صوم التطوع
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
( بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ )
وَهُوَ مَا لَمْ يُفْرَضْ وَلِلصَّوْمِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَثُوبَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ أَضَافَهُ تَعَالَى إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَقَالَ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَأَيْضًا فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ بَلْ أَعْظَمُهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إخْبَارِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قِيلَ إنَّ التَّبَعَاتِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ يَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مَعَ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فِيهَا وَبَقِيَ فِيهِ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا لَا تَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ وَتَعَسُّفٍ نَعَمْ قِيلَ إنَّ التَّضْعِيفَ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ لَا يُؤْخَذُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْحَسَنَةُ الْأُولَى لَا غَيْرُ وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ الصَّادِقِ وَإِلَّا وَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَخْذِ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ حَتَّى إذَا لَمْ تَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ وَضَعَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِذَا وَضَعَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِهِ فَأَوْلَى أَخْذُ جَمِيعِ حَسَنَاتِهِ الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ لَهُ وَمَحْضُ الْفَضْلِ جَارٍ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ .
( يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ) لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَيَقُولُ إنَّهُمَا تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } أَيْ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا تُعْرَضُ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَالْأَوَّلُ عَرْضٌ إجْمَالِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْأُسْبُوعِ 454 وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ السَّنَةِ وَكَذَا الثَّالِثُ وَفَائِدَةُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ إظْهَارُ شَرَفِ الْعَامِلِينَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَمَّا عَرْضُهَا تَفْصِيلًا فَهُوَ رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ اعْتِيَادَ صَوْمِهِمَا مَكْرُوهًا شَاذٌّ وَتَسْمِيَتُهُمَا بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ الْأَحَدُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَاقَضَهُ السُّهَيْلِيُّ فَنَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا ابْنَ جَرِيرٍ أَنَّ أَوَّلَهُ السَّبْتُ وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي النَّذْرِ ( وَ ) يُسَنُّ بَلْ يَتَأَكَّدُ صَوْمُ تِسْعِ الْحِجَّةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهَا الْمُقْتَضِي لِأَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ وَلِذَا قِيلَ بِهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْضَلِيَّتُهَا عَلَى مَا عَدَا رَمَضَانَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ سَيِّدُ الشُّهُورِ مَعَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ فَضَائِلَ أُخْرَى وَأَيْضًا فَاخْتِيَارُ الْفَرْضِ لِهَذِهِ وَالنَّفَلِ لِتِلْكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى تَمَيُّزِ هَذِهِ .
فَزَعْمُ أَنَّ هَذِهِ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ اللَّيَالِي ؛ لِأَنَّ فِيهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَتِلْكَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الْأَيَّامُ ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَوْمَ عَرَفَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَطْنَبَ قَائِلُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَا لَا مُقْنِعَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ صَرَاحَتِهِ وَآكُدُهَا تَاسِعُهَا وَهُوَ يَوْمُ ( عَرَفَةَ ) لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُسَافِرٍ ؛ لِأَنَّهُ { يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا } كَمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ وَآخِرُ الْأُولَى سَلْخُ الْحِجَّةِ وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ أَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ حَمْلًا لِخِطَابِ الشَّارِعِ عَلَى عَرَفَةَ فِي السَّنَةِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ وَالْمُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ الْوَاقِعَةُ فِي السَّنَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ أَوْ وُقِيَ اقْتِرَافَهَا أَوْ اسْتِكْثَارَهَا وَقَوْلُ مُجَلّي تَخْصِيصُ الصَّغَائِرِ تَحَكُّمٌ مَرْدُودٌ وَإِنْ سَبَقَهُ إلَى نَحْوِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا وَرَدَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ لِذَلِكَ الْمُسْتَنَدِ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ 455 بِذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُكَفِّرَةِ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي تَكْفِيرِهَا اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَحَدِيثُ تَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلتَّبَعَاتِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ بَلْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى شِدَّةِ ضَعْفِهِ أَمَّا الْحَاجُّ فَيُسَنُّ لَهُ فِطْرُهُ وَإِنْ لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ عَنْ الدُّعَاءِ تَأَسِّيًا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ وَقَفَ مُفْطِرًا وَتَقَوِّيًا عَلَى الدُّعَاءِ فَصَوْمُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى .
وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ نَعَمْ يُسَنُّ صَوْمُهُ لِمَنْ أَخَّرَ وُقُوفَهُ إلَى اللَّيْلِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا لِنَصِّ الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِطْرُهُ لِلْمُسَافِرِ وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ لِمَنْ مَحِلُّهُ إنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَيْ : أَتْعَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الزَّرْكَشِيّ لَهُ عَلَى مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ وَيُسَنُّ صَوْمُ ثَامِنِ الْحِجَّةِ احْتِيَاطًا لَهُ ( وَعَاشُورَاءَ ) بِالْمَدِّ وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ تَاسِعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِكَوْنِ أَجْرِنَا 456 ضِعْفَ أَجْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ ثَوَابُ مَا خُصِّصْنَا بِهِ وَهُوَ عَرَفَةُ ضِعْفَ مَا شَارَكْنَاهُمْ فِيهِ وَهُوَ هَذَا ( وَتَاسُوعَاءَ ) بِالْمَدِّ وَهُوَ تَاسِعُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ { لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ } فَمَاتَ قَبْلَهُ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ وَيُسَنُّ صَوْمُ الْحَادِي عَشَرَ أَيْضًا ( وَأَيَّامِ ) اللَّيَالِي ( الْبِيضِ ) وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَتَالِيَاهُ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِصَوْمِهَا وَالِاحْتِيَاطُ صَوْمُ الثَّانِي عَشَرَ مَعَهَا .
نَعَمْ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلْجَلَالِ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّهُ فِي الْحِجَّةِ يَصُومُ السَّادِسَ عَشَرَ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ بَدَلَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَحِكْمَةُ كَوْنِهَا ثَلَاثَةً أَنَّ الْحَسَنَةَ عَشْرُ أَمْثَالِهَا فَصَوْمُهَا كَصَوْمِ الشَّهْرِ كُلِّهِ وَلِذَلِكَ حَصَلَ أَصْلُ السَّنَةِ بِصَوْمِ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ وَخُصَّتْ هَذِهِ لِتَعْمِيمِ لَيَالِيهَا بِالنُّورِ الْمُنَاسِبِ لِلْعِبَادَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَعَسَّرُ تَعْمِيمُ الْيَوْمِ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ الصَّوْمِ وَيُسَنُّ صَوْمُ أَيَّامِ السُّودِ خَوْفًا وَرَهْبَةً مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ وَهِيَ السَّابِعُ أَوْ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ فَإِنْ بَدَأَ بِالثَّامِنِ وَنَقَصَ الشَّهْرُ صَامَ أَوَّلَ تَالِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ الظَّالِمَةِ لِلَيْلَتِهِ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ يَقَعُ صَوْمُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ ( تَنْبِيهٌ ) مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ مَنْ قَالَ أَوَّلُهَا السَّابِعُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ إذَا تَمَّ الشَّهْرُ يُسَنُّ صَوْمُ الْآخَرِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الثَّانِي وَمَنْ قَالَ الثَّامِنُ يُسَنُّ صَوْمُ السَّابِعِ احْتِيَاطًا فَنَتَجَ سَنُّ صَوْمِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ إذَا تَمَّ الشَّهْرُ عَلَيْهِمَا ( وَسِتَّةٍ ) فِي نُسْخَةٍ سِتٍّ بِلَا تَاءٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَعَلَيْهَا فَسَوَّغَ حَذْفُهَا حَذْفَ الْمَعْدُودِ ( مِنْ شَوَّالٍ ) ؛ لِأَنَّهَا مَعَ صِيَامِ رَمَضَانَ أَيْ : جَمِيعِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ الْفَضْلُ الْآتِي وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ كَصِيَامِ الدَّهْرِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ : لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةٍ الرَّمْلِيِّ سَنَدُهَا حَسَنٌ وَلَفْظُهَا صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَيْ : مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ أَيْ : مِثْلُ صِيَامِهَا بِلَا مُضَاعَفَةٍ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي خَبَرِ { { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ } وَأَشْبَاهِهِ .
وَالْمُرَادُ ثَوَابُ الْفَرْضِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِيَّةِ سِتَّةِ شَوَّالٍ مَعْنًى ؛ إذْ مَنْ صَامَ مَعَ رَمَضَانَ سِتَّةً 457 غَيْرَهَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الدَّهْرِ لِمَا تَقَرَّرَ فَلَا تَتَمَيَّزُ تِلْكَ إلَّا بِذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ صَامَهَا مَعَ رَمَضَانَ كُلُّ سَنَةٍ تَكُونُ كَصِيَامِ الدَّهْرِ فَرْضًا بِلَا مُضَاعَفَةٍ وَمَنْ صَامَ سِتَّةً غَيْرَهَا كَذَلِكَ تَكُونُ كَصِيَامِهِ نَفْلًا بِلَا مُضَاعَفَةٍ كَمَا أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَحْصُلُهُ أَيْضًا وَقَضِيَّةُ الْمَتْنِ نَدْبُهَا حَتَّى لِمَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِيمَنْ تَعَدَّى بِفِطْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا بَلْ قَالَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ يُكْرَهُ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَيْ : مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ تَطَوَّعَ بِصَوْمٍ وَلَوْ فَاتَهُ رَمَضَانُ فَصَامَ عَنْهُ شَوَّالًا سُنَّ لَهُ صَوْمُ سِتٍّ مِنْ الْقِعْدَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَوْمٌ رَاتِبٌ يُسَنُّ لَهُ قَضَاؤُهُ وَمَرَّ فِي مَبْحَثِ النِّيَّةِ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الرَّوَاتِبِ مَا يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهُ ( وَتَتَابُعُهَا ) عَقِبَ الْعِيدِ ( أَفْضَلُ ) مُبَادَرَةً لِلْعِبَادَةِ وَإِيهَامُ الْعَامَّةِ وُجُوبَهَا مَمْنُوعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ ؛ إذْ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ بِالنَّدْبِ لَا يُفْسِدُهُ بَلْ يُؤَكِّدُهُ
وَهُوَ مَا لَمْ يُفْرَضْ وَلِلصَّوْمِ مِنْ الْفَضَائِلِ وَالْمَثُوبَةِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ أَضَافَهُ تَعَالَى إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَقَالَ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَأَيْضًا فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ بَلْ أَعْظَمُهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إخْبَارِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قِيلَ إنَّ التَّبَعَاتِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ يَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مَعَ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فِيهَا وَبَقِيَ فِيهِ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا لَا تَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ وَتَعَسُّفٍ نَعَمْ قِيلَ إنَّ التَّضْعِيفَ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ لَا يُؤْخَذُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ الْأَصْلُ وَهُوَ الْحَسَنَةُ الْأُولَى لَا غَيْرُ وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ الصَّادِقِ وَإِلَّا وَجَبَ الْأَخْذُ بِعُمُومِ مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ أَخْذِ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ حَتَّى إذَا لَمْ تَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ وَضَعَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ فَإِذَا وَضَعَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِهِ فَأَوْلَى أَخْذُ جَمِيعِ حَسَنَاتِهِ الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ لَهُ وَمَحْضُ الْفَضْلِ جَارٍ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ .
( يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ) لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَيَقُولُ إنَّهُمَا تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } أَيْ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا تُعْرَضُ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَفِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَالْأَوَّلُ عَرْضٌ إجْمَالِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْأُسْبُوعِ 454 وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ السَّنَةِ وَكَذَا الثَّالِثُ وَفَائِدَةُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ إظْهَارُ شَرَفِ الْعَامِلِينَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَمَّا عَرْضُهَا تَفْصِيلًا فَهُوَ رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ اعْتِيَادَ صَوْمِهِمَا مَكْرُوهًا شَاذٌّ وَتَسْمِيَتُهُمَا بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ الْأُسْبُوعِ الْأَحَدُ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَنَاقَضَهُ السُّهَيْلِيُّ فَنَقَلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا ابْنَ جَرِيرٍ أَنَّ أَوَّلَهُ السَّبْتُ وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي النَّذْرِ ( وَ ) يُسَنُّ بَلْ يَتَأَكَّدُ صَوْمُ تِسْعِ الْحِجَّةِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِيهَا الْمُقْتَضِي لِأَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى عَشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرِ وَلِذَا قِيلَ بِهِ لَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَفْضَلِيَّتُهَا عَلَى مَا عَدَا رَمَضَانَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ سَيِّدُ الشُّهُورِ مَعَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ فَضَائِلَ أُخْرَى وَأَيْضًا فَاخْتِيَارُ الْفَرْضِ لِهَذِهِ وَالنَّفَلِ لِتِلْكَ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى تَمَيُّزِ هَذِهِ .
فَزَعْمُ أَنَّ هَذِهِ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ اللَّيَالِي ؛ لِأَنَّ فِيهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَتِلْكَ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الْأَيَّامُ ؛ لِأَنَّ فِيهَا يَوْمَ عَرَفَةَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَطْنَبَ قَائِلُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ بِمَا لَا مُقْنِعَ فِيهِ فَضْلًا عَنْ صَرَاحَتِهِ وَآكُدُهَا تَاسِعُهَا وَهُوَ يَوْمُ ( عَرَفَةَ ) لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُسَافِرٍ ؛ لِأَنَّهُ { يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا } كَمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ وَآخِرُ الْأُولَى سَلْخُ الْحِجَّةِ وَأَوَّلُ الثَّانِيَةِ أَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ حَمْلًا لِخِطَابِ الشَّارِعِ عَلَى عَرَفَةَ فِي السَّنَةِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ وَالْمُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ الْوَاقِعَةُ فِي السَّنَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَغَائِرُ رُفِعَتْ دَرَجَتُهُ أَوْ وُقِيَ اقْتِرَافَهَا أَوْ اسْتِكْثَارَهَا وَقَوْلُ مُجَلّي تَخْصِيصُ الصَّغَائِرِ تَحَكُّمٌ مَرْدُودٌ وَإِنْ سَبَقَهُ إلَى نَحْوِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ إجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا وَرَدَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ لِذَلِكَ الْمُسْتَنَدِ لِتَصْرِيحِ الْأَحَادِيثِ 455 بِذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُكَفِّرَةِ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي تَكْفِيرِهَا اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَحَدِيثُ تَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلتَّبَعَاتِ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ بَلْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى شِدَّةِ ضَعْفِهِ أَمَّا الْحَاجُّ فَيُسَنُّ لَهُ فِطْرُهُ وَإِنْ لَمْ يُضْعِفْهُ الصَّوْمُ عَنْ الدُّعَاءِ تَأَسِّيًا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ وَقَفَ مُفْطِرًا وَتَقَوِّيًا عَلَى الدُّعَاءِ فَصَوْمُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى .
وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَجَرَى عَلَيْهِ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ نَعَمْ يُسَنُّ صَوْمُهُ لِمَنْ أَخَّرَ وُقُوفَهُ إلَى اللَّيْلِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا لِنَصِّ الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ فِطْرُهُ لِلْمُسَافِرِ وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ لِمَنْ مَحِلُّهُ إنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَيْ : أَتْعَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِ الزَّرْكَشِيّ لَهُ عَلَى مَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ وَيُسَنُّ صَوْمُ ثَامِنِ الْحِجَّةِ احْتِيَاطًا لَهُ ( وَعَاشُورَاءَ ) بِالْمَدِّ وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ تَاسِعُهُ ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِكَوْنِ أَجْرِنَا 456 ضِعْفَ أَجْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ ثَوَابُ مَا خُصِّصْنَا بِهِ وَهُوَ عَرَفَةُ ضِعْفَ مَا شَارَكْنَاهُمْ فِيهِ وَهُوَ هَذَا ( وَتَاسُوعَاءَ ) بِالْمَدِّ وَهُوَ تَاسِعُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ { لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ } فَمَاتَ قَبْلَهُ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ وَيُسَنُّ صَوْمُ الْحَادِي عَشَرَ أَيْضًا ( وَأَيَّامِ ) اللَّيَالِي ( الْبِيضِ ) وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَتَالِيَاهُ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِصَوْمِهَا وَالِاحْتِيَاطُ صَوْمُ الثَّانِي عَشَرَ مَعَهَا .
نَعَمْ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلْجَلَالِ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّهُ فِي الْحِجَّةِ يَصُومُ السَّادِسَ عَشَرَ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ بَدَلَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَحِكْمَةُ كَوْنِهَا ثَلَاثَةً أَنَّ الْحَسَنَةَ عَشْرُ أَمْثَالِهَا فَصَوْمُهَا كَصَوْمِ الشَّهْرِ كُلِّهِ وَلِذَلِكَ حَصَلَ أَصْلُ السَّنَةِ بِصَوْمِ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ وَخُصَّتْ هَذِهِ لِتَعْمِيمِ لَيَالِيهَا بِالنُّورِ الْمُنَاسِبِ لِلْعِبَادَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَعَسَّرُ تَعْمِيمُ الْيَوْمِ بِعِبَادَةٍ غَيْرِ الصَّوْمِ وَيُسَنُّ صَوْمُ أَيَّامِ السُّودِ خَوْفًا وَرَهْبَةً مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ وَهِيَ السَّابِعُ أَوْ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَتَالِيَاهُ فَإِنْ بَدَأَ بِالثَّامِنِ وَنَقَصَ الشَّهْرُ صَامَ أَوَّلَ تَالِيهِ لِاسْتِغْرَاقِ الظَّالِمَةِ لِلَيْلَتِهِ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ يَقَعُ صَوْمُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَيْضًا فَإِنَّهُ يُسَنُّ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ أَوَّلَ كُلِّ شَهْرٍ ( تَنْبِيهٌ ) مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّ مَنْ قَالَ أَوَّلُهَا السَّابِعُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ إذَا تَمَّ الشَّهْرُ يُسَنُّ صَوْمُ الْآخَرِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الثَّانِي وَمَنْ قَالَ الثَّامِنُ يُسَنُّ صَوْمُ السَّابِعِ احْتِيَاطًا فَنَتَجَ سَنُّ صَوْمِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ إذَا تَمَّ الشَّهْرُ عَلَيْهِمَا ( وَسِتَّةٍ ) فِي نُسْخَةٍ سِتٍّ بِلَا تَاءٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَعَلَيْهَا فَسَوَّغَ حَذْفُهَا حَذْفَ الْمَعْدُودِ ( مِنْ شَوَّالٍ ) ؛ لِأَنَّهَا مَعَ صِيَامِ رَمَضَانَ أَيْ : جَمِيعِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ الْفَضْلُ الْآتِي وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ كَصِيَامِ الدَّهْرِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ : لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةٍ الرَّمْلِيِّ سَنَدُهَا حَسَنٌ وَلَفْظُهَا صِيَامُ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَيْ : مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ أَيْ : مِثْلُ صِيَامِهَا بِلَا مُضَاعَفَةٍ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي خَبَرِ { { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ } وَأَشْبَاهِهِ .
وَالْمُرَادُ ثَوَابُ الْفَرْضِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِيَّةِ سِتَّةِ شَوَّالٍ مَعْنًى ؛ إذْ مَنْ صَامَ مَعَ رَمَضَانَ سِتَّةً 457 غَيْرَهَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الدَّهْرِ لِمَا تَقَرَّرَ فَلَا تَتَمَيَّزُ تِلْكَ إلَّا بِذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ صَامَهَا مَعَ رَمَضَانَ كُلُّ سَنَةٍ تَكُونُ كَصِيَامِ الدَّهْرِ فَرْضًا بِلَا مُضَاعَفَةٍ وَمَنْ صَامَ سِتَّةً غَيْرَهَا كَذَلِكَ تَكُونُ كَصِيَامِهِ نَفْلًا بِلَا مُضَاعَفَةٍ كَمَا أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَحْصُلُهُ أَيْضًا وَقَضِيَّةُ الْمَتْنِ نَدْبُهَا حَتَّى لِمَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِيمَنْ تَعَدَّى بِفِطْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا بَلْ قَالَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ يُكْرَهُ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَيْ : مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ تَطَوَّعَ بِصَوْمٍ وَلَوْ فَاتَهُ رَمَضَانُ فَصَامَ عَنْهُ شَوَّالًا سُنَّ لَهُ صَوْمُ سِتٍّ مِنْ الْقِعْدَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَوْمٌ رَاتِبٌ يُسَنُّ لَهُ قَضَاؤُهُ وَمَرَّ فِي مَبْحَثِ النِّيَّةِ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِي هَذِهِ الرَّوَاتِبِ مَا يَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهُ ( وَتَتَابُعُهَا ) عَقِبَ الْعِيدِ ( أَفْضَلُ ) مُبَادَرَةً لِلْعِبَادَةِ وَإِيهَامُ الْعَامَّةِ وُجُوبَهَا مَمْنُوعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ ؛ إذْ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ بِالنَّدْبِ لَا يُفْسِدُهُ بَلْ يُؤَكِّدُهُ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ التَّطَوُّعُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ { مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا } وَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ ، إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَالصَّحِيحُ تَعَلُّقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُهُ بِكَوْنِهِ لَهُ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الرِّيَاءِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ قَوْلًا ( يُسَنُّ صَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ ) لِمَا
206 صَحَّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : وَيُسَنُّ أَيْضًا الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَوْمِهِمَا وَالْمُرَادُ عَرْضُهَا عَلَى اللَّهِ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا فَإِنَّهُ بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً ، وَرَفْعُهَا فِي شَعْبَانَ ، الثَّابِتُ بِخَبَرِ أَحْمَدَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ إكْثَارِهِ الصَّوْمَ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ : إنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْأَعْمَالِ جُمْلَةً ، وَسُمِّيَ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الْأَحَدُ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ، لَكِنْ الَّذِي صَوَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ السَّبْتُ وَهُوَ الْأَصَحُّ .
206 صَحَّ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } قَالَ الْأَذْرَعِيُّ : وَيُسَنُّ أَيْضًا الْمُحَافَظَةُ عَلَى صَوْمِهِمَا وَالْمُرَادُ عَرْضُهَا عَلَى اللَّهِ ، وَأَمَّا رَفْعُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا فَإِنَّهُ بِاللَّيْلِ مَرَّةً وَبِالنَّهَارِ مَرَّةً ، وَرَفْعُهَا فِي شَعْبَانَ ، الثَّابِتُ بِخَبَرِ أَحْمَدَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ إكْثَارِهِ الصَّوْمَ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ : إنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْأَعْمَالِ جُمْلَةً ، وَسُمِّيَ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الْأَحَدُ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ، لَكِنْ الَّذِي صَوَّبَهُ السُّهَيْلِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ السَّبْتُ وَهُوَ الْأَصَحُّ .
الأم
اقرأ →
باب صوم التطوع
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
باب صوم التطوع
الحنابلة
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ( وَأَفْضَلُهُ ) أَيْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ صَوْمُ ( يَوْمٍ وَ ) فِطْرُ ( يَوْمٍ ) نَصًّا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ عَمْرٍو { صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد ، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ : لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ( وَسُنَّ ) صَوْمُ ( ثَلَاثَةِ ) أَيَّامٍ ( مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو { صُمْ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ( وَأَيَّامُ ) اللَّيَالِي ( الْبِيضِ أَفْضَلُ وَهِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ 493 عَشْرَةَ ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { يَا أَبَا ذَرٍّ إذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ } .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَسُمِّيَتْ لَيَالِيهَا بِالْبِيضِ : لِبَيَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ ( وَ ) سُنَّ صَوْمُ يَوْمِ ( الِاثْنَيْنِ وَ ) يَوْمِ ( الْخَمِيسِ ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُمَا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : { إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .
وَفِي لَفْظٍ { وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } ( وَ ) سُنَّ صَوْمُ ( سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ ، وَالْأَوْلَى تَتَابُعُهَا ، وَ ) كَوْنُهَا ( عَقِبَ الْعِيدِ وَصَائِمُهَا مَعَ رَمَضَانَ كَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْدِيمِ لِرَمَضَانَ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ فَاصِلٌ وَلِسَعِيدٍ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ شَهْرًا بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ ، وَصَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ ، وَذَلِكَ سَنَةٌ ، أَيْ : الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ يَوْمًا وَذَلِكَ سَنَةٌ } وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ الْأُوَلِ : التَّشْبِيهُ بِصَوْمِ الدَّهْرِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَحَدِيثِ { مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ } مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَتَحْصُلُ فَضِيلَتُهَا مُتَتَابِعَةً وَمُتَفَرِّقَةً .
( وَ ) سُنَّ ( صَوْمُ ) شَهْرِ اللَّهِ ( الْمُحَرَّمِ ) لِحَدِيثِ { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ جَوْفُ اللَّيْلِ ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُكْثِرْ الصَّوْمَ فِيهِ لِعُذْرٍ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا آخِرًا .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : إضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا كَقَوْلِهِمْ : بَيْتُ اللَّهِ وَآلُ اللَّهِ ، لِقُرَيْشٍ ( وَآكَدُهُ ) وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ : أَفْضَلُهُ ( الْعَاشِرُ ) وَيُسَمَّى عَاشُورَاءَ وَيَنْبَغِي التَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ ( وَهُوَ ) أَيْ : صَوْمُ عَاشُورَاءَ ( كَفَّارَةُ سَنَةٍ ) لِحَدِيثِ { إنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ } ( ثُمَّ ) يَلِي عَاشُورَاءَ فِي الْآكَدِيَّةِ ( التَّاسِعُ ) وَيُسَمَّى تَاسُوعَاءَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ } رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
( وَ ) يُسَنُّ صَوْمُ ( عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ) أَيْ : 494 التِّسْعَةِ الْأُوَلِ مِنْهُ لِحَدِيثِ { مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ } ( وَآكَدُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَهُوَ ) أَيْ : صَوْمُهُ ( كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا فِي صَوْمِهِ { إنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ } قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَالْمُرَادُ الصَّغَائِرُ حَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَغَائِرُ رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتْ الدَّرَجَاتُ ( وَلَا يُسَنُّ ) صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ ( لِمَنْ بِهَا ) أَيْ : بِعَرَفَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهُ وَيَمْنَعُهُ الدُّعَاءَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الشَّرِيفِ ( إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ عَدِمَا الْهَدْيَ ) فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَا آخِرَ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَأْتِي .
( ثُمَّ ) يَلِي يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْآكَدِيَّةِ يَوْمُ ( التَّرْوِيَةِ ) وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ لِحَدِيثِ { صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَفَّارَةُ سَنَةٍ } الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ( وَكُرِهَ إفْرَادُ رَجَبٍ ) بِصَوْمٍ .
قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ كَانَ يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصُمْهُ مُتَوَالِيًا بَلْ يُفْطِرُ فِيهِ وَلَا يُشَبِّهُهُ بِرَمَضَانَ ا هـ . لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ " رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ وَيَقُولُ : كُلُوا ، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى النَّاسَ وَمَا يَعُدُّونَهُ لِرَجَبٍ كَرِهَهُ وَقَالَ " صُومُوا مِنْهُ وَأَفْطِرُوا " وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ .
( وَ ) كُرِهَ إفْرَادُ يَوْمِ ( الْجُمُعَةِ ) بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
( وَ ) كُرِهَ إفْرَادُ يَوْمِ ( السَّبْتِ بِصَوْمٍ ) لِحَدِيثِ { لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ } حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، فَإِنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ لَمْ يُكْرَهْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُوَيْرِيَةَ قَالَ فِي الْكَافِي : فَإِنْ صَامَهُمَا أَيْ : الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ مَعًا لَمْ يُكْرَهْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( وَ ) كُرِهَ ( صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ ، وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مِنْ شَعْبَانَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ حِينَ التَّرَائِيِ عِلَّةٌ ) مِنْ نَحْوِ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْهُ ( إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ أَوْ الشَّكِّ ( عَادَةً ، أَوْ يَصِلَهُ ) أَيْ : يَوْمَ الشَّكِّ ( بِصِيَامٍ قَبْلَهُ ) وَيَتَقَدَّمُ عَنْ رَمَضَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ نَصًّا لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ 495 { لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ } أَوْ يَكُونُ صَوْمُهُ ( قَضَاءً ) عَنْ رَمَضَانَ ( أَوْ ) يَكُونُ ( نَذْرًا ) فَيَصُومُهُ لِوُجُوبِهِ ، وَمِثْلُهُ صَوْمُهُ عَنْ كَفَّارَةٍ .
( وَ ) كُرِهَ صَوْمُ يَوْمِ ( النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ ) هُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ ( وَ ) صَوْمُ ( كُلِّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ ) قِيَاسًا عَلَى يَوْمِ السَّبْتِ ، مَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً أَوْ يَصُمْهُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ ، أَوْ نَذْرٍ وَنَحْوِهِ .
( وَ ) كُرِهَ ( تَقَدُّمُ ) صَوْمِ ( رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ) لَا بِأَكْثَرَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( وَ ) كُرِهَ ( وِصَالٌ ) بِأَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ ( إلَّا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { وَاصَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا : إنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ : إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً وَ ( لَا ) يُكْرَهُ الْوِصَالُ ( إلَى السَّحَرِ ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( وَتَرْكِهِ ) أَيْ : الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ ( أَوْلَى ) مِنْ فِعْلِهِ لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ .
( وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ) لِحَدِيثِ { وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا ( إلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ ) لِمَنْ عَدِمَهُ فَيَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْهُ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ " لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( وَلَا ) يَصِحُّ صَوْمُ ( يَوْمِ عِيدٍ مُطْلَقًا ) لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا ( وَيَحْرُمُ ) صَوْمُهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نُهِيَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ فِطْرٍ وَيَوْمِ أَضْحَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ بِهِ حَقًّا وَلَا يَخَافُ مِنْهُ ضَرَرًا ، وَلَا صَامَ أَيَّامَ النَّهْيِ
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَسُمِّيَتْ لَيَالِيهَا بِالْبِيضِ : لِبَيَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ ( وَ ) سُنَّ صَوْمُ يَوْمِ ( الِاثْنَيْنِ وَ ) يَوْمِ ( الْخَمِيسِ ) لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُومُهُمَا فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : { إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .
وَفِي لَفْظٍ { وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ } ( وَ ) سُنَّ صَوْمُ ( سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ ، وَالْأَوْلَى تَتَابُعُهَا ، وَ ) كَوْنُهَا ( عَقِبَ الْعِيدِ وَصَائِمُهَا مَعَ رَمَضَانَ كَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ ) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ .
قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْدِيمِ لِرَمَضَانَ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ فَاصِلٌ وَلِسَعِيدٍ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ شَهْرًا بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ ، وَصَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ ، وَذَلِكَ سَنَةٌ ، أَيْ : الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ يَوْمًا وَذَلِكَ سَنَةٌ } وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ الْأُوَلِ : التَّشْبِيهُ بِصَوْمِ الدَّهْرِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَحَدِيثِ { مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ } مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَتَحْصُلُ فَضِيلَتُهَا مُتَتَابِعَةً وَمُتَفَرِّقَةً .
( وَ ) سُنَّ ( صَوْمُ ) شَهْرِ اللَّهِ ( الْمُحَرَّمِ ) لِحَدِيثِ { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ جَوْفُ اللَّيْلِ ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُكْثِرْ الصَّوْمَ فِيهِ لِعُذْرٍ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا آخِرًا .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : إضَافَتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَتَفْخِيمًا كَقَوْلِهِمْ : بَيْتُ اللَّهِ وَآلُ اللَّهِ ، لِقُرَيْشٍ ( وَآكَدُهُ ) وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ : أَفْضَلُهُ ( الْعَاشِرُ ) وَيُسَمَّى عَاشُورَاءَ وَيَنْبَغِي التَّوْسِعَةُ فِيهِ عَلَى الْعِيَالِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ ( وَهُوَ ) أَيْ : صَوْمُ عَاشُورَاءَ ( كَفَّارَةُ سَنَةٍ ) لِحَدِيثِ { إنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ } ( ثُمَّ ) يَلِي عَاشُورَاءَ فِي الْآكَدِيَّةِ ( التَّاسِعُ ) وَيُسَمَّى تَاسُوعَاءَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ } رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ .
( وَ ) يُسَنُّ صَوْمُ ( عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ ) أَيْ : 494 التِّسْعَةِ الْأُوَلِ مِنْهُ لِحَدِيثِ { مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ } ( وَآكَدُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَهُوَ ) أَيْ : صَوْمُهُ ( كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا فِي صَوْمِهِ { إنِّي لَأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ } قَالَ فِي الْفُرُوعِ : وَالْمُرَادُ الصَّغَائِرُ حَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَغَائِرُ رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتْ الدَّرَجَاتُ ( وَلَا يُسَنُّ ) صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ ( لِمَنْ بِهَا ) أَيْ : بِعَرَفَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهُ وَيَمْنَعُهُ الدُّعَاءَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الشَّرِيفِ ( إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ عَدِمَا الْهَدْيَ ) فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَا آخِرَ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَأْتِي .
( ثُمَّ ) يَلِي يَوْمَ عَرَفَةَ فِي الْآكَدِيَّةِ يَوْمُ ( التَّرْوِيَةِ ) وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ لِحَدِيثِ { صَوْمُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَفَّارَةُ سَنَةٍ } الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ( وَكُرِهَ إفْرَادُ رَجَبٍ ) بِصَوْمٍ .
قَالَ أَحْمَدُ : مَنْ كَانَ يَصُومُ السَّنَةَ صَامَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصُمْهُ مُتَوَالِيًا بَلْ يُفْطِرُ فِيهِ وَلَا يُشَبِّهُهُ بِرَمَضَانَ ا هـ . لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قَالَ " رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ وَيَقُولُ : كُلُوا ، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى النَّاسَ وَمَا يَعُدُّونَهُ لِرَجَبٍ كَرِهَهُ وَقَالَ " صُومُوا مِنْهُ وَأَفْطِرُوا " وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ .
( وَ ) كُرِهَ إفْرَادُ يَوْمِ ( الْجُمُعَةِ ) بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
( وَ ) كُرِهَ إفْرَادُ يَوْمِ ( السَّبْتِ بِصَوْمٍ ) لِحَدِيثِ { لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ } حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، فَإِنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ لَمْ يُكْرَهْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُوَيْرِيَةَ قَالَ فِي الْكَافِي : فَإِنْ صَامَهُمَا أَيْ : الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ مَعًا لَمْ يُكْرَهْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( وَ ) كُرِهَ ( صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ ، وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مِنْ شَعْبَانَ ، إذَا لَمْ يَكُنْ حِينَ التَّرَائِيِ عِلَّةٌ ) مِنْ نَحْوِ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْهُ ( إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ أَوْ الشَّكِّ ( عَادَةً ، أَوْ يَصِلَهُ ) أَيْ : يَوْمَ الشَّكِّ ( بِصِيَامٍ قَبْلَهُ ) وَيَتَقَدَّمُ عَنْ رَمَضَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ نَصًّا لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ 495 { لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ } أَوْ يَكُونُ صَوْمُهُ ( قَضَاءً ) عَنْ رَمَضَانَ ( أَوْ ) يَكُونُ ( نَذْرًا ) فَيَصُومُهُ لِوُجُوبِهِ ، وَمِثْلُهُ صَوْمُهُ عَنْ كَفَّارَةٍ .
( وَ ) كُرِهَ صَوْمُ يَوْمِ ( النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ ) هُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ ( وَ ) صَوْمُ ( كُلِّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ ) قِيَاسًا عَلَى يَوْمِ السَّبْتِ ، مَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً أَوْ يَصُمْهُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ ، أَوْ نَذْرٍ وَنَحْوِهِ .
( وَ ) كُرِهَ ( تَقَدُّمُ ) صَوْمِ ( رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ) لَا بِأَكْثَرَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
( وَ ) كُرِهَ ( وِصَالٌ ) بِأَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ ( إلَّا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { وَاصَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا : إنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ : إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً وَ ( لَا ) يُكْرَهُ الْوِصَالُ ( إلَى السَّحَرِ ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( وَتَرْكِهِ ) أَيْ : الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ ( أَوْلَى ) مِنْ فِعْلِهِ لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ تَعْجِيلِ الْفِطْرِ .
( وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ) لِحَدِيثِ { وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا ( إلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ ) لِمَنْ عَدِمَهُ فَيَصِحُّ صَوْمُهَا عَنْهُ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ " لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( وَلَا ) يَصِحُّ صَوْمُ ( يَوْمِ عِيدٍ مُطْلَقًا ) لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا ( وَيَحْرُمُ ) صَوْمُهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نُهِيَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ فِطْرٍ وَيَوْمِ أَضْحَى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُ الدَّهْرِ إنْ لَمْ يَتْرُكْ بِهِ حَقًّا وَلَا يَخَافُ مِنْهُ ضَرَرًا ، وَلَا صَامَ أَيَّامَ النَّهْيِ
الإنصاف
اقرأ →
باب صوم التطوع
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
" وَاشْتَرَكَا فِي الْمَرَاحِ وَالْمَسْرَحِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَحْلَبِ وَالرَّاعِي وَالْفَحْلِ " .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُرَاحُ بِالضَّمِّ حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ بِاللَّيْلِ ، وَالْمَرَاحُ بِالْفَتْحِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرُوحُ مِنْهُ الْقَوْمُ [ أَوْ يَرُوحُونَ إِلَيْهِ ] وَالْمَسْرَحُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ الْمَاشِيَةَ . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَمَسْرَحُهُمْ . ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرْعَى غَيْرُ الْمَسْرَحِ ، فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " الْمُغْنِي " : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرْعَى الرَّاعِي لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَحْمَدَ ؛ يَعْنِي فِي نَصِّهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاشْتِرَاكِ فِي الرَّاعِي ، وَلِكَوْنِ الْمَرْعَى هُوَ الْمَسْرَحُ . قَالَ ابْنُ حَامِدٍ : الْمَرْعَى وَالْمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ ، وَالْمَشْرَبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ : الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَبُ مِنْهُ ، وَالْمَحْلَبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ : الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ : الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَالْمَكَانُ هُوَ الْمُرَادُ لَا الْإِنَاءُ . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " الْمُغْنِي " : وَلَيْسَ الْمُرَادُ خَلْطَ اللَّبَنِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَرْفَقٍ بَلْ مَشَقَّةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى قِسْمَةِ اللَّبَنِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْفَحْلُ مَعْرُوفٌ ، وَالْجَمْعُ : الْفُحُولُ وَالْفِحَالُ وَالْفِحَالَةُ . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " الْمُغْنِي " : وَمَعْنَى كَوْنِ الْفَحْلِ وَاحِدًا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ فُحُولَةِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ لَا تَطْرُقُ غَيْرَهُ .
128 " وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ " .
كَثِيرًا مَا رَأَيْتُ تَصْوِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُشْكِلُ عَلَى الْمُبْتَدِئِينَ ، وَقَدْ تُشْكِلُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَصُورَتُهَا : أَنْ يَمْلِكَ رَجُلَانِ نِصَابَيْنِ ثُمَّ يَخْلِطَاهُمَا ، ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نِصَابَهُ أَجْنَبِيًّا ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَعَلَى الْأَوَّلِ شَاةٌ لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ فِي حَقِّهِ ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ شَاةٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ .
" بِقَدْرِ مَا لَهُ " ( يَجُوزُ ) مَالُهُ .
بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الْهَاءِ عَلَى أَنَّ " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي ، وَلَهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ ، وَيَجُوزُ " مَالِهِ " بِكَسْرِهِمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مَالٌ مَجْرُورًا بِالْإِضَافَةِ .
" أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ " .
الْمُحَرَّمُ : يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ، وَأَمَّا صَفَرٌ فَقَالَ ابْنُ سَيِّدِهِ فِي " مُحْكَمِهِ " : صَفَرٌ : الشَّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الْمُحَرَّمِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِإِصْفَارِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا إِذَا سَافَرُوا . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَغْزُونَ الْقَبَائِلَ فِيهِ فَيَتْرُكُونَ مَنْ لَقُوهُ صِفْرًا مِنَ الْمَتَاعِ .
قَالَ ثَعْلَبٌ : النَّاسُ كُلُّهُمْ يَصْرِفُونَ صَفَرًا إِلَّا أَبَا عُبَيْدَةَ ، فَإِنَّهُ لَا يَصْرِفُ لِلْمَعْرِفَةِ . وَالسَّاعَةُ : قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَادَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ كُلَّهَا سَاعَاتٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ . وَالْخَلِيطُ : الشَّرِيكُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُرَاحُ بِالضَّمِّ حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ بِاللَّيْلِ ، وَالْمَرَاحُ بِالْفَتْحِ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَرُوحُ مِنْهُ الْقَوْمُ [ أَوْ يَرُوحُونَ إِلَيْهِ ] وَالْمَسْرَحُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ الْمَاشِيَةَ . وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَ مَرْعَاهُمْ وَمَسْرَحُهُمْ . ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرْعَى غَيْرُ الْمَسْرَحِ ، فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " الْمُغْنِي " : فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرْعَى الرَّاعِي لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ أَحْمَدَ ؛ يَعْنِي فِي نَصِّهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاشْتِرَاكِ فِي الرَّاعِي ، وَلِكَوْنِ الْمَرْعَى هُوَ الْمَسْرَحُ . قَالَ ابْنُ حَامِدٍ : الْمَرْعَى وَالْمَسْرَحُ شَرْطٌ وَاحِدٌ ، وَالْمَشْرَبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ : الْمَكَانُ الَّذِي يُشْرَبُ مِنْهُ ، وَالْمَحْلَبُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ : الْمَوْضِعُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَبِكَسْرِ الْمِيمِ : الْإِنَاءُ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ ، وَالْمَكَانُ هُوَ الْمُرَادُ لَا الْإِنَاءُ . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " الْمُغْنِي " : وَلَيْسَ الْمُرَادُ خَلْطَ اللَّبَنِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَرْفَقٍ بَلْ مَشَقَّةً لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى قِسْمَةِ اللَّبَنِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْفَحْلُ مَعْرُوفٌ ، وَالْجَمْعُ : الْفُحُولُ وَالْفِحَالُ وَالْفِحَالَةُ . قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " الْمُغْنِي " : وَمَعْنَى كَوْنِ الْفَحْلِ وَاحِدًا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ فُحُولَةِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ لَا تَطْرُقُ غَيْرَهُ .
128 " وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ " .
كَثِيرًا مَا رَأَيْتُ تَصْوِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُشْكِلُ عَلَى الْمُبْتَدِئِينَ ، وَقَدْ تُشْكِلُ عَلَى غَيْرِهِمْ ، وَصُورَتُهَا : أَنْ يَمْلِكَ رَجُلَانِ نِصَابَيْنِ ثُمَّ يَخْلِطَاهُمَا ، ثُمَّ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نِصَابَهُ أَجْنَبِيًّا ، فَإِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَعَلَى الْأَوَّلِ شَاةٌ لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ فِي حَقِّهِ ، وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ شَاةٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ .
" بِقَدْرِ مَا لَهُ " ( يَجُوزُ ) مَالُهُ .
بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الْهَاءِ عَلَى أَنَّ " مَا " بِمَعْنَى الَّذِي ، وَلَهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ ، وَيَجُوزُ " مَالِهِ " بِكَسْرِهِمَا عَلَى أَنْ يَكُونَ مَالٌ مَجْرُورًا بِالْإِضَافَةِ .
" أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ وَأَرْبَعِينَ فِي صَفَرٍ " .
الْمُحَرَّمُ : يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ ، وَأَمَّا صَفَرٌ فَقَالَ ابْنُ سَيِّدِهِ فِي " مُحْكَمِهِ " : صَفَرٌ : الشَّهْرُ الَّذِي بَعْدَ الْمُحَرَّمِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِإِصْفَارِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا إِذَا سَافَرُوا . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَغْزُونَ الْقَبَائِلَ فِيهِ فَيَتْرُكُونَ مَنْ لَقُوهُ صِفْرًا مِنَ الْمَتَاعِ .
قَالَ ثَعْلَبٌ : النَّاسُ كُلُّهُمْ يَصْرِفُونَ صَفَرًا إِلَّا أَبَا عُبَيْدَةَ ، فَإِنَّهُ لَا يَصْرِفُ لِلْمَعْرِفَةِ . وَالسَّاعَةُ : قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَرَادَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ كُلَّهَا سَاعَاتٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ . وَالْخَلِيطُ : الشَّرِيكُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب صوم التطوع