الأشربة
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
( كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ )
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ فِي .
بَيَانِ أَسْمَاءِ الْأَشْرِبَةِ الْمَعْرُوفَةِ الْمُسْكِرَةِ ، وَفِي بَيَانِ مَعَانِيهَا ، وَفِي بَيَانِ أَحْكَامِهَا ، وَفِي بَيَانِ حَدِّ السُّكْرِ .
( أَمَّا ) أَسْمَاؤُهَا : فَالْخَمْرُ ، وَالسَّكَرُ ، وَالْفَضِيخُ ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ ، وَالطِّلَاءُ ، وَالْبَاذِقُ ، وَالْمُنَصَّفُ ، وَالْمُثَلَّثُ وَالْجُمْهُورِيُّ ، وَقَدْ يُسَمَّى أَبُو سُقْيَا وَالْخَلِيطَانِ وَالْمِزْرُ وَالْجِعَةُ وَالْبِتْعَ .
( أَمَّا ) بَيَانُ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَمَّا الْخَمْرُ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ مَاءُ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ فَقَدْ صَارَ خَمْرًا وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْخَمْرِ قَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَمْ يَقْذِفْ بِهِ ( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الرُّكْنَ فِيهَا مَعْنَى الْإِسْكَارِ وَذَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْقَذْفِ بِالزَّبَدِ ( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَعْنَى الْإِسْكَارِ لَا يَتَكَامَلُ إلَّا بِالْقَذْفِ بِالزَّبَدِ فَلَا يَصِيرُ خَمْرًا بِدُونِهِ ( وَأَمَّا ) السَّكَرُ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَمْ يَقْذِفْ عَلَى الِاخْتِلَافِ .
وَأَمَّا الْفَضِيخُ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْبُسْرِ الْمَنْضُوخِ وَهُوَ الْمَدْقُوقُ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَا عَلَى الِاخْتِلَاف .
( وَأَمَّا ) نَقِيعُ الزَّبِيبِ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ الْمَنْقُوعِ فِي الْمَاءِ حَتَّى خَرَجَتْ حَلَاوَتُهُ إلَيْهِ وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَا عَلَى الْخِلَافِ .
( وَأَمَّا ) الطِّلَاءُ فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَطْبُوخِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَصَارَ مُسْكِرًا وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْبَاذَقِ وَالْمُنَصَّفِ لِأَنَّ الْبَاذَقَ هُوَ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَالْمُنَصَّفُ هُوَ الْمَطْبُوخُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ النِّصْفُ ، وَقِيلَ الطِّلَاءُ هُوَ الْمُثَلَّثُ وَهُوَ الْمَطْبُوخُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ مُعَتَّقًا وَصَارَ مُسْكِرًا .
( وَأَمَّا ) الْجُمْهُورِيُّ فَهُوَ الْمُثَلَّثُ يُصَبُّ الْمَاءُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ قَدْرَ الذَّاهِبِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ ثُمَّ يُطْبَخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَيَصِيرُ مُسْكِرًا ( وَأَمَّا ) الْخَلِيطَانِ فَهُمَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ أَوْ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ إذَا خُلِطَا وَنُبِذَا حَتَّى غَلَيَا وَاشْتَدَّا ( وَأَمَّا ) الْمِزْرُ فَهُوَ اسْمٌ لِنَبِيذِ الذُّرَةِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا ( وَأَمَّا ) الْجِعَّةُ فَهُوَ اسْمٌ لِنَبِيذِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا ( وَأَمَّا ) الْبِتْعُ فَهُوَ اسْمٌ لِنَبِيذِ الْعَسَلِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا هَذَا بَيَانُ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاء .
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ فِي .
بَيَانِ أَسْمَاءِ الْأَشْرِبَةِ الْمَعْرُوفَةِ الْمُسْكِرَةِ ، وَفِي بَيَانِ مَعَانِيهَا ، وَفِي بَيَانِ أَحْكَامِهَا ، وَفِي بَيَانِ حَدِّ السُّكْرِ .
( أَمَّا ) أَسْمَاؤُهَا : فَالْخَمْرُ ، وَالسَّكَرُ ، وَالْفَضِيخُ ، وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ ، وَالطِّلَاءُ ، وَالْبَاذِقُ ، وَالْمُنَصَّفُ ، وَالْمُثَلَّثُ وَالْجُمْهُورِيُّ ، وَقَدْ يُسَمَّى أَبُو سُقْيَا وَالْخَلِيطَانِ وَالْمِزْرُ وَالْجِعَةُ وَالْبِتْعَ .
( أَمَّا ) بَيَانُ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَمَّا الْخَمْرُ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الرَّحْمَةُ مَاءُ الْعِنَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ فَقَدْ صَارَ خَمْرًا وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْخَمْرِ قَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَمْ يَقْذِفْ بِهِ ( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الرُّكْنَ فِيهَا مَعْنَى الْإِسْكَارِ وَذَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْقَذْفِ بِالزَّبَدِ ( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَعْنَى الْإِسْكَارِ لَا يَتَكَامَلُ إلَّا بِالْقَذْفِ بِالزَّبَدِ فَلَا يَصِيرُ خَمْرًا بِدُونِهِ ( وَأَمَّا ) السَّكَرُ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الرُّطَبِ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَمْ يَقْذِفْ عَلَى الِاخْتِلَافِ .
وَأَمَّا الْفَضِيخُ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْبُسْرِ الْمَنْضُوخِ وَهُوَ الْمَدْقُوقُ إذَا غَلَى وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَا عَلَى الِاخْتِلَاف .
( وَأَمَّا ) نَقِيعُ الزَّبِيبِ فَهُوَ اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ الْمَنْقُوعِ فِي الْمَاءِ حَتَّى خَرَجَتْ حَلَاوَتُهُ إلَيْهِ وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ أَوْ لَا عَلَى الْخِلَافِ .
( وَأَمَّا ) الطِّلَاءُ فَهُوَ اسْمٌ لِلْمَطْبُوخِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَصَارَ مُسْكِرًا وَيَدْخُلُ تَحْتَ الْبَاذَقِ وَالْمُنَصَّفِ لِأَنَّ الْبَاذَقَ هُوَ الْمَطْبُوخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَالْمُنَصَّفُ هُوَ الْمَطْبُوخُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا ذَهَبَ نِصْفُهُ وَبَقِيَ النِّصْفُ ، وَقِيلَ الطِّلَاءُ هُوَ الْمُثَلَّثُ وَهُوَ الْمَطْبُوخُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ مُعَتَّقًا وَصَارَ مُسْكِرًا .
( وَأَمَّا ) الْجُمْهُورِيُّ فَهُوَ الْمُثَلَّثُ يُصَبُّ الْمَاءُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ بِالطَّبْخِ قَدْرَ الذَّاهِبِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ ثُمَّ يُطْبَخُ أَدْنَى طَبْخَةٍ وَيَصِيرُ مُسْكِرًا ( وَأَمَّا ) الْخَلِيطَانِ فَهُمَا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ أَوْ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ إذَا خُلِطَا وَنُبِذَا حَتَّى غَلَيَا وَاشْتَدَّا ( وَأَمَّا ) الْمِزْرُ فَهُوَ اسْمٌ لِنَبِيذِ الذُّرَةِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا ( وَأَمَّا ) الْجِعَّةُ فَهُوَ اسْمٌ لِنَبِيذِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا ( وَأَمَّا ) الْبِتْعُ فَهُوَ اسْمٌ لِنَبِيذِ الْعَسَلِ إذَا صَارَ مُسْكِرًا هَذَا بَيَانُ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاء .
المبسوط
اقرأ →
كتاب الأشربة
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
كتاب الأشربة
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
كتاب الأشربة
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
358 كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ
الْمُحَرَّمُ مِنْهَا الْخَمْرُ وَهِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ ، الثَّانِي الْعَصِيرُ إِذَا طُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُوَ الطِّلَاءُ ، وَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُهُ فَالْمُنَصَّفُ . الثَّالِثُ السَّكَرُ ، وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءَ الرُّطَبِ إِذَا غَلَا كَذَلِكَ .
الرَّابِعُ : نَقِيعُ الزَّبِيبِ ، وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ كَذَلِكَ ، وَحُرْمَةُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَتُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهَا حَتَّى يَسْكَرَ ، وَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا; وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ ، وَإِنِ اشْتَدَّ إِذَا شُرِبَ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ . وَعَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ حَلَالٌ ، وَإِنِ اشْتَدَّ إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّقَوِّي ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ التَّلَهِّي فَحَرَامٌ وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ حَلَالٌ طُبِخَ أَوْ لَا ; وَفِي حَدِّ السَّكْرَانِ مِنْهُ رِوَايَتَانِ; وَيُكْرَهُ شُرْبُ دِرْدِيِّ الْخَمْرِ وَالِامْتِشَاطُ بِهِ وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ ، وَخَلُّ الْخَمْرِ حَلَالٌ سَوَاءٌ تَخَلَّلَتْ أَوْ خُلِّلَتْ .
الْمُحَرَّمُ مِنْهَا الْخَمْرُ وَهِيَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ ، الثَّانِي الْعَصِيرُ إِذَا طُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُوَ الطِّلَاءُ ، وَإِنْ ذَهَبَ نِصْفُهُ فَالْمُنَصَّفُ . الثَّالِثُ السَّكَرُ ، وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءَ الرُّطَبِ إِذَا غَلَا كَذَلِكَ .
الرَّابِعُ : نَقِيعُ الزَّبِيبِ ، وَهُوَ النِّيءُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ إِذَا غَلَا وَاشْتَدَّ كَذَلِكَ ، وَحُرْمَةُ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَتُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ ، وَلَا يُحَدُّ شَارِبُهَا حَتَّى يَسْكَرَ ، وَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا; وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ أَدْنَى طَبْخَةٍ حَلَالٌ ، وَإِنِ اشْتَدَّ إِذَا شُرِبَ مَا لَمْ يُسْكِرْ مِنْ غَيْرِ لَهْوٍ . وَعَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ حَلَالٌ ، وَإِنِ اشْتَدَّ إِذَا قُصِدَ بِهِ التَّقَوِّي ، وَإِنْ قُصِدَ بِهِ التَّلَهِّي فَحَرَامٌ وَنَبِيذُ الْعَسَلِ وَالتِّينِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ حَلَالٌ طُبِخَ أَوْ لَا ; وَفِي حَدِّ السَّكْرَانِ مِنْهُ رِوَايَتَانِ; وَيُكْرَهُ شُرْبُ دِرْدِيِّ الْخَمْرِ وَالِامْتِشَاطُ بِهِ وَلَا بَأْسَ بِالِانْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ ، وَخَلُّ الْخَمْرِ حَلَالٌ سَوَاءٌ تَخَلَّلَتْ أَوْ خُلِّلَتْ .
المالكية
المدونة
اقرأ →
523 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْمُسْكِرَ مِنْ النَّبِيذِ ؟ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ كُلِّهَا فَهُوَ خَمْرٌ يُضْرَبُ صَاحِبُهُ فِيهِ ثَمَانِينَ . وَفِي رَائِحَتِهِ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ ، نَبِيذًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ فِيهِ ثَمَانِينَ .
قُلْتُ : مِنْ حِنْطَةٍ كَانَ هَذَا النَّبِيذُ أَوْ مِنْ شَعِيرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالسُّكْرُكَةُ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهَا عِنْدَهُ خَمْرٌ إذَا كَانَتْ تُسْكِرُ .
قُلْتُ : مِنْ حِنْطَةٍ كَانَ هَذَا النَّبِيذُ أَوْ مِنْ شَعِيرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالسُّكْرُكَةُ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهَا عِنْدَهُ خَمْرٌ إذَا كَانَتْ تُسْكِرُ .
الذخيرة
اقرأ →
الْجِنَايَةُ السَّابِعَةُ
حَدُّ الشُّرْبِ ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُوجِبِ وَالْوَاجِبِ
النَّظَرُ الْأَوَّلُ : فِي الْمُوجِبِ : وَهُوَ شُرْبُ الْقَطْرَةِ مِمَّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ اخْتِيَارًا مِنْ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ ( أَكْثَرَ فِقْهًا ) وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِّ . وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ :
الْأُولَى : فِي الْكِتَابِ : مَنْ شَرِبَ خَمْرًا ، أَوْ نَبِيذًا مُسْكِرًا وَإِنْ قَتَلَ ، سَكِرَ أَمْ لَا ، حُدَّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ بِهِ رَائِحَةُ الْخَمْرِ ( عَصِيرِ عِنَبٍ ، أَوْ زَبِيبٍ ، أَوْ نَبِيذٍ ، أَوْ تَمْرٍ ، أَوْ تِينٍ ، أَوْ حِنْطَةٍ ، أَوِ السُّكْرُكَةِ ) قِيلَ : أَوْ يُجْعَلُ خُبْزٌ فِي نَبِيذٍ يَوْمَيْنِ ، قَالَ : كَرِهَهُ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ ، فِي التَّنْبِيهَاتِ : 201 الْأُسْكُرْكَةُ ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ السِّينِ ، وَضَمِّ الْكَافِ الْأُولَى ، وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ ، وَبَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ، وَضَبَطْنَاهُ أَيْضًا بِالسِّينِ الْمَضْمُومَةِ ; هُوَ شَرَابُ الذُّرَةِ ، وَالْجَذِيذَةُ ، بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَذَالَانِ مُعْجَمَانِ أَوَّلُهُمَا مَكْسُورَةٌ ، بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، هُوَ السَّوِيقُ ، وَالْجُذَاذُ : التَّقْطِيعُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ) ، وَالْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ الَّذِي أَرْطَبَ بَعْضُهُ مِنْ جِهَةِ ذَنَبِهِ ; فَإِنْ أَرَطَبَ مِنْ جَانِبِهِ فَهُوَ فَوْكَةٌ ، وَفِي النُّكَتِ : إِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ الَّذِي بِهِ رَائِحَةُ خَمْرٍ ، ( وَاثْنَانِ أَنَّهَا لَيْسَتْ رَائِحَةً ; حُدَّ ، كَقَوْلِهِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ : إِذَا اخْتَلَفَ الْمُعَوِّلُونَ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : الْأُسْكُرْكَةُ ) : شَرَابُ الْقَمْحِ .
الثَّانِيَةُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : يُحَدُّ حَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ التَّحْرِيمَ ، قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : إِلَّا أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ قَالَ : فِي الْبَدَوِيِّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأِ الْكِتَابَ وَيَجْهَلُ : هَذَا لَا يُحَدُّ . لَنَا : أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ فَشَا فَلَا يُجْهَلُ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ الْحَدَّ ، حُدَّ اتِّفَاقًا ، وَلَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ ، وَالذِّمِّيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالصَّبِيِّ ، وَمَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ ، وَرَأَى حِلَّ قَلِيلِهِ حُدَّ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ; وَلَعَلَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْعَالِمِ ، أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الْعَالِمُ فَلَا حَدَّ إِلَّا أَنْ يَسْكَرَ ، وَقَدْ جَالَسَ مَالِكٌ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ يَرَى شُرْبَ النَّبِيذِ مُبَاحًا فَمَا دَعَا لِلْحَدِّ ، مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِشُرْبِهِ ، وَمُنَاظَرَتِهِمْ عَلَيْهِ .
202 تَمْهِيدٌ ، قَالَ مَالِكٌ : أَحُدُّ الْحَنَفِيَّ فِي قَلِيلٍ مِنَ النَّبِيذِ ، وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ ، وَقَالَ ( ش ) : أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ ، أَمَّا مَالِكٌ ; فَبَنَى عَلَى أَنَّ الْفُرُوعَ قِسْمَانِ : مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ ، فَيُنْقَضُ فِي أَرْبَعَةٍ : مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوِ الْقَوَاعِدَ ; كَالشَّرْحِيَّةِ فِي الطَّلَاقِ ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ، أَوِ النَّصِّ الْوَاضِحِ كَالنَّبِيذِ ; فَإِنَّ النُّصُوصَ مُتَضَافِرَةٌ بِأَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْخَمْرِ جَلِيٌّ ، وَمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ فِيهِ ، وَلَا يُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ مَا لَا نُقِرُّهُ إِذَا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي ، لَا نُقِرُّهُ إِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ ، فَلِذَلِكَ رَدَدْنَا شَهَادَتَهُ ، وَأَبْطَلْنَا التَّقْلِيدَ ، وَأَمَّا ( ش ) : فَأَثْبَتَ التَّقْلِيدَ بِانْتِفَاءِ الْعِصْيَانِ ، وَأَقَامَ الْحَدَّ ، لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ لَا لِلْمُخَالَفَاتِ ; بِدَلِيلِ تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ اسْتِصْلَاحًا لَهَا مِنْ غَيْرِ عِصْيَانٍ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ يُسَلَّمُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ ، أَمَّا الْحُدُودُ بِعَدَدٍ فَلَمْ نَعْهَدْهُ فِي الشَّرْعِ إِلَّا فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا يُحَدُّ الْمُكْرَهُ ، وَلَا الْمُضْطَرُّ لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حِينَئِذٍ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ .
الثَّالِثَةُ ، قَالَ : يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَالنَّجَاسَاتِ ، وَأَمَّا الدَّوَاءُ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ تَرَدَّدَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : وَالصَّحِيحُ : التَّحْرِيمُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ ) .
الرَّابِعَةُ : قَالَ : إِنْ ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ شَرَابًا آخَرَ لَمْ يُحَدَّ ، وَإِنْ سَكِرَ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ ; لَا يُحَدُّ .
الْخَامِسَةُ ، قَالَ : لَا يُحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ الْمُوجِبُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ، أَوْ إِقْرَارٍ ، أَوْ شَهِدَ بِالرَّائِحَةِ مَنْ يَتَيَقَّنُهَا مِمَّنْ كَانَ شَرِبَهَا حَالَ كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ لِلْعَدَالَةِ ، وَقَدْ يُعْرَفُ الشَّيْءُ إِذَا الرَّائِحَةُ كَالزَّيْتِ وَالْبَانِ وَغَيْرِهِمَا 203 وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ سَكْرَانُ ; إِذْ لَعَلَّهُ سَكْرَانُ مِنْ عِلَّةٍ ، وَقَدْ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَبِلَ فِيهِ شَهَادَةَ الْعُدُولِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ : شَرِبَ مُسْكِرًا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَلَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّائِحَةِ مِنْ شَاهِدَيْنِ ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَهُ الْحَاكِمُ فَيَصِيرُ كَالتُّرْجُمَانِ ، وَغَيْرُهُ يُقْبَلُ وَحْدَهُ ، قَالَهُ أَصْبَغُ ، وَفِي النَّوَادِرِ : وَإِنْ أُشْكِلَتِ الرَّائِحَةُ عَلَى الْإِمَامِ وَهُوَ حَسَنُ الْحَالِ ; تَرَكَهُ ، ( أَوْ سَيِّءُ الْحَالِ اسْتَقْرَأَهُ مَا لَا يُغْلَطُ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يُصَلَّى بِهِ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، فَإِنِ اعْتَدَلَتْ قِرَاءَتُهُ ; تَرَكَهُ ) وَإِلَّا حَدَّهُ ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ ; حُدَّ فِيهِ لِلتُّهْمَةِ ، وَعَنْ مَالِكٍ : إِنْ شَكَّ فِي الرَّائِحَةِ أَهُوَ مُسْكِرٌ أَوْ غَيْرُهُ ؟ أَوْ أُخِذَ عَلَى مَشْرَبِهِ وَلَمْ يَسْكَرْ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا يَنْبِذُهُمْ وَهُوَ مُعْتَادٌ لِذَلِكَ ; ضُرِبَ سَبْعِينَ وَنَحْوَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا بِخَمْسِينَ وَنَحْوِهَا ، عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا ; لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ ، وَيُعَاقَبُ مَنْ حَضَرَ الشَّارِبَ وَإِنْ قَالَ : أَنَا صَائِمٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَيَخْتَبِرُ الْإِمَامُ السَّكْرَانَ بِالرَّائِحَةِ وَغَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ حَدٌّ انْتَهَى إِلَيْهِ ، قَالَ أَصْبَغُ : إِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ السُّكْرِ وَإِلَّا لَمْ يَتَجَسَّسْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْخَمْرِ حَدَّهُ ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَتْهُ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ : عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ شَرِبَ نَبِيذًا مُسْكِرًا ; حُدَّ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ ، فَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ : 204 مَا شَرِبَ ، حُدَّ وَلَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ ، وَخَالَفَهُ الْأَئِمَّةُ فِي الرَّائِحَةِ فَلَمْ يَحُدُّوا بِتَحَقُّقِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَضْمَضُ بِالْخَمْرِ لِلدَّوَاءِ وَيَطْرَحُهَا ، أَوْ يَظُنُّهَا غَيْرَ خَمْرٍ ، فَلَمَّا حَصَلَتْ فِي فِيهِ طَرَحَهَا ، أَوْ كَانَ مُكْرَهًا ، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا ، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ ; فَإِنَّ رَائِحَتَهُ تُشْبِهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ ، وَإِذَا احْتُمِلَ فَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ ، وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْأَصْلَ : عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، وَإِنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَغَيْرِهَا ، وَالْكَلَامُ حَيْثُ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ رِيحُ خَمْرٍ ، لَا تُفَّاحَ وَلَا نَبْقَ .
حَدُّ الشُّرْبِ ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُوجِبِ وَالْوَاجِبِ
النَّظَرُ الْأَوَّلُ : فِي الْمُوجِبِ : وَهُوَ شُرْبُ الْقَطْرَةِ مِمَّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ اخْتِيَارًا مِنْ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ ( أَكْثَرَ فِقْهًا ) وَنَذْكُرُ هَاهُنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَدِّ . وَفِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ :
الْأُولَى : فِي الْكِتَابِ : مَنْ شَرِبَ خَمْرًا ، أَوْ نَبِيذًا مُسْكِرًا وَإِنْ قَتَلَ ، سَكِرَ أَمْ لَا ، حُدَّ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، أَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّ بِهِ رَائِحَةُ الْخَمْرِ ( عَصِيرِ عِنَبٍ ، أَوْ زَبِيبٍ ، أَوْ نَبِيذٍ ، أَوْ تَمْرٍ ، أَوْ تِينٍ ، أَوْ حِنْطَةٍ ، أَوِ السُّكْرُكَةِ ) قِيلَ : أَوْ يُجْعَلُ خُبْزٌ فِي نَبِيذٍ يَوْمَيْنِ ، قَالَ : كَرِهَهُ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ ، فِي التَّنْبِيهَاتِ : 201 الْأُسْكُرْكَةُ ، بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، وَسُكُونِ السِّينِ ، وَضَمِّ الْكَافِ الْأُولَى ، وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ ، وَبَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ، وَضَبَطْنَاهُ أَيْضًا بِالسِّينِ الْمَضْمُومَةِ ; هُوَ شَرَابُ الذُّرَةِ ، وَالْجَذِيذَةُ ، بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَذَالَانِ مُعْجَمَانِ أَوَّلُهُمَا مَكْسُورَةٌ ، بَيْنَهُمَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ ، هُوَ السَّوِيقُ ، وَالْجُذَاذُ : التَّقْطِيعُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ) ، وَالْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ الَّذِي أَرْطَبَ بَعْضُهُ مِنْ جِهَةِ ذَنَبِهِ ; فَإِنْ أَرَطَبَ مِنْ جَانِبِهِ فَهُوَ فَوْكَةٌ ، وَفِي النُّكَتِ : إِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ الَّذِي بِهِ رَائِحَةُ خَمْرٍ ، ( وَاثْنَانِ أَنَّهَا لَيْسَتْ رَائِحَةً ; حُدَّ ، كَقَوْلِهِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ : إِذَا اخْتَلَفَ الْمُعَوِّلُونَ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : الْأُسْكُرْكَةُ ) : شَرَابُ الْقَمْحِ .
الثَّانِيَةُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : يُحَدُّ حَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ التَّحْرِيمَ ، قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : إِلَّا أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ قَالَ : فِي الْبَدَوِيِّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأِ الْكِتَابَ وَيَجْهَلُ : هَذَا لَا يُحَدُّ . لَنَا : أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ فَشَا فَلَا يُجْهَلُ ذَلِكَ ، فَإِنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ الْحَدَّ ، حُدَّ اتِّفَاقًا ، وَلَا حَدَّ عَلَى الْحَرْبِيِّ ، وَالذِّمِّيِّ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالصَّبِيِّ ، وَمَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ ، وَرَأَى حِلَّ قَلِيلِهِ حُدَّ ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ; وَلَعَلَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْعَالِمِ ، أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الْعَالِمُ فَلَا حَدَّ إِلَّا أَنْ يَسْكَرَ ، وَقَدْ جَالَسَ مَالِكٌ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ يَرَى شُرْبَ النَّبِيذِ مُبَاحًا فَمَا دَعَا لِلْحَدِّ ، مَعَ تَظَاهُرِهِمْ بِشُرْبِهِ ، وَمُنَاظَرَتِهِمْ عَلَيْهِ .
202 تَمْهِيدٌ ، قَالَ مَالِكٌ : أَحُدُّ الْحَنَفِيَّ فِي قَلِيلٍ مِنَ النَّبِيذِ ، وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ ، وَقَالَ ( ش ) : أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ ، أَمَّا مَالِكٌ ; فَبَنَى عَلَى أَنَّ الْفُرُوعَ قِسْمَانِ : مَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَمَا لَا يُنْقَضُ ، فَيُنْقَضُ فِي أَرْبَعَةٍ : مَا خَالَفَ الْإِجْمَاعَ أَوِ الْقَوَاعِدَ ; كَالشَّرْحِيَّةِ فِي الطَّلَاقِ ، أَوِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ، أَوِ النَّصِّ الْوَاضِحِ كَالنَّبِيذِ ; فَإِنَّ النُّصُوصَ مُتَضَافِرَةٌ بِأَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْخَمْرِ جَلِيٌّ ، وَمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ التَّقْلِيدُ فِيهِ ، وَلَا يُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ; لِأَنَّ مَا لَا نُقِرُّهُ إِذَا تَأَكَّدَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي ، لَا نُقِرُّهُ إِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ ، فَلِذَلِكَ رَدَدْنَا شَهَادَتَهُ ، وَأَبْطَلْنَا التَّقْلِيدَ ، وَأَمَّا ( ش ) : فَأَثْبَتَ التَّقْلِيدَ بِانْتِفَاءِ الْعِصْيَانِ ، وَأَقَامَ الْحَدَّ ، لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ لِدَرْءِ الْمَفَاسِدِ لَا لِلْمُخَالَفَاتِ ; بِدَلِيلِ تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ اسْتِصْلَاحًا لَهَا مِنْ غَيْرِ عِصْيَانٍ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ يُسَلَّمُ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ ، أَمَّا الْحُدُودُ بِعَدَدٍ فَلَمْ نَعْهَدْهُ فِي الشَّرْعِ إِلَّا فِي مَعْصِيَةٍ ، وَلَا يُحَدُّ الْمُكْرَهُ ، وَلَا الْمُضْطَرُّ لِإِسَاغَةِ الْغُصَّةِ ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ حِينَئِذٍ لِإِحْيَاءِ النَّفْسِ .
الثَّالِثَةُ ، قَالَ : يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَالنَّجَاسَاتِ ، وَأَمَّا الدَّوَاءُ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ تَرَدَّدَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : وَالصَّحِيحُ : التَّحْرِيمُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ ) .
الرَّابِعَةُ : قَالَ : إِنْ ظَنَّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ شَرَابًا آخَرَ لَمْ يُحَدَّ ، وَإِنْ سَكِرَ ، كَمَا لَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً يَظُنُّهَا امْرَأَتَهُ ; لَا يُحَدُّ .
الْخَامِسَةُ ، قَالَ : لَا يُحَدُّ حَتَّى يَثْبُتَ الْمُوجِبُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ، أَوْ إِقْرَارٍ ، أَوْ شَهِدَ بِالرَّائِحَةِ مَنْ يَتَيَقَّنُهَا مِمَّنْ كَانَ شَرِبَهَا حَالَ كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ لِلْعَدَالَةِ ، وَقَدْ يُعْرَفُ الشَّيْءُ إِذَا الرَّائِحَةُ كَالزَّيْتِ وَالْبَانِ وَغَيْرِهِمَا 203 وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ سَكْرَانُ ; إِذْ لَعَلَّهُ سَكْرَانُ مِنْ عِلَّةٍ ، وَقَدْ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَبِلَ فِيهِ شَهَادَةَ الْعُدُولِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ أَنْ يَقُولَ : شَرِبَ مُسْكِرًا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَلَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّائِحَةِ مِنْ شَاهِدَيْنِ ، وَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ إِلَّا أَنْ يُقِيمَهُ الْحَاكِمُ فَيَصِيرُ كَالتُّرْجُمَانِ ، وَغَيْرُهُ يُقْبَلُ وَحْدَهُ ، قَالَهُ أَصْبَغُ ، وَفِي النَّوَادِرِ : وَإِنْ أُشْكِلَتِ الرَّائِحَةُ عَلَى الْإِمَامِ وَهُوَ حَسَنُ الْحَالِ ; تَرَكَهُ ، ( أَوْ سَيِّءُ الْحَالِ اسْتَقْرَأَهُ مَا لَا يُغْلَطُ فِي مِثْلِهِ مِمَّا يُصَلَّى بِهِ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، فَإِنِ اعْتَدَلَتْ قِرَاءَتُهُ ; تَرَكَهُ ) وَإِلَّا حَدَّهُ ، وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ ; حُدَّ فِيهِ لِلتُّهْمَةِ ، وَعَنْ مَالِكٍ : إِنْ شَكَّ فِي الرَّائِحَةِ أَهُوَ مُسْكِرٌ أَوْ غَيْرُهُ ؟ أَوْ أُخِذَ عَلَى مَشْرَبِهِ وَلَمْ يَسْكَرْ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَا يَنْبِذُهُمْ وَهُوَ مُعْتَادٌ لِذَلِكَ ; ضُرِبَ سَبْعِينَ وَنَحْوَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا بِخَمْسِينَ وَنَحْوِهَا ، عَبْدًا كَانَ أَوْ حُرًّا ; لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ ، وَيُعَاقَبُ مَنْ حَضَرَ الشَّارِبَ وَإِنْ قَالَ : أَنَا صَائِمٌ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَيَخْتَبِرُ الْإِمَامُ السَّكْرَانَ بِالرَّائِحَةِ وَغَيْرِهَا ; لِأَنَّهُ حَدٌّ انْتَهَى إِلَيْهِ ، قَالَ أَصْبَغُ : إِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ السُّكْرِ وَإِلَّا لَمْ يَتَجَسَّسْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْخَمْرِ حَدَّهُ ، وَفَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقَالَتْهُ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ : عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ شَرِبَ نَبِيذًا مُسْكِرًا ; حُدَّ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ ، فَإِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ : 204 مَا شَرِبَ ، حُدَّ وَلَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ ، وَخَالَفَهُ الْأَئِمَّةُ فِي الرَّائِحَةِ فَلَمْ يَحُدُّوا بِتَحَقُّقِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَضْمَضُ بِالْخَمْرِ لِلدَّوَاءِ وَيَطْرَحُهَا ، أَوْ يَظُنُّهَا غَيْرَ خَمْرٍ ، فَلَمَّا حَصَلَتْ فِي فِيهِ طَرَحَهَا ، أَوْ كَانَ مُكْرَهًا ، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا ، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ التُّفَّاحِ ; فَإِنَّ رَائِحَتَهُ تُشْبِهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ ، وَإِذَا احْتُمِلَ فَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ ، وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْأَصْلَ : عَدَمُ الْإِكْرَاهِ ، وَإِنَّ الشُّرْبَ أَكْثَرُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ وَغَيْرِهَا ، وَالْكَلَامُ حَيْثُ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ رِيحُ خَمْرٍ ، لَا تُفَّاحَ وَلَا نَبْقَ .
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
( كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ )
جَمْعُ شَرَابٍ بِمَعْنَى مَشْرُوبٍ وَفِيهِ ذِكْرُ التَّعَازِيرِ تَبَعًا وَجَمَعَ الْأَشْرِبَةَ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَإِنْ اتَّحَدَ حُكْمُهَا وَلَمْ يَقُلْ حَدُّ الْأَشْرِبَةِ كَمَا قَالَ قَطْعُ السَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ لَيْسَ إلَّا بَيَانُ الْقَطْعِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَأَمَّا هُنَا فَالْقَصْدُ بَيَانُ التَّحْرِيمِ أَيْضًا لِخَفَائِهِ بِالنِّسْبَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ فَلَمْ يَقُلْ حَدٌّ لِيُقَدِّرَ حُكْمَ الشَّامِلِ لِلْحُرْمَةِ وَالْحَدِّ وَغَيْرِهِمَا كَالْوُجُوبِ عِنْدَ الْغَصِّ . شُرْبُ الْخَمْرِ حَرَامٌ إجْمَاعًا مِنْ الْكَبَائِرِ وَشَرِبَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ قِيلَ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بِوَحْيٍ ثُمَّ قِيلَ الْمُبَاحُ الشُّرْبُ لَا غَيْبَةُ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفِ وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِلَّةٍ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ فَتَحْرِيمُ غَيْرِهَا قِيَاسِيٌّ أَيْ بِفَرْضِ عَدَمِ وُرُودِ مَا يَأْتِي وَإِلَّا فَسَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْكُلِّ مَنْصُوصٌ وَعِنْدَ أَقَلِّهِمْ كُلُّ مُسْكِرٍ 167 وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الْمُسْكِرِ مِنْ عَصِيرِ غَيْرِ الْعِنَبِ لِلْخِلَافِ فِيهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ ، أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّهِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ الصِّرْفِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَلَوْ قَطْرَةً ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ ضَرُورِيٌّ وَمَنْ قَالَ بِالتَّكْفِيرِ لِكَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ اُعْتُرِضَ بِأَنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ يُنْكِرُ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَأَنْكَرَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِينَئِذٍ تَكْذِيبَ جَمِيعِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرْعِ وَالْجَوَابُ بِأَنَّا لَمْ نُكَفِّرْهُ لِإِنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بَلْ لِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا لَا يَتَأَتَّى إلَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّكْفِيرِ مِنْ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا أَمَّا مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فَلَا جَوَابَ إلَّا مَا مَرَّ فَتَأَمَّلْهُ .
جَمْعُ شَرَابٍ بِمَعْنَى مَشْرُوبٍ وَفِيهِ ذِكْرُ التَّعَازِيرِ تَبَعًا وَجَمَعَ الْأَشْرِبَةَ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَإِنْ اتَّحَدَ حُكْمُهَا وَلَمْ يَقُلْ حَدُّ الْأَشْرِبَةِ كَمَا قَالَ قَطْعُ السَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ لَيْسَ إلَّا بَيَانُ الْقَطْعِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً وَأَمَّا هُنَا فَالْقَصْدُ بَيَانُ التَّحْرِيمِ أَيْضًا لِخَفَائِهِ بِالنِّسْبَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ فَلَمْ يَقُلْ حَدٌّ لِيُقَدِّرَ حُكْمَ الشَّامِلِ لِلْحُرْمَةِ وَالْحَدِّ وَغَيْرِهِمَا كَالْوُجُوبِ عِنْدَ الْغَصِّ . شُرْبُ الْخَمْرِ حَرَامٌ إجْمَاعًا مِنْ الْكَبَائِرِ وَشَرِبَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ قِيلَ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بِوَحْيٍ ثُمَّ قِيلَ الْمُبَاحُ الشُّرْبُ لَا غَيْبَةُ الْعَقْلِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ وَزَيَّفَهُ الْمُصَنِّفِ وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مِلَّةٍ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يَقْذِفْ بِالزَّبَدِ فَتَحْرِيمُ غَيْرِهَا قِيَاسِيٌّ أَيْ بِفَرْضِ عَدَمِ وُرُودِ مَا يَأْتِي وَإِلَّا فَسَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْكُلِّ مَنْصُوصٌ وَعِنْدَ أَقَلِّهِمْ كُلُّ مُسْكِرٍ 167 وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ الْمُسْكِرِ مِنْ عَصِيرِ غَيْرِ الْعِنَبِ لِلْخِلَافِ فِيهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ ، أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّهِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ الصِّرْفِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَلَوْ قَطْرَةً ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ ضَرُورِيٌّ وَمَنْ قَالَ بِالتَّكْفِيرِ لِكَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ اُعْتُرِضَ بِأَنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ يُنْكِرُ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَنْ اعْتَرَفَ بِكَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَأَنْكَرَهُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ حِينَئِذٍ تَكْذِيبَ جَمِيعِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ فَهُوَ تَكْذِيبٌ لِلشَّرْعِ وَالْجَوَابُ بِأَنَّا لَمْ نُكَفِّرْهُ لِإِنْكَارِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بَلْ لِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا لَا يَتَأَتَّى إلَّا عَلَى الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي التَّكْفِيرِ مِنْ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا أَمَّا مَنْ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فَلَا جَوَابَ إلَّا مَا مَرَّ فَتَأَمَّلْهُ .
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
11 كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ جَمْعُ شَرَابٍ بِمَعْنَى مَشْرُوبٍ ، وَذُكِرَ فِيهِ التَّعَازِيرُ تَبَعًا ، وَجُمِعَ الْأَشْرِبَةُ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا مُتَّحِدًا ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِحَدِّ الْأَشْرِبَةِ كَمَا قَالَ قَطْعُ السَّرِقَةِ ; لِأَنَّ الْفَرْضَ ثَمَّ لَيْسَ إلَّا بَيَانُ الْقَطْعِ وَمُتَعَلِّقَاتُهُ ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ ، وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ التَّحْرِيمِ لِخَفَائِهِ بِالنِّسْبَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ .
وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ مَزَجَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ ، وَكَانَ شُرْبُهَا جَائِزًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِوَحْيٍ وَلَوْ إلَى حَدٍّ يُزِيلُ الْعَقْلَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَ لَمْ تُبَحْ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ ; لِأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْمُوعِ ، قِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا .
وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يُقْذَفُ بِالزَّبَدِ ، وَتَحْرِيمُ غَيْرِهَا بِنُصُوصٍ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّ قَدْرٍ لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهِ لِلْخِلَافِ فِيهِ : أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ ، أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ ، بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّهِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ الصِّرْفِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَلَوْ قَطْرَةً ; لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الْخَمْرُ } الْآيَةَ وَخَبَرُ 12 { كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ } وَخَبَرُ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } وَخَبَرُ { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً : عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَوَاهِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا } ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ) مِنْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا وَمِنْهُ الْمُتَّخَذُ مِنْ لَبَنِ الرَّمَكَةِ فَإِنَّهُ مُسْكِرٌ مَائِعٌ ( حَرُمَ قَلِيلُهُ ) وَكَثِيرُهُ ( وَحُدَّ شَارِبُهُ ) وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ : أَيْ مُتَعَاطِيهِ وَلَوْ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ إبَاحَتُهُ لِضَعْفِ أَدِلَّتِهِ ، إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْحُدُودِ بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ لَا الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَنْ لَا يَسْكَرُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةِ لَا الْإِسْكَارِ فَفِي الْحَدِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِسْكَارُ عَجِيبٌ وَغَفْلَةٌ عَنْ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إسْكَارٌ ، فَمَعْنَى كَوْنِهِ عِلَّةً أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لَهُ ، وَخَرَجَ بِالشَّرَابِ مَا حَرُمَ مِنْ الْجَامِدَاتِ كَالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ وَكَثِيرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْجَوْزَةِ وَالْحَشِيشِ فَلَا حَدَّ بِهِ وَإِنْ أُذِيبَتْ إذْ لَيْسَ فِيهَا شِدَّةُ مُطْرَبَةٍ ، بِخِلَافِ جَامِدِ الْخَمْرِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِمَا بَلْ التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ لَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الدَّنِيَّةِ ، وَيَحْرُمُ شُرْبُ مَا ذُكِرَ وَيُحَدُّ شَارِبُهُ ( إلَّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا ( وَحَرْبِيًّا ) أَوْ مُعَاهِدًا لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ ( وَذِمِّيًّا ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالذِّمَّةِ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآدَمِيِّينَ ( وَمُوجَرًا ) مُسْكَرًا قَهْرًا إذْ لَا صُنْعَ لَهُ ( وَكَذَا مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ وَيَلْزَمُهُ كَكُلِّ آكِلِ أَوْ شَارِبِ حَرَامٍ تَقَيُّؤُهُ إنْ أَطَاقَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى عُذْرِهِ وَإِنْ لَزِمَهُ التَّنَاوُلُ ; لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ فِي الْبَاطِنِ لَا انْتِفَاعَ بِهِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَإِنْ حَلَّ ابْتِدَاؤُهُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ 13 فَانْدَفَعَ اسْتِبْعَادُ الْأَذْرَعِيِّ لِذَلِكَ ، وَعَلَى نَحْوِ السَّكْرَانِ إذَا شَرِبَ مُسْكِرًا حُدَّ وَاحِدٌ مَا لَمْ يُحَدَّ قَبْلَ شُرْبِهِ فَيُحَدُّ ثَانِيًا ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ طَرِيقٌ حَاكٍ لِوَجْهَيْنِ
وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَإِنْ مَزَجَهَا بِمِثْلِهَا مِنْ الْمَاءِ ، وَكَانَ شُرْبُهَا جَائِزًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِوَحْيٍ وَلَوْ إلَى حَدٍّ يُزِيلُ الْعَقْلَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَ لَمْ تُبَحْ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ ; لِأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْمُوعِ ، قِيلَ إنَّهُ بِاعْتِبَارِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ مِلَّتِنَا .
وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يُقْذَفُ بِالزَّبَدِ ، وَتَحْرِيمُ غَيْرِهَا بِنُصُوصٍ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا يُكَفَّرُ مُسْتَحِلُّ قَدْرٍ لَا يُسْكِرُ مِنْ غَيْرِهِ لِلْخِلَافِ فِيهِ : أَيْ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسِ لِحِلِّ قَلِيلِهِ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةٍ ، أَمَّا الْمُسْكِرُ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا كَمَا حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ ، بِخِلَافِ مُسْتَحِلِّهِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ الصِّرْفِ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَلَوْ قَطْرَةً ; لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الْخَمْرُ } الْآيَةَ وَخَبَرُ 12 { كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ } وَخَبَرُ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } وَخَبَرُ { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً : عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَوَاهِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا } ( كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ) مِنْ خَمْرٍ أَوْ غَيْرِهَا وَمِنْهُ الْمُتَّخَذُ مِنْ لَبَنِ الرَّمَكَةِ فَإِنَّهُ مُسْكِرٌ مَائِعٌ ( حَرُمَ قَلِيلُهُ ) وَكَثِيرُهُ ( وَحُدَّ شَارِبُهُ ) وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ : أَيْ مُتَعَاطِيهِ وَلَوْ مِمَّنْ يُعْتَقَدُ إبَاحَتُهُ لِضَعْفِ أَدِلَّتِهِ ، إذْ الْعِبْرَةُ فِي الْحُدُودِ بِمَذْهَبِ الْحَاكِمِ لَا الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَنْ لَا يَسْكَرُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ إنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةِ لَا الْإِسْكَارِ فَفِي الْحَدِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْإِسْكَارُ عَجِيبٌ وَغَفْلَةٌ عَنْ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إسْكَارٌ ، فَمَعْنَى كَوْنِهِ عِلَّةً أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لَهُ ، وَخَرَجَ بِالشَّرَابِ مَا حَرُمَ مِنْ الْجَامِدَاتِ كَالْبَنْجِ وَالْأَفْيُونِ وَكَثِيرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْجَوْزَةِ وَالْحَشِيشِ فَلَا حَدَّ بِهِ وَإِنْ أُذِيبَتْ إذْ لَيْسَ فِيهَا شِدَّةُ مُطْرَبَةٍ ، بِخِلَافِ جَامِدِ الْخَمْرِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِمَا بَلْ التَّعْزِيرُ الزَّاجِرُ لَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الدَّنِيَّةِ ، وَيَحْرُمُ شُرْبُ مَا ذُكِرَ وَيُحَدُّ شَارِبُهُ ( إلَّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا ( وَحَرْبِيًّا ) أَوْ مُعَاهِدًا لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ ( وَذِمِّيًّا ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِالذِّمَّةِ مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآدَمِيِّينَ ( وَمُوجَرًا ) مُسْكَرًا قَهْرًا إذْ لَا صُنْعَ لَهُ ( وَكَذَا مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ وَيَلْزَمُهُ كَكُلِّ آكِلِ أَوْ شَارِبِ حَرَامٍ تَقَيُّؤُهُ إنْ أَطَاقَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ وَلَا نَظَرَ إلَى عُذْرِهِ وَإِنْ لَزِمَهُ التَّنَاوُلُ ; لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ فِي الْبَاطِنِ لَا انْتِفَاعَ بِهِ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ وَإِنْ حَلَّ ابْتِدَاؤُهُ لِزَوَالِ سَبَبِهِ 13 فَانْدَفَعَ اسْتِبْعَادُ الْأَذْرَعِيِّ لِذَلِكَ ، وَعَلَى نَحْوِ السَّكْرَانِ إذَا شَرِبَ مُسْكِرًا حُدَّ وَاحِدٌ مَا لَمْ يُحَدَّ قَبْلَ شُرْبِهِ فَيُحَدُّ ثَانِيًا ، وَمُقَابِلُ الْمَذْهَبِ طَرِيقٌ حَاكٍ لِوَجْهَيْنِ
الحنابلة
المغني
اقرأ →
135 كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ الْخَمْرُ مُحَرَّمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ; أَمَّا الْكِتَابُ : فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } . إلَى قَوْلِهِ : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ { : لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ ، وَشَارِبَهَا ، وَسَاقِيَهَا ، وَبَائِعَهَا ، وَمُبْتَاعَهَا ، وَعَاصِرَهَا ، وَمُعْتَصِرَهَا ، وَحَامِلَهَا ، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ . } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِأَخْبَارٍ تَبْلُغُ بِمَجْمُوعِهَا رُتْبَةَ التَّوَاتُرِ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَإِنَّمَا حُكِيَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ ، أَنَّهُمْ قَالُوا : هِيَ حَلَالٌ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ . فَبَيَّنَ لَهُمْ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ، وَتَحْرِيمَ الْخَمْرِ ، وَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ الْحَدَّ ; لِشُرْبِهِمْ إيَّاهَا ، فَرَجَعُوا إلَى ذَلِكَ ، فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ ، فَمَنْ اسْتَحَلَّهَا الْآنَ فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ ضَرُورَةً مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ تَحْرِيمُهُ ، فَيَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَيُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ ، وَإِلَّا قُتِلَ .
رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } . وَإِنِّي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ . فَقَالَ عُمَرُ لِلْقَوْمِ : أَجِيبُوا الرَّجُلَ . فَسَكَتُوا عَنْهُ ، فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَجِبْهُ . فَقَالَ : إنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُذْرًا لِلْمَاضِينَ ، لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَأَنْزَلَ : { إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ } . حُجَّةً عَلَى النَّاسِ . ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنْ الْحَدِّ فِيهَا فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إذَا شَرِبَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً . وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةَ ، إذَا اتَّقَيْت اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك .
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، أَنَّ أُنَاسًا شَرِبُوا بِالشَّامِ الْخَمْرَ ، فَقَالَ لَهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : شَرِبْتُمْ الْخَمْرَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ . فَكَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ : إنْ أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا نَهَارًا ، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ إلَى اللَّيْلِ ، وَإِنْ أَتَاكَ لَيْلًا ، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ نَهَارًا ، حَتَّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ ، لِئَلَّا يَفْتِنُوا عِبَادَ اللَّهِ . فَبَعَثَ بِهِمْ إلَى عُمَرَ ، فَشَاوَرَ فِيهِمْ النَّاسَ ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ : مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى أَنَّهُمْ قَدْ شَرَّعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِيهِ ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَلَالٌ ، فَاقْتُلْهُمْ ، فَقَدْ أَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَرَامٌ ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ، فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ . وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحَدِّ مَا يَفْتَرِي بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ . : فَحَدَّهُمْ عُمَرُ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ ، إذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ زَبَدَهُ ، وَمَا 136 عَدَاهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ( 7337 )
( مَسْأَلَةٌ ) قَالَ : ( وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، إذَا شَرِبَهَا وَهُوَ مُخْتَارٌ لِشُرْبِهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : ( 7338 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ . وَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَنَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ ، وَنَبِيذِ الْحِنْطَةِ ، وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ نَقِيعًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا : كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ ، إلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ ، فَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ ، وَقَذَفَ زَبَدَهُ ، أَوَطُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ بِغَيْرِ طَبْخٍ ، فَهَذَا مُحَرَّمٌ ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : { حُرِّمَتْ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا ، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ } وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قَالَ : وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مُسْكِرٌ ، فَأَشْبَهَ عَصِيرَ الْعِنَبِ .
فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْمُسْكِرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ : وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ ، ذَكَرْنَاهَا مَعَ عِلَلِهَا . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَحَادِيثَهُمْ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ ، فَضَعَّفَهَا كُلَّهَا ، وَبَيَّنَ عِلَلَهَا . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ ، فَإِنَّهُ يَرْوِي هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . }
رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ شَرِبَ الْخَمْرَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا حَمَلَك عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } . وَإِنِّي مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ . فَقَالَ عُمَرُ لِلْقَوْمِ : أَجِيبُوا الرَّجُلَ . فَسَكَتُوا عَنْهُ ، فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَجِبْهُ . فَقَالَ : إنَّمَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عُذْرًا لِلْمَاضِينَ ، لِمَنْ شَرِبَهَا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ وَأَنْزَلَ : { إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ } . حُجَّةً عَلَى النَّاسِ . ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ عَنْ الْحَدِّ فِيهَا فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : إذَا شَرِبَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَاجْلِدُوهُ ثَمَانِينَ ، فَجَلَدَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً . وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ : أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةَ ، إذَا اتَّقَيْت اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك .
وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، أَنَّ أُنَاسًا شَرِبُوا بِالشَّامِ الْخَمْرَ ، فَقَالَ لَهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : شَرِبْتُمْ الْخَمْرَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ . فَكَتَبَ فِيهِمْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ : إنْ أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا نَهَارًا ، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ إلَى اللَّيْلِ ، وَإِنْ أَتَاكَ لَيْلًا ، فَلَا تَنْتَظِرْ بِهِمْ نَهَارًا ، حَتَّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ ، لِئَلَّا يَفْتِنُوا عِبَادَ اللَّهِ . فَبَعَثَ بِهِمْ إلَى عُمَرَ ، فَشَاوَرَ فِيهِمْ النَّاسَ ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ : مَا تَرَى ؟ فَقَالَ : أَرَى أَنَّهُمْ قَدْ شَرَّعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ فِيهِ ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَلَالٌ ، فَاقْتُلْهُمْ ، فَقَدْ أَحَلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَرَامٌ ، فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ، فَقَدْ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ . وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحَدِّ مَا يَفْتَرِي بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ . : فَحَدَّهُمْ عُمَرُ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالْمُجْمَعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَصِيرُ الْعِنَبِ ، إذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ زَبَدَهُ ، وَمَا 136 عَدَاهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ نَذْكُرُهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ( 7337 )
( مَسْأَلَةٌ ) قَالَ : ( وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، جُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، إذَا شَرِبَهَا وَهُوَ مُخْتَارٌ لِشُرْبِهَا ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ ) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ : ( 7338 ) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَهُوَ خَمْرٌ حُكْمُهُ حُكْمُ عَصِيرِ الْعِنَبِ فِي تَحْرِيمِهِ ، وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى شَارِبِهِ . وَرُوِيَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَنَسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقَاسِمُ ، وَقَتَادَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا طُبِخَ فَذَهَبَ ثُلُثَاهُ ، وَنَقِيعِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا طُبِخَ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ ، وَنَبِيذِ الْحِنْطَةِ ، وَالذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ نَقِيعًا كَانَ أَوْ مَطْبُوخًا : كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ ، إلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ ، فَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ ، وَقَذَفَ زَبَدَهُ ، أَوَطُبِخَ فَذَهَبَ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْهِ ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إذَا اشْتَدَّ بِغَيْرِ طَبْخٍ ، فَهَذَا مُحَرَّمٌ ، قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ; لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ قَالَ : { حُرِّمَتْ الْخَمْرَةُ لِعَيْنِهَا ، وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ } وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ } وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ } رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد ، وَالْأَثْرَمُ ، وَغَيْرُهُمَا وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . قَالَ : وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَغَيْرُهُ وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مُسْكِرٌ ، فَأَشْبَهَ عَصِيرَ الْعِنَبِ .
فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْمُسْكِرِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ : وَالْمُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ ، ذَكَرْنَاهَا مَعَ عِلَلِهَا . وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَحَادِيثَهُمْ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ ، فَضَعَّفَهَا كُلَّهَا ، وَبَيَّنَ عِلَلَهَا . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ ، فَإِنَّهُ يَرْوِي هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ . }