الاعتكاف
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
157 كِتَابُ الِاعْتِكَافِ .
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ : لُزُومُ الشَّيْءِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ . وَفِي الشَّرْعِ : لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَنْ صَاحِبِ " الْمَطَالِعِ " وَغَيْرِهِ . قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : يُقَالُ عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ عَكْفًا وَعُكُوفًا وَاعْتَكَفَ : لَزِمَ الْمَكَانَ . وَالْعُكُوفُ : الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ .
" إِلَّا أَنْ يُنْذِرَهُ " .
بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا عَنِ الْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ .
" إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَاةٌ " .
قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ فِي كِتَابِهِ " الْمُحِيطُ " : وَالْمُهَايَاةُ يَعْنِي بِغَيْرِ هَمْزٍ ، أَمْرٌ يَتَهَايَى الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَيَتَرَاضَوْنَ . قُلْتُ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا " مُفَاعَلَةً " مِنَ الْهَيْأَةِ ؛ أَيْ يَتَّفِقُونَ عَلَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ .
" فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ " .
أَيْ تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ ، وَيُجْتَمَعُ فِيهِ لَهَا . يُقَالُ : قَوْمٌ جَمِيعٌ ؛ أَيْ مُجْتَمِعُونَ . فَأَمَّا صَلَاةُ الْجُمْعَةِ فَيُقَالُ : يُجَمَّعُ فِيهِ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْقَطَّاعِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ .
158 " يَتَخَلَّلُهُ " .
أَيْ يَتَخَلَّلُ الْجُمْعَةَ اعْتِكَافُهُ ؛ أَيْ يَكُونُ فِي خَلَلِهِ .
" وَأَفْضَلُهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ، ثُمَّ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ الْأَقْصَى " .
فَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ : مَسْجِدُ الْكَعْبَةِ ، وَسُمِّيَ الْحَرَامَ لِمَا يُذْكَرُ فِي " دُخُولِ مَكَّةَ " .
وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ : مَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمَدِينَةُ لَهَا أَسْمَاءٌ : الْمَدِينَةُ وَطَابَةُ وَطَيْبَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ . وَقَيَّدْتُهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ احْتِرَازًا مِنْ طِيبَةَ بِكَسْرِهَا ، فَإِنَّهَا قَرْيَةٌ قُرْبَ زُرُودَ . وَيَثْرِبُ كَانَ اسْمُهَا قَدِيمًا ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّثْرِيبِ ، وَهُوَ التَّعْيِيرُ وَالِاسْتِقْصَاءُ فِي اللَّوْمِ . وَتَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ " يَثْرِبَ " حِكَايَةٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَهَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ . وَقِيلَ : يَثْرِبُ اسْمُ أَرْضِهَا . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ يَثْرِبَ بِاسْمِ رَجُلٍ مِنَ الْعَمَالِقَةِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَهَا . وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : مَنْ سَمَّاهَا يَثْرِبَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ . وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى : مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى لِبُعْدِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُزَارُ . وَيَأْتِي ذِكْرُ الْمَدِينَةِ فِي بَابِ " صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ " .
159 " كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ " .
يُرِيدُ الْخُرُوجَ لِلْبَوْلِ وَالْغَائِطِ .
" فَسَدَ اعْتِكَافُهُ " .
بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا .
" بِفِعْلِ الْقُرَبِ " الْقُرَبُ : جَمْعُ قُرْبَةٍ وَهِيَ كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ؛ أَيْ يُطْلَبُ بِهِ الْقُرْبُ عِنْدَهُ .
" مَا لَا يَعْنِيهِ " .
بِفَتْحِ الْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ ضَمُّهَا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ ؛ أَيْ مَا لَا يُهِمُّهُ .
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
كتاب الاعتكاف

الظاهرية

المحلى بالآثار اقرأ →
411 كِتَابُ الِاعْتِكَافِ الِاعْتِكَافُ : هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاعَةً فَمَا فَوْقَهَا ، لَيْلًا ، أَوْ نَهَارًا ؟ 624 - مَسْأَلَةٌ : وَيَجُوزُ اعْتِكَافُ يَوْمٍ دُونَ لَيْلَةٍ ، وَلَيْلَةٍ دُونَ يَوْمٍ ، وَمَا أَحَبَّ الرَّجُلُ ، أَوْ الْمَرْأَةُ ؟ بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ } . فَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ خَاطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالِاعْتِكَافُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ : الْإِقَامَةُ ، قَالَ تَعَالَى : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } بِمَعْنَى مُقِيمُونَ مُتَعَبِّدُونَ لَهَا . فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا ، فَكُلُّ إقَامَةٍ فِي مَسْجِدٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ : اعْتِكَافٌ ، وَعُكُوفٌ ؟ فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا ، فَالِاعْتِكَافُ يَقَعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَلَّ مِنْ الْأَزْمَانِ أَوْ كَثُرَ ، إذْ 412 لَمْ يَخُصَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ ، وَلَا وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ ، وَمُدَّعِي ذَلِكَ مُخْطِئٌ ; لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِلَا بُرْهَانٍ
وَالِاعْتِكَافُ : فِعْلٌ حَسَنٌ ، قَدْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجُهُ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَهُ وَالتَّابِعُونَ ؟ وَمِمَّنْ قَالَ بِمِثْلِ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ - : كَمَا أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدٍ الْبُصَيْرِيُّ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ : مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ طَاهِرٌ فَهُوَ عَاكِفٌ فِيهِ ، مَا لَمْ يُحْدِثْ - : وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخْبِرُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : إنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ سَاعَةً وَمَا أَمْكُثُ إلَّا لِأَعْتَكِفَ .
قَالَ عَطَاءٌ : حَسِبْت أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَنِيهِ ؟ قَالَ عَطَاءٌ : هُوَ اعْتِكَافٌ مَا مَكَثَ فِيهِ ، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ احْتِسَابَ الْخَيْرِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ ، وَإِلَّا فَلَا ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : يَعْلَى صَاحِبٌ ، وَسُوَيْدٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، أَفْتَى أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، لَا يُعْرَفُ لِيَعْلَى فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنْ قِيلَ : قَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ : لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ ، وَهَذَا خِلَافٌ لِقَوْلِ يَعْلَى ؟ قُلْنَا : لَيْسَ كَمَا تَقُولُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ قَطُّ عَمَّنْ ذَكَرْت : لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ ، إنَّمَا جَاءَ عَنْهُمْ : أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ فَقَطْ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْتَكِفَ الْمَرْءُ عَلَى هَذَا سَاعَةً فِي يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ .
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، فَبَطَلَ مَا أَوْهَمْتُمْ بِهِ وقَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } فَلَمْ يَخُصَّ تَعَالَى مُدَّةً مِنْ مُدَّةٍ { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
413 وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ : نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ - قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { ۝ قَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؟ قَالَ : فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ } .
فَهَذَا عُمُومٌ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ فِي الِاعْتِكَافِ ، وَلَمْ يَخُصَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُدَّةً مِنْ مُدَّةٍ ، فَبَطَلَ قَوْلٌ خَالَفَ قَوْلَنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ؟
وَقُلْنَا : هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَقَالَ مَالِكٌ : لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ : لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ .
وَلَهُ قَوْلٌ : لَا اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ سَبْعِ لَيَالٍ ، مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ .
وَكُلُّ هَذَا قَوْلٌ بِلَا دَلِيلٍ . فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَعْتَكِفْ قَطُّ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلَا اعْتَكَفَ قَطُّ إلَّا فِي رَمَضَانَ ، وَشَوَّالٍ ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ ؟
وَالِاعْتِكَافُ فِي فِعْلِ خَيْرٍ ، فَلَا يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْهُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ بِالْمَنْعِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . فَإِنْ قَالُوا : قِسْنَا عَلَى مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ ؟ قِيلَ لَهُمْ : فَقِيسُوا عَلَى اعْتِكَافِهِ عَشْرًا ، أَوْ عِشْرِينَ : مَا دُونَ الْعَشْرِ . وَمَا فَوْقَ الْعِشْرِينَ ، إذْ لَيْسَ مِنْهَا سَاعَةٌ وَلَا يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ فِيهِ مُعْتَكِفٌ

المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد اقرأ →
كتاب الاعتكاف