الهبات

المالكية

المدونة اقرأ →
382 كِتَابُ الْهِبَاتِ تَغْيِيرُ الْهِبَةِ قُلْتُ : لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ يُعَوِّضَهُ ، فَتَغَيَّرَتْ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانِ بَدَنٍ قَبْلَ أَنْ يُعَوِّضَهُ ، فَأَرَادَ هَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ أَنْ لَا يُعَوِّضَهُ وَأَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ ؟
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَتَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ قِيمَتُهَا .
قُلْتُ : فَإِنْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا ؟
قَالَ : لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي حَوَالَةِ أَسْوَاقِهَا ، وَلَا أَرَى لَهُ شَيْئًا إلَّا هِبَتَهُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ فِي بَدَنِهَا بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ .

الظاهرية

المحلى بالآثار اقرأ →
56 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ كِتَابُ الْهِبَاتِ 1626 - مَسْأَلَةٌ : لَا تَجُوزُ هِبَةٌ إلَّا فِي مَوْجُودٍ ، مَعْلُومٍ ، مَعْرُوفِ الْقَدْرِ ، وَالصِّفَاتِ ، وَالْقِيمَةِ ، وَإِلَّا فَهِيَ بَاطِلٌ مَرْدُودَةٌ .
وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ كَمَنْ وَهَبَ مَا تَلِدُ أَمَتُهُ ، أَوْ شَاتُه ، أَوْ سَائِرُ حَيَوَانِهِ ، أَوْ مَا يَحْمِلُ شَجَرُهُ الْعَامَ - وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ ; لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا لَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ وَالْأَشْيَاءَ مَعَهُ - وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ قَالَهُ .
وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْعَطِيَّةُ يَقْتَضِي كُلُّ ذَلِكَ مَوْهُوبًا وَمُتَصَدَّقًا ، فَمَنْ أَعْطَى مَعْدُومًا أَوْ تَصَدَّقَ بِمَعْدُومٍ فَلَمْ يُعْطِ شَيْئًا ، وَلَا وَهَبَ شَيْئًا ، وَلَا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ .
وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمٌ - وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْوَالَ النَّاسِ إلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَطِيبَ النَّفْسُ عَلَى مَا لَا تَعْرِفُ صِفَاتِهِ وَلَا مَا هُوَ ، وَلَا مَا قَدْرُهُ ، وَلَا مَا يُسَاوِي ، وَقَدْ تَطِيبُ نَفْسُ الْمَرْءِ غَايَةَ الطِّيبِ عَلَى بَذْلِ الشَّيْءِ وَبَيْعِهِ ، وَلَوْ عَلِمَ صِفَاتِهِ وَقَدْرِهِ وَمَا يُسَاوِي لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِهِ - فَهَذَا أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ فَهُوَ حَرَامٌ لَا يَحِلُّ .
وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْطَى أَوْ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ أَوْ بِرِطْلٍ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ ، أَوْ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا الْبُرِّ ، فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ صَدَقَتَهُ ، وَلَا هِبَتَهُ ، عَلَى مَكِيلٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا مَوْزُونٍ بِعَيْنِهِ ، وَلَا مَعْدُودٍ بِعَيْنِهِ ، فَلَمْ يَهَبْ وَلَا تَصَدَّقَ أَصْلًا .
وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ لَا يَدْرِي ، وَلَا لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ ، لِمَا ذَكَرْنَا ، وَأَمَّا الْحَبْسُ فَبِخِلَافِ هَذَا كُلِّهِ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 57
وَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ حُكْمُهُ الْوَارِدُ فِيهِ بِالنَّصِّ .
فَإِنْ ذَكَرُوا الْحَدِيثَ الَّذِي رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ نا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ دِحْيَةُ يَوْمَ خَيْبَرَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ ؟ قَالَ : اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ بِنْتَ حُيَيِّ سَيِّدِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَمَا تَصْلُحُ إلَّا لَكَ ، قَالَ : اُدْعُهُ بِهَا ، قَالَ : فَجَاءَ بِهَا ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا - وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا . }
قُلْنَا : هَذَا أَعْظَمُ حُجَّةً لَنَا ; لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَوْ تَمَّتْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَحَاشَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ الْمَثَلُ السَّوْءُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَقُولُ { ۝ : لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ }
لَكِنَّ أَخْذَهَا وَتَمَامَ مِلْكِهِ لَهَا ، وَكَمَالَ عَطِيَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ ، إذْ عَرَفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَيْنَهَا ، أَوْ صِفَتَهَا ، أَوْ قَدْرَهَا ، وَمَنْ هِيَ ؟ ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ { ۝ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اشْتَرَى صَفِيَّةَ مِنْ دِحْيَةَ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ . }
قُلْنَا : كِلَا الْخَبَرَيْنِ عَنْ أَنَسٍ صَحِيحٌ ، وَتَأْلِيفُهُمَا ظَاهِرٌ .
وَقَوْلُهُ " إنَّهَا وَقَعَتْ فِي سَهْمِهِ ، إنَّمَا مَعْنَاهُ بِأَخْذِهِ إيَّاهَا إذْ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ ؟ فَقَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً - وَبِلَا شَكٍّ أَنَّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَقَدْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ .
وَقَوْلُهُ { ۝ اشْتَرَاهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ } يُخَرَّجُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ - : أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَوَّضَهُ مِنْهَا فَسَمَّى أَنَسٌ ذَلِكَ الْفِعْلَ شِرَاءً . وَالثَّانِي - { ۝ أَنَّ دِحْيَةَ إذْ أَتَى بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : خُذْ غَيْرَهَا ، قَدْ سَأَلَهُ إيَّاهَا ، } وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا ، فَصَحَّتْ لَهُ ، وَصَحَّ وُقُوعُهَا فِي سَهْمِهِ ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ .
وَلَا شَكَّ فِي صِحَّةِ الْخَبَرَيْنِ ، وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِصِحَّتِهِمَا ، إلَّا كَمَا ذَكَرْنَا ، وَمَا لَا شَكَّ فِيهِ فَلَا شَكَّ فِيمَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ . 58
فَإِنْ ذَكَرُوا { ۝ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ : لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا . }
قُلْنَا : هَذِهِ عِدَةٌ لَا عَطِيَّةٌ ، وَقَدْ أَنْفَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْعِدَّةَ بَعْد مَوْتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَنْفُذْ قَوْلُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ - وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .

المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد اقرأ →
كتاب الهبات