الأيمان
الصيامالكسوةاليمين في الأكل والشرب واللبس والكلاماليمين في الضرب والقتل وغير ذلكاليمين في الطلاق والعتاقالإطعام في كفارة اليمينالأكلالبشارةالخروجالدخولفي الاستثناءالقضاء في اليمينلغو اليمينما يجزئ من الكسوة في الكفارةما يكون يمينا وما لا يكون يميناالمساكنةمن الأيمانمن يعتق من مماليكه إذا حنث أو حلف بعتق عبد فباعه ثم اشتراهالنذر والوعد والعهدالوقت في اليميناليمين في الأزهار والرياحيناليمين في الأكل والشرباليمين في البيع والشراء والتزوج وغير ذلكاليمين في البيع والشراء والتزويج والصوم والصلاةاليمين في البيع والشراء والصوم والصلاة وغيرهااليمين في تقاضي الدراهماليمين في الحج والصلاة والصوماليمين في الخدمةاليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلكاليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان والركوب وغير ذلكاليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلكاليمين في الدخول والسكنىاليمين في الركوباليمين في الشراباليمين في الضرب والقتل وغيرهاليمين في العتقاليمين في العتق والطلاقاليمين في الكفالةاليمين في الكلاماليمين في الكلام وغيرهاليمين في لبس الثياب والحلي وغير ذلك
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
2 كِتَابُ الْأَيْمَانِ ) :
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ .
أَنْوَاعِ الْيَمِينِ وَفِي بَيَانِ رُكْنِ كُلِّ نَوْعٍ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ وَفِي بَيَانِ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ الْمُسْتَحْلِفِ أَمَّا الْأَوَّلُ : فَالْيَمِينُ فِي الْقِسْمَةِ الْأُولَى يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : يَمِينٌ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَسَمِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ ، وَيَمِينٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الظَّاهِرِ هِيَ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَلَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا مَجَازًا ، حَتَّى إنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ يَحْنَثُ ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لَا يَحْنَثُ .
وَجْهُ قَوْلِهِمْ : إنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الْقَسَمَ بِمَا جَلَّ قَدْرُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ وَكَثُرَ نَفْعُهُ عِنْدَ الْخَلْقِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ بِهَذَا النَّوْعِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ التَّعْظِيمَ بِهَذَا النَّوْعِ عِبَادَةٌ وَلَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى .
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْنَى فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ } سَمَّاهُ حَلِفًا ، وَالْحَلِفُ وَالْيَمِينُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ ، وَالْأَصْلُ فِي إطْلَاقِ الِاسْمِ هُوَ الْحَقِيقَةُ فَدَلَّ أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَمِينٌ حَقِيقَةً .
وَكَذَا مَأْخَذُ الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ الْقُوَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } أَيْ بِالْقُوَّةِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْيَدُ الْيَمِينُ يَمِينًا لِفَضْلِ قُوَّتِهَا عَلَى الشِّمَالِ عَادَةً .
قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ يَسْمُو إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ ﴿﴾ أَيْ بِالْقُوَّةِ ، وَمَعْنَى الْقُوَّةِ يُوجَدُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ أَنَّ الْحَالِفَ يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْمَرْهُوبِ وَعَلَى التَّحْصِيلِ فِي 3 الْمَرْغُوبِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَاهُ طَبْعُهُ إلَى فِعْلٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللَّذَّةِ الْحَاضِرَةِ فَعَقْلُهُ يَزْجُرُهُ عَنْهُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعَاقِبَةِ الْوَخِيمَةِ ، وَرُبَّمَا لَا يُقَاوِمُ طَبْعَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى عَلَى الْجَرْيِ عَلَى مُوجَبِ الْعَقْلِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِمَا عُرِفَ مِنْ قُبْحِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَكَذَا إذَا دَعَاهُ عَقْلُهُ إلَى فِعْلٍ تَحْسُنُ عَاقِبَتُهُ وَطَبْعُهُ يَسْتَثْقِلُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى التَّحْصِيلِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِأَنَّ الْحَالِفَ يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ خَوْفًا مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الَّذِي هُوَ مُسْتَثْقَلٌ عَلَى طَبْعِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ يُوجَدُ فِي النَّوْعَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا سَمَّى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي أَبْوَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ يَمِينًا ، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ .
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ .
أَنْوَاعِ الْيَمِينِ وَفِي بَيَانِ رُكْنِ كُلِّ نَوْعٍ وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ وَفِي بَيَانِ حُكْمِهِ وَفِي بَيَانِ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ أَوْ الْمُسْتَحْلِفِ أَمَّا الْأَوَّلُ : فَالْيَمِينُ فِي الْقِسْمَةِ الْأُولَى يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : يَمِينٌ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقَسَمِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ ، وَيَمِينٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ أَصْحَابُ الظَّاهِرِ هِيَ قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَلَيْسَ بِيَمِينٍ حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا مَجَازًا ، حَتَّى إنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَحْلِفُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ يَحْنَثُ ، وَعِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لَا يَحْنَثُ .
وَجْهُ قَوْلِهِمْ : إنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَلِهَذَا كَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ الْقَسَمَ بِمَا جَلَّ قَدْرُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ وَكَثُرَ نَفْعُهُ عِنْدَ الْخَلْقِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْمُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ بِهَذَا النَّوْعِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ التَّعْظِيمَ بِهَذَا النَّوْعِ عِبَادَةٌ وَلَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى .
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْنَى فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ } سَمَّاهُ حَلِفًا ، وَالْحَلِفُ وَالْيَمِينُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَرَادِفَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ ، وَالْأَصْلُ فِي إطْلَاقِ الِاسْمِ هُوَ الْحَقِيقَةُ فَدَلَّ أَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ يَمِينٌ حَقِيقَةً .
وَكَذَا مَأْخَذُ الِاسْمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ الْقُوَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } أَيْ بِالْقُوَّةِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْيَدُ الْيَمِينُ يَمِينًا لِفَضْلِ قُوَّتِهَا عَلَى الشِّمَالِ عَادَةً .
قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيَّ يَسْمُو إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ ﴿﴾ أَيْ بِالْقُوَّةِ ، وَمَعْنَى الْقُوَّةِ يُوجَدُ فِي النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ أَنَّ الْحَالِفَ يَتَقَوَّى بِهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْمَرْهُوبِ وَعَلَى التَّحْصِيلِ فِي 3 الْمَرْغُوبِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَاهُ طَبْعُهُ إلَى فِعْلٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللَّذَّةِ الْحَاضِرَةِ فَعَقْلُهُ يَزْجُرُهُ عَنْهُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعَاقِبَةِ الْوَخِيمَةِ ، وَرُبَّمَا لَا يُقَاوِمُ طَبْعَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى عَلَى الْجَرْيِ عَلَى مُوجَبِ الْعَقْلِ فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِمَا عُرِفَ مِنْ قُبْحِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَكَذَا إذَا دَعَاهُ عَقْلُهُ إلَى فِعْلٍ تَحْسُنُ عَاقِبَتُهُ وَطَبْعُهُ يَسْتَثْقِلُ ذَلِكَ فَيَمْنَعُهُ عَنْهُ فَيَحْتَاجُ إلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِيَتَقَوَّى بِهَا عَلَى التَّحْصِيلِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِأَنَّ الْحَالِفَ يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ خَوْفًا مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الَّذِي هُوَ مُسْتَثْقَلٌ عَلَى طَبْعِهِ فَثَبَتَ أَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ يُوجَدُ فِي النَّوْعَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلْفَصْلِ بَيْنَ نَوْعٍ وَنَوْعٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مُحَمَّدًا سَمَّى الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي أَبْوَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ يَمِينًا ، وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ .
المبسوط
اقرأ →
126 كِتَابُ الْأَيْمَانِ
( قَالَ ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ السَّلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } ، وَقَالَ الْقَائِلُ : ﴿﴾ رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيِّ يَسْمُو ﴿﴾ ﴿﴾ إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ﴿﴾ ﴿﴾ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ ﴿﴾ فَمَا يُسْتَعْمَلُ بِالْعُهُودِ وَالتَّوْثِيقِ وَالْقُوَّةِ يُسَمَّى يَمِينًا ، وَقِيلَ : الْيَمِينُ الْجَارِحَةُ فَلَمَّا كَانَتْ يُسْتَعْمَلُ بَذْلُهَا فِي الْعُهُودِ سُمِّيَ مَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْعَقْدُ بِاسْمِهَا ، وَهِيَ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ قَسَمًا إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَخُصُّونَ ذَلِكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَفِي الشَّرْعِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْيَمِينِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ بِذَاتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِهِ بِحَالٍ . وَالنَّوْعُ الْآخَرُ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ ، وَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْإِيجَابُ ، وَلَكِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ
ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابَ بِبَيَانِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ : الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا اللَّفْظُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُرْوَى عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَرِدْ عَدَدُ الْأَيْمَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ فِي أَحْكَامِهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : يَمِينٌ يُكَفَّرُ ، وَيَمِينٌ لَا يُكَفَّرُ ، وَيَمِينٌ يَرْجُوا أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَاحِبَهَا ، فَأَمَّا الَّذِي يُكَفَّرُ فَهُوَ يَمِينٌ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِإِيجَادِ فِعْلٍ ، أَوْ نَفْيِ فِعْلٍ ، وَهَذَا عَقْدٌ مَشْرُوعٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي بَيْعَةِ نُصْرَةِ الْحَقِّ وَفِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ ، وَهِيَ فِي وُجُوبِ الْحِفْظِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : نَوْعٌ مِنْهَا يَجِبُ إتْمَامُ الْبَرِّ فِيهَا ، وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى أَمْرِ طَاعَةٍ أُمِرَ بِهِ ، أَوْ الِامْتِنَاعُ عَنْ مَعْصِيَةٍ ، وَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَمِينِ وَبِالْيَمِينِ يَزْدَادُ وَكَادَةً 127 وَنَوْعٌ لَا يَجُوزُ حِفْظُهَا وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ طَاعَةٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } . وَنَوْعٌ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْحِنْثِ ، وَالْحِنْثُ خَيْرٌ مِنْ الْبَرِّ فَيُنْدَبُ فِيهِ إلَى الْحِنْثِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ } . وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ النَّدْبُ ، وَنَوْعٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْبَرُّ وَالْحِنْثُ فِي الْإِبَاحَةِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } . وَحِفْظُ الْيَمِينِ يَكُونُ بِالْبَرِّ بَعْدَ وُجُودِهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ حِفْظُ الْبَرِّ ، وَمَنْ حَنِثَ فِي هَذَا الْيَمِينِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى { : فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } . وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِعْتَاقِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى حَرْفِ أَوْ ; وَلِأَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْأَخَفِّ وَالْخَتْمَ بِالْأَغْلَظِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً كَانَتْ الْبِدَايَةُ بِالْأَغْلَظِ .
( قَالَ ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ السَّلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ : رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْيَمِينُ فِي اللُّغَةِ الْقُوَّةُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } ، وَقَالَ الْقَائِلُ : ﴿﴾ رَأَيْت عَرَابَةَ الْأَوْسِيِّ يَسْمُو ﴿﴾ ﴿﴾ إلَى الْخَيْرَاتِ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ﴿﴾ ﴿﴾ تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ ﴿﴾ فَمَا يُسْتَعْمَلُ بِالْعُهُودِ وَالتَّوْثِيقِ وَالْقُوَّةِ يُسَمَّى يَمِينًا ، وَقِيلَ : الْيَمِينُ الْجَارِحَةُ فَلَمَّا كَانَتْ يُسْتَعْمَلُ بَذْلُهَا فِي الْعُهُودِ سُمِّيَ مَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْعَقْدُ بِاسْمِهَا ، وَهِيَ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ ، وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ قَسَمًا إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَخُصُّونَ ذَلِكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَفِي الشَّرْعِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْيَمِينِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلتَّعْظِيمِ بِذَاتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ هَتْكُ حُرْمَةِ اسْمِهِ بِحَالٍ . وَالنَّوْعُ الْآخَرُ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ ، وَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْإِيجَابُ ، وَلَكِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ
ثُمَّ بَدَأَ الْكِتَابَ بِبَيَانِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَقَالَ : الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا اللَّفْظُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُرْوَى عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَلَمْ يَرِدْ عَدَدُ الْأَيْمَانِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى تَنْقَسِمُ فِي أَحْكَامِهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : يَمِينٌ يُكَفَّرُ ، وَيَمِينٌ لَا يُكَفَّرُ ، وَيَمِينٌ يَرْجُوا أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا صَاحِبَهَا ، فَأَمَّا الَّذِي يُكَفَّرُ فَهُوَ يَمِينٌ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِإِيجَادِ فِعْلٍ ، أَوْ نَفْيِ فِعْلٍ ، وَهَذَا عَقْدٌ مَشْرُوعٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي بَيْعَةِ نُصْرَةِ الْحَقِّ وَفِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ ، وَهِيَ فِي وُجُوبِ الْحِفْظِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : نَوْعٌ مِنْهَا يَجِبُ إتْمَامُ الْبَرِّ فِيهَا ، وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى أَمْرِ طَاعَةٍ أُمِرَ بِهِ ، أَوْ الِامْتِنَاعُ عَنْ مَعْصِيَةٍ ، وَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْيَمِينِ وَبِالْيَمِينِ يَزْدَادُ وَكَادَةً 127 وَنَوْعٌ لَا يَجُوزُ حِفْظُهَا وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ طَاعَةٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } . وَنَوْعٌ يَتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْحِنْثِ ، وَالْحِنْثُ خَيْرٌ مِنْ الْبَرِّ فَيُنْدَبُ فِيهِ إلَى الْحِنْثِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ } . وَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْأَمْرِ النَّدْبُ ، وَنَوْعٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْبَرُّ وَالْحِنْثُ فِي الْإِبَاحَةِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } . وَحِفْظُ الْيَمِينِ يَكُونُ بِالْبَرِّ بَعْدَ وُجُودِهَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ حِفْظُ الْبَرِّ ، وَمَنْ حَنِثَ فِي هَذَا الْيَمِينِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا قَالَ تَعَالَى { : فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } . وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِعْتَاقِ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى حَرْفِ أَوْ ; وَلِأَنَّ الْبِدَايَةَ بِالْأَخَفِّ وَالْخَتْمَ بِالْأَغْلَظِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً كَانَتْ الْبِدَايَةُ بِالْأَغْلَظِ .
المبسوط
اقرأ →
231 بَابُ الْأَيْمَانِ ( قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ فُلَانٍ شَيْئًا وَلَيْسَ لِفُلَانٍ يَوْمَئِذٍ ثَوْبٌ ثُمَّ اشْتَرَى ثَوْبًا فَلَبِسَهُ الْحَالِفُ حَنِثَ ; لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى لُبْسِ ثَوْبٍ مُضَافٍ إلَى فُلَانٍ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ الْإِضَافَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ فُلَانٍ بِشَرْطِ وُجُودِ الْإِضَافَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الَّذِي دَعَاهُ إلَى الْيَمِينِ لَيْسَ مَعْنًى فِي الثَّوْبِ وَالطَّعَامِ بَلْ لِمَعْنًى لَحِقَهُ مِنْ جِهَةِ فُلَانٍ وَبِذَلِكَ الْمَعْنَى إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ اتِّحَادِ الْفِعْلِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُضَافًا إلَى فُلَانٍ وَقْتَ اتِّحَادِ الْفِعْلِ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الدَّارِ وَقَالَ : الدَّارُ لَا يُسْتَحْدَثُ الْمِلْكُ فِيهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ إلَّا مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي مِلْكِ فُلَانٍ عِنْدَ يَمِينِهِ فَأَمَّا الثَّوْبُ وَالطَّعَامُ فَيُسْتَحْدَثُ الْمِلْكُ فِيهِمَا فِي كُلِّ وَقْتٍ ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ يَمِينُهُ مَا كَانَ فِي مِلْكِ فُلَانٍ عِنْدَ وُجُودِ الْفِعْلِ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ ثَوْبًا صَحِيحًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ مِنْهُ قَمِيصًا حَنِثَ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَسَاهُ فَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ تَمْلِيكَ الثَّوْبِ مِنْهُ لَا إلْبَاسَ الثَّوْبِ إيَّاهُ .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَتَأَدَّى بِكِسْوَةِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، وَذَلِكَ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ الْإِلْبَاسِ وَيُقَالُ فِي الْعَادَةِ كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا مَلَكَهُ سَوَاءٌ لَبِسَهُ فُلَانٌ أَوْ لَمْ يَلْبَسْهُ ، فَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْكِسْوَةِ عَلَى مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ اللُّبْسُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّمْلِيكُ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا لِفُلَانٍ فَلَبِسَ قَمِيصًا لِعَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَحْنَثُ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ قَالَ : وَلَكِنْ عِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَنَوَاهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ كَسْبَهُ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَكَسَا عَبْدَهُ لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ مَا مَلَكَ الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ عَبْدُهُ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ مِنْ عَبْدِهِ حُكْمًا ، وَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَوْ وَهَبَ لِعَبْدِ أَخِيهِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَسَا عَبْدَ فُلَانٍ لَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ كَأَنَّهُ كَسَا فُلَانًا 232 وَهُمَا يَقُولَانِ فِي حُكْمِ الرُّجُوعِ هِبَتُهُ لِعَبْدِ أَخِيهِ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ لِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي الرُّجُوعِ تَكُونُ مَعَ الْمَوْلَى ، وَهُوَ قَرِيبٌ لَهُ فَرُجُوعُهُ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَهُنَا شَرْطُ حِنْثِهِ نَفْسُ الْكِسْوَةِ لَا مَعْنًى يَنْبَنِي عَلَيْهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ فِيهِ يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى ؟ وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَبَاعَ مِنْ عَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِنْ وَكِيلِ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ فَكَيْفَ يَحْنَثُ إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِ فُلَانٍ وَالْعَبْدُ فِي الشِّرَاءِ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ لَا لِمَوْلَاهُ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِجَارِيَةٍ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِلنَّقْدِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ لَا يَتَنَاوَلُ بَيْعَ الْمُقَابَضَةِ ، فَإِنَّ فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعًا مِنْ وَجْهٍ مُشْتَرِيًا مِنْ وَجْهٍ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَا يَكُونُ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَوَهَبَ لَهُ ثَوْبًا صَحِيحًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَصْنَعَ مِنْهُ قَمِيصًا حَنِثَ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَسَاهُ فَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ تَمْلِيكَ الثَّوْبِ مِنْهُ لَا إلْبَاسَ الثَّوْبِ إيَّاهُ .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ تَتَأَدَّى بِكِسْوَةِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ، وَذَلِكَ بِالتَّمْلِيكِ دُونَ الْإِلْبَاسِ وَيُقَالُ فِي الْعَادَةِ كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا مَلَكَهُ سَوَاءٌ لَبِسَهُ فُلَانٌ أَوْ لَمْ يَلْبَسْهُ ، فَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْكِسْوَةِ عَلَى مَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ اللُّبْسُ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّمْلِيكُ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قَمِيصًا لِفُلَانٍ فَلَبِسَ قَمِيصًا لِعَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَحْنَثُ ، وَهَذَا خِلَافُ مَا مَضَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ قَالَ : وَلَكِنْ عِنْدِي أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَنَوَاهُ ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ كَسْبَهُ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ إنَّهُ لَا يَحْنَثُ ، وَإِنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَكْسُو فُلَانًا فَكَسَا عَبْدَهُ لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ مَا مَلَكَ الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ عَبْدُهُ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْمَوْلَى عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ مِنْ عَبْدِهِ حُكْمًا ، وَذَلِكَ لَيْسَ شَرْطَ حِنْثِهِ ثُمَّ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَوْ وَهَبَ لِعَبْدِ أَخِيهِ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهِ ، وَلَمْ يُجْعَلْ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَسَا عَبْدَ فُلَانٍ لَا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْحِنْثِ كَأَنَّهُ كَسَا فُلَانًا 232 وَهُمَا يَقُولَانِ فِي حُكْمِ الرُّجُوعِ هِبَتُهُ لِعَبْدِ أَخِيهِ كَهِبَتِهِ لِأَخِيهِ لِاعْتِبَارِ أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي الرُّجُوعِ تَكُونُ مَعَ الْمَوْلَى ، وَهُوَ قَرِيبٌ لَهُ فَرُجُوعُهُ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَهُنَا شَرْطُ حِنْثِهِ نَفْسُ الْكِسْوَةِ لَا مَعْنًى يَنْبَنِي عَلَيْهِ ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى .
( أَلَا تَرَى ) أَنَّ الْقَبُولَ وَالرَّدَّ فِيهِ يُعْتَبَرُ مَعَ الْعَبْدِ دُونَ الْمَوْلَى ؟ وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ مِنْ فُلَانٍ شَيْئًا فَبَاعَ مِنْ عَبْدِهِ لَمْ يَحْنَثْ ، وَهَذَا فِي الْبَيْعِ أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ مِنْ وَكِيلِ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ فَكَيْفَ يَحْنَثُ إذَا بَاعَ مِنْ عَبْدِ فُلَانٍ وَالْعَبْدُ فِي الشِّرَاءِ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ لَا لِمَوْلَاهُ ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ فُلَانٍ بِثَمَنٍ فَبَاعَهُ بِجَارِيَةٍ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِلنَّقْدِ الَّذِي يَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ بِثَمَنٍ لَا يَتَنَاوَلُ بَيْعَ الْمُقَابَضَةِ ، فَإِنَّ فِي بَيْعِ الْمُقَابَضَةِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِعًا مِنْ وَجْهٍ مُشْتَرِيًا مِنْ وَجْهٍ وَالْبَيْعُ بِثَمَنٍ مَا يَكُونُ بَيْعًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ .
فتح القدير
اقرأ →
58 كِتَابُ الْأَيْمَانِ 59 قَالَ : ( الْأَيْمَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ) الْيَمِينُ الْغَمُوسُ 60 وَيَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ ، وَيَمِينُ لَغْوٍ . ( فَالْغَمُوسُ هُوَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ يَتَعَمَّدُ الْكَذِبَ فِيهِ ، فَهَذِهِ الْيَمِينُ يَأْثَمُ فِيهَا صَاحِبُهَا ) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ } ( وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا إلَّا التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ : فِيهَا الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِرَفْعِ ذَنْبٍ هَتَكَ حُرْمَةَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ كَاذِبًا فَأَشْبَهَ الْمَعْقُودَةَ . وَلَنَا أَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ ، 61 وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ فَلَا تُنَاطُ بِهَا ، بِخِلَافِ الْمَعْقُودَةِ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا ذَنْبٌ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِ مُبْتَدَإٍ ، وَمَا فِي الْغَمُوسِ مُلَازِمٌ فَيَمْتَنِعُ الْإِلْحَاقُ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
كتاب الأيمان
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
( قَوْلُهُ : فَلَوْ حَلَّفَهُ بِالرَّحْمَنِ أَوْ الرَّحِيمِ لَا يَكُونُ يَمِينًا وَلَمْ أَرَهُ ) رَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ عَلَى مَا نَقَلَ عَنْهُ الْحَمَوِيُّ بِأَنَّهُ قُصُورٌ لِوُجُودِ النَّصِّ عَلَى خِلَافِهِ فَقَدْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ وَالرَّحْمَنِ أَوْ الرَّحِيمِ أَوْ الْقَادِرِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَمِينٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا غَلَّظَ بِذِكْرِ الصِّفَةِ يُحْتَرَزُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ لِئَلَّا تَتَكَرَّرُ الْيَمِينُ وَنَصُّوا هُنَا فِي تَحْلِيفِ الْأَخْرَسِ أَنْ يُقَالَ لَهُ عَهْدُ اللَّهِ عَلَيْك وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ بَلْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي الصَّحِيحِ وَصَحَّحَ فِي رَوْضَةِ الْقُضَاةِ بِأَنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَسَائِرَ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى تَكُونُ يَمِينًا . ا هـ .
كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ ( قَوْلُهُ : نُكُولُهُ ) وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ هُمْ يَسُوغُ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَهُ بِهِمَا إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ لَكِنْ إذَا نَكَلَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَا يَنْفُذُ . ا هـ .
وَفِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ مِثْلُهُ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِامْتِنَاعِهِ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ ، وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ ، وَفِي الدُّرِّ عَنْ مُصَنَّفِ التَّنْوِيرِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ نَقَلَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ مَا مُحَصَّلُهُ أَنَّ فَائِدَةَ التَّحْلِيفِ بِهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ اطْمِئْنَانُ خَاطِرِ الْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ فَرُبَّمَا كَانَ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا حَلَفَ لَهُ بِهِمَا صَدَّقَهُ . ا هـ .
قُلْت بَلْ فِي الْغَالِبِ يَمْتَنِعُ عَنْهُ إذَا كَانَ كَاذِبًا خَوْفًا مِنْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَعِتْقِ عَبْدِهِ فَلَهُ فَائِدَةٌ تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : إلَّا أَنَّهُ يُحْتَاطُ إلَخْ ) أَيْ يُحْتَاطُ عَنْ الْعَطْفِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ أَتَى بِهَا .
كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ ( قَوْلُهُ : نُكُولُهُ ) وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ خِلَافُهُ حَيْثُ قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ هُمْ يَسُوغُ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَهُ بِهِمَا إذَا أَلَحَّ الْخَصْمُ لَكِنْ إذَا نَكَلَ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ وَلَوْ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ لَا يَنْفُذُ . ا هـ .
وَفِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ مِثْلُهُ وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِامْتِنَاعِهِ عَمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ ، وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ ، وَفِي الدُّرِّ عَنْ مُصَنَّفِ التَّنْوِيرِ أَنَّهُ اعْتَمَدَ مَا فِي الْبَحْرِ لَكِنْ نَقَلَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ مَا مُحَصَّلُهُ أَنَّ فَائِدَةَ التَّحْلِيفِ بِهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ اطْمِئْنَانُ خَاطِرِ الْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ فَرُبَّمَا كَانَ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ فَإِذَا حَلَفَ لَهُ بِهِمَا صَدَّقَهُ . ا هـ .
قُلْت بَلْ فِي الْغَالِبِ يَمْتَنِعُ عَنْهُ إذَا كَانَ كَاذِبًا خَوْفًا مِنْ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَعِتْقِ عَبْدِهِ فَلَهُ فَائِدَةٌ تَأَمَّلْ . ( قَوْلُهُ : إلَّا أَنَّهُ يُحْتَاطُ إلَخْ ) أَيْ يُحْتَاطُ عَنْ الْعَطْفِ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعَطْفِ فَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَنَكَلَ عَنْ الْبَاقِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ ; لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ أَتَى بِهَا .
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
290 كِتَابُ الْأَيْمَانِ
الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌّ : غَمُوسٌ ، وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَوْ حَالٍ يَتَعَمَّدُ فِيهَا الْكَذِبَ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَلَغْوٌ : وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ ، فَنَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِهَا وَمُنْعَقِدَةٌ : وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِيَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ وَمَنْعِ الْمَعَاصِي ، وَنَوْعٌ يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ ، وَنَوْعٌ الْحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْبِرِّ كَهِجْرَانِ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِهِ ، وَنَوْعٌ هُمَا عَلَى السَّوَاءِ ، فَحِفْظُ الْيَمِينِ فِيهِ أَوْلَى ، وَإِذَا حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ : إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ، وَلَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَالْقَاصِدُ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ .
الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌّ : غَمُوسٌ ، وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَوْ حَالٍ يَتَعَمَّدُ فِيهَا الْكَذِبَ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَلَغْوٌ : وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ كَمَا قَالَ وَهُوَ بِخِلَافِهِ ، فَنَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ بِهَا وَمُنْعَقِدَةٌ : وَهِيَ الْحَلِفُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِيَفْعَلَهُ أَوْ يَتْرُكَهُ ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا مَا يَجِبُ فِيهِ الْبِرُّ كَفِعْلِ الْفَرَائِضِ وَمَنْعِ الْمَعَاصِي ، وَنَوْعٌ يَجِبُ فِيهِ الْحِنْثُ كَفِعْلِ الْمَعَاصِي وَتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ ، وَنَوْعٌ الْحِنْثُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْبِرِّ كَهِجْرَانِ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِهِ ، وَنَوْعٌ هُمَا عَلَى السَّوَاءِ ، فَحِفْظُ الْيَمِينِ فِيهِ أَوْلَى ، وَإِذَا حَنِثَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ : إِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ، وَلَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَالْقَاصِدُ وَالْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي فِي الْيَمِينِ سَوَاءٌ .
المالكية
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
اقرأ →
بَابُ الْأَيْمَانِ ( قَوْلُهُ : لَمْ يَجِبْ ) أَيْ لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ ( قَوْلُهُ : إذْ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا إلَخْ ) فِيهِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الضِّدِّ يُتَصَوَّرُ كَأَنْ يَعْزِمَ عَلَى عَدَمِ شُرْبِ الْبَحْرِ ، وَعَلَى عَدَمِ صُعُودِ السَّمَاءِ لَكِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ فَالْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ ، وَيَقُولُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ ( قَوْلُهُ : بِمَعْنَى إزْهَاقِ رُوحِهِ ) أَيْ ; لِأَنَّ قَتْلَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُمْتَنِعٌ عَقْلًا ; لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ - - 127 لِلْحَاصِلِ ، وَأَمَّا قَتْلُهُ بِمَعْنَى حَزِّ رَقَبَتِهِ فَهُوَ مُمْكِنٌ عَادَةً ( قَوْلُهُ : وَخَرَجَ الْوَاجِبُ ) أَيْ خَرَجَ مَا وُقُوعُهُ وَاجِبٌ عَقْلًا أَوْ عَادَةً فَلَا يَكُونُ تَحْقِيقُ وُقُوعِهِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ يَمِينًا ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُحَقَّقٌ فِي نَفْسِهِ وَالْمُرَادُ تَحْقِيقُ وُقُوعِ مَا لَمْ يَجِبْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَاصَّةً ، وَأَوْرَدَ تت عَلَى الْمُصَنِّفِ عَدَمَ شُمُولِهِ لِلَّغْوِ وَالْغَمُوسِ إذَا تَعَلَّقَا بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمِينٌ ، وَرَدَّهُ طفى بِأَنَّ تَعْرِيفَهُ الْمَذْكُورَ لِلْيَمِينِ الْمُوجِبَةِ لِلْكَفَّارَةِ لَا لِمُطْلَقِ الْيَمِينِ ، وَاللَّغْوُ وَالْغَمُوسُ إذَا تَعَلَّقَا بِغَيْرِ الْمُسْتَقْبَلِ كَالْمَاضِي لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا ( قَوْلُهُ : وَشَمَلَ كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى ) ; لِأَنَّ اسْمَ فِي كَلَامِهِ مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ ، وَأَرَادَ بِالِاسْمِ مَا دَلَّ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ ، سَوَاءٌ دَلَّ عَلَيْهَا وَحْدَهَا كَالْجَلَالَةِ أَوْ مَعَ صِفَةٍ كَالْخَالِقِ وَالْقَادِرِ وَالرَّازِقِ إلَخْ .
( قَوْلُهُ : غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ ) أَيْ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ امْتِنَاعُ النَّفْسِ مِنْ الْفِعْلِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ النَّذْرُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ دِينَارٌ صَدَقَةً فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْقُرْبَةُ بِخِلَافِ الْيَمِينِ نَحْوَ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ ( قَوْلُهُ : وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ ) هَذَا يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ نَحْوَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ فَعَلَتْ كَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَيُقَيَّدُ الْإِنْشَاءُ بِمَا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ بِأَنْ يُقَالَ وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ ، وَإِلَّا تَدَاخَلَ مَعَ مَا قَبْلَهُ ، وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءِ حَالَ كَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلَى أَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ ( قَوْلُهُ : كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ) أَيْ إذَا دَخَلَتْ وَجَبَ الطَّلَاقُ بِسَبَبِ إنْشَاءِ الْيَمِينِ ، وَلَيْسَ لِلطَّلَاقِ كَفَّارَةٌ ( قَوْلُهُ : لَا إنْ أُرِيدَ بِهِ حَقُّهُ ) أَيْ لَا إنْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِ الْحُقُوقَ الَّتِي لَهُ عَلَى عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِي عبق أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا مِثْلَ مَا إذَا أَرَادَ بِهِ الصِّفَةَ كَالْعَظَمَةِ أَوْ اسْتِحْقَاقِهِ الْأُلُوهِيَّةَ ، وَاَلَّذِي فِي عج أَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَا يَكُونُ يَمِينًا وَتَبِعَهُ شب .
وَاعْلَمْ أَنَّ أَيْمَنَ اللَّهِ قَسَمٌ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ ذَكَرَ مَعَهُ حَرْفَ الْقَسَمِ ، وَهُوَ الْوَاوُ أَوْ لَا بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لَا إذَا ذَكَرَ مَعَهُ حَرْفَ الْقَسَمِ ; لِأَنَّ أَيْمَنَ تُعُورِفَ فِي الْيَمِينِ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَفِي بْن الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ فِي جَوَازِ إثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا فَتَكُونُ مُقَدَّرَةً ( قَوْلُهُ : وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ ) هَاتَانِ الصِّفَتَانِ رَاجِعَتَانِ لِلْقُدْرَةِ ، وَقِيلَ إنَّهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْمَعْنَى الْقَدِيمُ الْقَائِمُ بِهِ تَعَالَى ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِمَا الْعَظَمَةَ وَالْجَلَالَ أَيْ الْمَهَابَةَ اللَّتَيْنِ جَعَلَهُمَا اللَّهُ فِي خَلْقِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا يَمِينٌ ( قَوْلُهُ : أَوْ هِيَ مَعَ الْأَوْرَاقِ ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْحَادِثِ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ قُرْآنًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْقَدِيمِ قُرْآنًا .
( قَوْلُهُ : غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ ) أَيْ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ امْتِنَاعُ النَّفْسِ مِنْ الْفِعْلِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الْقُرْبَةَ النَّذْرُ كَلِلَّهِ عَلَيَّ دِينَارٌ صَدَقَةً فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْقُرْبَةُ بِخِلَافِ الْيَمِينِ نَحْوَ إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ ( قَوْلُهُ : وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ ) هَذَا يَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ نَحْوَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ فَعَلَتْ كَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فَيُقَيَّدُ الْإِنْشَاءُ بِمَا لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ بِأَنْ يُقَالَ وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءٍ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْدُوبٍ ، وَإِلَّا تَدَاخَلَ مَعَ مَا قَبْلَهُ ، وَمَا يَجِبُ بِإِنْشَاءِ حَالَ كَوْنِهِ مُعَلَّقًا عَلَى أَمْرٍ مَقْصُودٍ عَدَمُهُ ( قَوْلُهُ : كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ) أَيْ إذَا دَخَلَتْ وَجَبَ الطَّلَاقُ بِسَبَبِ إنْشَاءِ الْيَمِينِ ، وَلَيْسَ لِلطَّلَاقِ كَفَّارَةٌ ( قَوْلُهُ : لَا إنْ أُرِيدَ بِهِ حَقُّهُ ) أَيْ لَا إنْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِ الْحُقُوقَ الَّتِي لَهُ عَلَى عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِي عبق أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا مِثْلَ مَا إذَا أَرَادَ بِهِ الصِّفَةَ كَالْعَظَمَةِ أَوْ اسْتِحْقَاقِهِ الْأُلُوهِيَّةَ ، وَاَلَّذِي فِي عج أَنَّهُ إذَا لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَا يَكُونُ يَمِينًا وَتَبِعَهُ شب .
وَاعْلَمْ أَنَّ أَيْمَنَ اللَّهِ قَسَمٌ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ ذَكَرَ مَعَهُ حَرْفَ الْقَسَمِ ، وَهُوَ الْوَاوُ أَوْ لَا بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لَا إذَا ذَكَرَ مَعَهُ حَرْفَ الْقَسَمِ ; لِأَنَّ أَيْمَنَ تُعُورِفَ فِي الْيَمِينِ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ ، قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَفِي بْن الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ فِي جَوَازِ إثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا فَتَكُونُ مُقَدَّرَةً ( قَوْلُهُ : وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ ) هَاتَانِ الصِّفَتَانِ رَاجِعَتَانِ لِلْقُدْرَةِ ، وَقِيلَ إنَّهُمَا مِنْ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ لِلصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِمَا الْمَعْنَى الْقَدِيمُ الْقَائِمُ بِهِ تَعَالَى ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِهِمَا الْعَظَمَةَ وَالْجَلَالَ أَيْ الْمَهَابَةَ اللَّتَيْنِ جَعَلَهُمَا اللَّهُ فِي خَلْقِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمَا يَمِينٌ ( قَوْلُهُ : أَوْ هِيَ مَعَ الْأَوْرَاقِ ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْحَادِثِ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ قُرْآنًا ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَةِ الْقَدِيمِ قُرْآنًا .
الذخيرة
اقرأ →
44 45 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
وَالنَّظَرِ فِي الْحَالِفِ ، وَالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَالْحَلِفِ ، وَحُكْمِهِ ، وَالنُّكُولِ ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَنْظَارٍ .
النَّظَرُ الْأَوَّلُ : الْحَالِفُ
وَفِي الْجَوَاهِرِ : هُوَ كُلُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ فَصَحَّتِ احْتِرَازًا مِنَ الْمَجْهُولَةِ أَوْ غَيْرِ الْمُحَرَّرَةِ ، وَمُشْتَبِهَةٌ احْتِرَازًا مِنَ الَّتِي يُكَذِّبُهَا الْعُرْفُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : مَا يُكَذِّبُهَا . وَمَا يَشْهَدُ أَنَّهَا غَيْرُ مُشْبِهَةٍ ، وَمَا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا مُشْبِهَةٌ كَدَعْوَى سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِيَدِ رَجُلٍ ، أَوْ دَعْوَى غَرِيبٍ وَدِيعَةً عِنْدَ جَارِهِ ، أَوْ مُسَافِرٍ أَنَّهُ أَوْدَعَ أَحَدَ رُفْقَتِهِ ، وَكَدَعْوَى عَلَى الصَّانِعِ الْمُنْتَصِبِ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَتَاعًا لِيَصْبُغَهُ ، وَعَلَى أَهْلِ السُّوقِ الْمُنْتَصِبِينَ لِلْبَيْعِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ ، أَوْ يُوصِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عِنْدَ رَجُلٍ فَيُنْكِرُ ، فَهَذِهِ الدَّعَاوِي مَسْمُوعَةٌ ، وَيُشْرَعُ فِيهَا التَّحْلِيفُ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ ، وَالَّتِي شَهِدَ الْعُرْفُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُشْبِهَةٍ كَدَعْوَى دَيْنٍ لَيْسَ مِمَّا تَقَدَّمَ ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ خُلْطَةٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهِيَ أَنْ يُسَالِفَهُ وَيُبَايِعَهُ مِرَارًا وَأَنْ يَتَقَابَضَا فِي ذَلِكَ الثَّمَنَ أَوِ السِّلْعَةَ ، وَتَفَاصَلَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا بُدَّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ : هِيَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ يُشْبِهُ أَنْ يُدَّعَى لِمِثْلِهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا يُحَلَّفُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْمُدَّعِي بِلَطْخٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُشْبِهُ : فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ، وَقَالَ ( ش ) وَ ( ح ) : يَحْلِفُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ .
46 لَنَا : مَا رَوَاهُ سَحْنُونٌ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ ) وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَعْدِي الْحَاكِمُ عَلَى الْخَصْمِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً . وَلَمْ يُرْوَ لَهُ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَلِعَمَلِ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَتَجَرَّأَ السُّفَهَاءُ عَلَى ذَوِي الْأَقْدَارِ بِتَبْذِيلِهِمْ عِنْدَ الْحُكَّامِ بِالتَّحْلِيفِ . وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ ، وَرُبَّمَا الْتَزَمُوا مَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ مِنَ الْجُمَلِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْمَالِ فِرَارًا مِنَ الْحَلِفِ ، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقَدْ تُصَادِفُهُ عَقِيبَ الْحَلِفِ مُصِيبَةٌ ، فَيُقَالُ : بِسَبَبِ الْحَلِفِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَسْمُ الْبَابِ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ مُرَجِّحٍ ، لِأَنَّ صِيَانَةَ الْأَعْرَاضِ وَاجِبَةٌ .
احْتَجُّوا : بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَمْ يُفَرَّقْ ، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ ) وَلَمْ يَذْكُرْ مُخَالَطَةً ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ قَدْ ثَبَتَتْ بِدُونِ الْخُلْطَةِ ، فَاشْتِرَاطُ الْخُلْطَةِ يُؤَدِّي لِضَيَاعِ الْحُقُوقِ ، وَتَخْتَلُّ حِكْمَةُ الْحُكَّامِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَمَنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، لَا بَيَانُ حَالِ مَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ ، وَالْقَاعِدَةُ : أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وَرَدَ لِمَعْنًى ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي غَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُعْرِضٌ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ ، وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قُلْنَا : فِي الرَّدِّ عَلَى ( ح ) فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ) إِنَّ مَقْصُودَ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ . لَا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ الْحَصْرِ وَبَيَانُ مَا تُخْتَمُ بِهِ مِنْهُمَا لَا بَيَانُ شَرْطِ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ شَرْطِ الْبَيِّنَةِ مِنَ الْعَدَالَةِ
47 وَغَيْرِهَا ، وَيَقُولُ : هُوَ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ الَّذِي رُوِّينَاهُ . وَعَنِ الثَّالِثِ : أَنَّهُ مُعَارَضٌ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ ثَمَّ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَدَّعِيَ أَدْنَى السُّفَهَاءِ السَّفَلَةِ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَوِ الْقُضَاةِ أَوْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ لِكَنْسِ كَنِيفِهِ ، أَوْ غَصَبُوهُ قَلَنْسُوَةً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ .
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
وَالنَّظَرِ فِي الْحَالِفِ ، وَالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَالْحَلِفِ ، وَحُكْمِهِ ، وَالنُّكُولِ ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَنْظَارٍ .
النَّظَرُ الْأَوَّلُ : الْحَالِفُ
وَفِي الْجَوَاهِرِ : هُوَ كُلُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ فَصَحَّتِ احْتِرَازًا مِنَ الْمَجْهُولَةِ أَوْ غَيْرِ الْمُحَرَّرَةِ ، وَمُشْتَبِهَةٌ احْتِرَازًا مِنَ الَّتِي يُكَذِّبُهَا الْعُرْفُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : مَا يُكَذِّبُهَا . وَمَا يَشْهَدُ أَنَّهَا غَيْرُ مُشْبِهَةٍ ، وَمَا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا مُشْبِهَةٌ كَدَعْوَى سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِيَدِ رَجُلٍ ، أَوْ دَعْوَى غَرِيبٍ وَدِيعَةً عِنْدَ جَارِهِ ، أَوْ مُسَافِرٍ أَنَّهُ أَوْدَعَ أَحَدَ رُفْقَتِهِ ، وَكَدَعْوَى عَلَى الصَّانِعِ الْمُنْتَصِبِ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَتَاعًا لِيَصْبُغَهُ ، وَعَلَى أَهْلِ السُّوقِ الْمُنْتَصِبِينَ لِلْبَيْعِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ ، أَوْ يُوصِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عِنْدَ رَجُلٍ فَيُنْكِرُ ، فَهَذِهِ الدَّعَاوِي مَسْمُوعَةٌ ، وَيُشْرَعُ فِيهَا التَّحْلِيفُ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ ، وَالَّتِي شَهِدَ الْعُرْفُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُشْبِهَةٍ كَدَعْوَى دَيْنٍ لَيْسَ مِمَّا تَقَدَّمَ ، فَلَا يُسْتَحْلَفُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ خُلْطَةٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهِيَ أَنْ يُسَالِفَهُ وَيُبَايِعَهُ مِرَارًا وَأَنْ يَتَقَابَضَا فِي ذَلِكَ الثَّمَنَ أَوِ السِّلْعَةَ ، وَتَفَاصَلَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا بُدَّ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ : هِيَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ يُشْبِهُ أَنْ يُدَّعَى لِمِثْلِهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَلَا يُحَلَّفُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْمُدَّعِي بِلَطْخٍ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ : أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُشْبِهُ : فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ، وَقَالَ ( ش ) وَ ( ح ) : يَحْلِفُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ .
46 لَنَا : مَا رَوَاهُ سَحْنُونٌ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ ) وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَعْدِي الْحَاكِمُ عَلَى الْخَصْمِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً . وَلَمْ يُرْوَ لَهُ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا ، وَلِعَمَلِ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَتَجَرَّأَ السُّفَهَاءُ عَلَى ذَوِي الْأَقْدَارِ بِتَبْذِيلِهِمْ عِنْدَ الْحُكَّامِ بِالتَّحْلِيفِ . وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ ، وَرُبَّمَا الْتَزَمُوا مَا لَمْ يَلْزَمْهُمْ مِنَ الْجُمَلِ الْعَظِيمَةِ مِنَ الْمَالِ فِرَارًا مِنَ الْحَلِفِ ، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَقَدْ تُصَادِفُهُ عَقِيبَ الْحَلِفِ مُصِيبَةٌ ، فَيُقَالُ : بِسَبَبِ الْحَلِفِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَسْمُ الْبَابِ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ مُرَجِّحٍ ، لِأَنَّ صِيَانَةَ الْأَعْرَاضِ وَاجِبَةٌ .
احْتَجُّوا : بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَلَمْ يُفَرَّقْ ، وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ ) وَلَمْ يَذْكُرْ مُخَالَطَةً ، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ قَدْ ثَبَتَتْ بِدُونِ الْخُلْطَةِ ، فَاشْتِرَاطُ الْخُلْطَةِ يُؤَدِّي لِضَيَاعِ الْحُقُوقِ ، وَتَخْتَلُّ حِكْمَةُ الْحُكَّامِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَمَنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ، لَا بَيَانُ حَالِ مَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ ، وَالْقَاعِدَةُ : أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا وَرَدَ لِمَعْنًى ، لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي غَيْرِهِ ، فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُعْرِضٌ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ ، وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قُلْنَا : فِي الرَّدِّ عَلَى ( ح ) فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ) إِنَّ مَقْصُودَ هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ . لَا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ الْحَصْرِ وَبَيَانُ مَا تُخْتَمُ بِهِ مِنْهُمَا لَا بَيَانُ شَرْطِ ذَلِكَ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ شَرْطِ الْبَيِّنَةِ مِنَ الْعَدَالَةِ
47 وَغَيْرِهَا ، وَيَقُولُ : هُوَ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ الَّذِي رُوِّينَاهُ . وَعَنِ الثَّالِثِ : أَنَّهُ مُعَارَضٌ لِأَنَّ مَا ذُكِرَ ثَمَّ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَدَّعِيَ أَدْنَى السُّفَهَاءِ السَّفَلَةِ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَوِ الْقُضَاةِ أَوْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمْ لِكَنْسِ كَنِيفِهِ ، أَوْ غَصَبُوهُ قَلَنْسُوَةً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ .
الذخيرة
اقرأ →
كتاب الأيمان
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
2 ( كِتَابُ الْأَيْمَانِ )
بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ أَيْمَانَهُمْ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عِنْدَ الْحَلِفِ ، وَأَصْلُ الْيَمِينِ الْقُوَّةُ فَلِتَقْوِيَةِ الْحَلِفِ الْحَثَّ عَلَى الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ سُمِّيَ يَمِينًا ، وَيُرَادِفُهُ الْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ . وَهِيَ شَرْعًا بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ 3 بِمَا يَأْتِي وَتَسْمِيَةُ الْحَلِفِ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ يَمِينًا شَرْعِيَّةً الَّتِي اقْتَضَاهَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ غَيْرُ بَعِيدٍ ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ وَيُؤَيِّدُ تَصْرِيحَهُمْ بِمُرَادَفَةِ الْإِيلَاءِ لِلْيَمِينِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ ، نَعَمْ مَرَّ قَوْلُهُمْ الطَّلَاقُ لَا يُحْلَفُ بِهِ أَيْ : لَا يُطْلَبُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ التَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ ؛ فَلِذَا سُمِّيَ يَمِينًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ النَّظَرِ لِوُجُودِ التَّكْفِيرِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْيَمِينِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا لِمَنْعِ إلْحَاقِ مَا لَا تَكْفِيرَ فِيهِ بِهَا فِي التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ
فَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ الْآتِي ، وَبِالْمُحْتَمَلِ نَحْوُ : لَأَمُوتَنَّ أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ بِذَاتِهِ فَلَا إخْلَالَ فِيهِ بِتَعْظِيمِ اسْمِهِ تَعَالَى ، بِخِلَافِ لَأَمُتّ وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَلَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ يَجِبُ تَكْفِيرُهَا حَالًا مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِوَقْتٍ كَغَدٍ ، فَيُكَفِّرْ غَدًا وَذَلِكَ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الِاسْمِ ، وَلَا تَزِدْ هَذِهِ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى إذْ الْمُحْتَمَلُ لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ عُذْرٍ بِاحْتِمَالِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَلِفِ هَاتِكٌ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ فِيهِ
وَأُبْدِلَ مُحْتَمَلٌ بِغَيْرِ ثَابِتٍ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُمْكِنُ وَالْمُمْتَنِعُ وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِيهَا ، وَشَرْطُ الْحَالِفِ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ، بَلْ وَمِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ أَوْ سَكْرَانٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ فَخَرَجَ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ وَلَاغٍ .
( لَا تَنْعَقِدُ ) الْيَمِينُ ( إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ) 4 أَيْ : اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِفَةٍ مَعَهَا وَهِيَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْحَقِيقَةُ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ بِالْأَوَّلِ بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ خُبَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ ( أَوْ صِفَةٍ لَهُ ) وَسَتَأْتِي فَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ ( كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ : مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقِ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ ، ( وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَيْ : قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ ( وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ ) اللَّهُ ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) غَيْرَ مَا ذُكِرَ وَلَوْ مُشْتَقًّا وَمِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَالْإِلَهِ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ : كَنَبِيٍّ وَمَلِكٍ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، وَلِلْأَمْرِ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ خَبَرَ { : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ } ، وَفِي رِوَايَةٍ : { فَقَدْ أَشْرَكَ } وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ تَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ أَثِمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَيْ : تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الصَّرِيحِ فِيهِ ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ .
وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا فِي الْإِثْمِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ فِي غَالِبِ الْأَعْصَارِ لِقَصْدِ غَالِبِهِمْ بِهِ إعْظَامَ الْمَخْلُوقِ وَمُضَاهَاتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : يُكْرَهُ بِمَالِهِ حُرْمَةً شَرْعًا كَالنَّبِيِّ وَيَحْرُمُ بِمَا لَا حُرْمَةَ لَهُ كَالطَّلَاقِ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ التَّحْلِيفَ بِالطَّلَاقِ دُونَ الْقَاضِي ، بَلْ يَعْزِلُهُ الْإِمَامُ إنْ فَعَلَهُ ، وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ { مَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مُؤْمِنٌ وَلَا اسْتَحْلَفَ بِهِ إلَّا مُنَافِقٌ } ، وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ الَّذِي سَلَكَهُ شَارِحٌ لَا يُنَافِيهِ إدْخَالُهُ لَهَا فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَقْصُورِ وَالْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَصْوِيبُ مَنْ حَصَرَ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ فَقَطْ لِلْمَتْنِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ ، وَإِفْسَادُ مَا فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا وَمَرَّ أَوَّلَ الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ مَا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْته . 5 وَأُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا وَكَذَا بَاطِنًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةُ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ . وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ يَكُونُ مُنْعَقِدًا فَتَأَمَّلْهُ ، عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ قَالُوا بِانْعِقَادِهَا
بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَضَعُونَ أَيْمَانَهُمْ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ عِنْدَ الْحَلِفِ ، وَأَصْلُ الْيَمِينِ الْقُوَّةُ فَلِتَقْوِيَةِ الْحَلِفِ الْحَثَّ عَلَى الْوُجُودِ أَوْ الْعَدَمِ سُمِّيَ يَمِينًا ، وَيُرَادِفُهُ الْإِيلَاءُ وَالْقَسَمُ . وَهِيَ شَرْعًا بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ 3 بِمَا يَأْتِي وَتَسْمِيَةُ الْحَلِفِ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ يَمِينًا شَرْعِيَّةً الَّتِي اقْتَضَاهَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ غَيْرُ بَعِيدٍ ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ وَيُؤَيِّدُ تَصْرِيحَهُمْ بِمُرَادَفَةِ الْإِيلَاءِ لِلْيَمِينِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْإِيلَاءَ لَا يَخْتَصُّ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ ، نَعَمْ مَرَّ قَوْلُهُمْ الطَّلَاقُ لَا يُحْلَفُ بِهِ أَيْ : لَا يُطْلَبُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ التَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ ؛ فَلِذَا سُمِّيَ يَمِينًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ النَّظَرِ لِوُجُودِ التَّكْفِيرِ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْيَمِينِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا لِمَنْعِ إلْحَاقِ مَا لَا تَكْفِيرَ فِيهِ بِهَا فِي التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ
فَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ الْآتِي ، وَبِالْمُحْتَمَلِ نَحْوُ : لَأَمُوتَنَّ أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ بِذَاتِهِ فَلَا إخْلَالَ فِيهِ بِتَعْظِيمِ اسْمِهِ تَعَالَى ، بِخِلَافِ لَأَمُتّ وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَلَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ يَجِبُ تَكْفِيرُهَا حَالًا مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِوَقْتٍ كَغَدٍ ، فَيُكَفِّرْ غَدًا وَذَلِكَ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الِاسْمِ ، وَلَا تَزِدْ هَذِهِ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى إذْ الْمُحْتَمَلُ لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ عُذْرٍ بِاحْتِمَالِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ عِنْدَ الْحَلِفِ هَاتِكٌ لِحُرْمَةِ الِاسْمِ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ فِيهِ
وَأُبْدِلَ مُحْتَمَلٌ بِغَيْرِ ثَابِتٍ لِيَدْخُلَ فِيهِ الْمُمْكِنُ وَالْمُمْتَنِعُ وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِهَا وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِيهَا ، وَشَرْطُ الْحَالِفِ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ، بَلْ وَمِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ أَوْ سَكْرَانٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ فَخَرَجَ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ وَلَاغٍ .
( لَا تَنْعَقِدُ ) الْيَمِينُ ( إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ) 4 أَيْ : اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِفَةٍ مَعَهَا وَهِيَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْحَقِيقَةُ وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِمَعْنَى صَاحِبَةٍ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ الزَّجَّاجِ وَغَيْرِهِ بِالْأَوَّلِ بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ خُبَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ ( أَوْ صِفَةٍ لَهُ ) وَسَتَأْتِي فَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ ( كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ : مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقِ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ ، ( وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَيْ : قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ ( وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ ) اللَّهُ ( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) غَيْرَ مَا ذُكِرَ وَلَوْ مُشْتَقًّا وَمِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَالْإِلَهِ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ : كَنَبِيٍّ وَمَلِكٍ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، وَلِلْأَمْرِ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ خَبَرَ { : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ } ، وَفِي رِوَايَةٍ : { فَقَدْ أَشْرَكَ } وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ تَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ أَثِمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَيْ : تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ الصَّرِيحِ فِيهِ ، كَذَا قَالَهُ شَارِحٌ .
وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ الْكَرَاهَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ ظَاهِرًا فِي الْإِثْمِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ فِي غَالِبِ الْأَعْصَارِ لِقَصْدِ غَالِبِهِمْ بِهِ إعْظَامَ الْمَخْلُوقِ وَمُضَاهَاتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : يُكْرَهُ بِمَالِهِ حُرْمَةً شَرْعًا كَالنَّبِيِّ وَيَحْرُمُ بِمَا لَا حُرْمَةَ لَهُ كَالطَّلَاقِ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ التَّحْلِيفَ بِالطَّلَاقِ دُونَ الْقَاضِي ، بَلْ يَعْزِلُهُ الْإِمَامُ إنْ فَعَلَهُ ، وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ { مَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مُؤْمِنٌ وَلَا اسْتَحْلَفَ بِهِ إلَّا مُنَافِقٌ } ، وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ الَّذِي سَلَكَهُ شَارِحٌ لَا يُنَافِيهِ إدْخَالُهُ لَهَا فِي الرَّوْضَةِ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْمَقْصُورِ وَالْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ تَصْوِيبُ مَنْ حَصَرَ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ فَقَطْ لِلْمَتْنِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ ، وَإِفْسَادُ مَا فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا وَمَرَّ أَوَّلَ الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ مَا يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْته . 5 وَأُورِدَ عَلَى الْمَتْنِ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا وَكَذَا بَاطِنًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةُ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ . وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ يَكُونُ مُنْعَقِدًا فَتَأَمَّلْهُ ، عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ قَالُوا بِانْعِقَادِهَا
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ وَهُوَ الْحَلِفُ وَالْقَسَمُ وَالْإِيلَاءُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ ، وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْيَدُ الْيُمْنَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَفُوا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ صَاحِبِهِ .
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ بِمَا يَأْتِي ، وَتَسْمِيَةُ الْحَلِفِ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ يَمِينًا شَرْعِيَّةً غَيْرُ بَعِيدٍ ، فَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ ، وَبِالْمُحْتَمَلِ نَحْوُ لَأَمُوتَنَّ أَوْ 174 لَا أَصْعَدُ السَّمَاءَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ بِذَاتِهِ فَلَا إخْلَالَ فِيهِ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، بِخِلَافِ لَا أَمُوتُ وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَلَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ يَجِبُ تَكْفِيرُهَا حَالًا مَا لَمْ يُقَيِّدْ الْأَخِيرَةَ بِوَقْتٍ كَغَدٍ فَيُكَفِّرُ غَدًا وَذَلِكَ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الِاسْمِ ، وَلَا تَرِدُ هَذِهِ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى إذْ الْمُحْتَمَلُ لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ عُذْرٍ بِاحْتِمَالِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ عِنْدَ حَلِفِهِ هَاتِكٌ حُرْمَةَ الِاسْمِ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ فِيهِ ، وَشَرْطُ الْحَالِفِ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ، بَلْ وَمِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ أَوْ سَكْرَانُ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ ، فَخَرَجَ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ وَسَاهٍ .
وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ قَوْله تَعَالَى { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } الْآيَةَ ، وَقَوْلِهِ { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } وَأَخْبَارٌ مِنْهَا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْلِفُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ } وَقَوْلُهُ { وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ( لَا تَنْعَقِدُ ) الْيَمِينُ ( إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ) أَيْ اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِفَةٍ مَعَهَا ( أَوْ صِفَةٍ لَهُ ) وَسَتَأْتِي ، فَالْأَوَّلُ ( كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ ، وَالْعَالَمُ بِفَتْحِ اللَّامِ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ ( وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَيْ قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ ( وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) كَالْإِلَهِ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مُنْعَقِدَةٌ بِمَنْ عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ ، وَإِطْلَاقُ هَذَا مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ كَوَحَقِّ النَّبِيِّ 175 وَالْكَعْبَةِ وَجِبْرِيلَ ، وَيُكْرَهُ لِخَبَرِ { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةً ، نَعَمْ لَوْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَهُ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ كَفَرَ ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْجَلَالَةَ الْكَرِيمَةَ اسْمٌ لِلذَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلِهَذَا تَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ فَتَقُولُ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ . فَإِذَا قُلْتَ اللَّهُ فَقَدْ ذَكَرْتَ جُمْلَةَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ إذْ هُوَ لُغَةٌ كَمَا مَرَّ فِي نَظَائِرِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْصَحُ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ ، وَدَعْوَى تَصْوِيبِ حَصْرِ دُخُولِهَا عَلَى الْمَقْصُورِ فَقَطْ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَأَمَّا كَلَامُ الرَّوْضَةِ فَمَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا مَرْدُودَةٌ .
وَأَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ ، فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا 176 بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ ، لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ ذَهَبُوا إلَى انْعِقَادِهَا ( وَلَا يُقْبَلُ ) بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا ( قَوْلُهُ : لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ ) يَعْنِي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي مَعْنَاهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، أَمَّا لَوْ قَالَ فِي نَحْوِ بِاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ أَرَدْتُ بِهَا غَيْرَ الْيَمِينِ كَبِاللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ الْمُسْتَعَانِ أَوْ وَثِقْت أَوْ اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ ، ثُمَّ ابْتَدَأْتُ بِقَوْلِي لَأَفْعَلَنَّ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَلِفِ بِاَللَّهِ دُونَ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ فَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ ( وَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ) غَالِبًا وَإِلَى غَيْرِهِ بِالتَّقْيِيدِ ( كَالرَّحِيمِ وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ ) وَالْمُصَوِّرِ وَالْجَبَّارِ وَالْمُتَكَبِّرِ وَالْحَقِّ وَالظَّاهِرِ وَالْقَادِرِ ( وَالرَّبِّ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ ) لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ تَعَالَى وَأَلْ فِيهَا لِلْكَمَالِ ( إلَّا أَنْ يُرِيدَ ) بِهَا ( غَيْرَهُ ) تَعَالَى بِأَنْ أَرَادَهُ أَوْ أَطْلَقَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ كَرَحِيمِ الْقَلْبِ وَخَالِقِ الْكَذِبِ .
وَمَا اسْتَشْكَلَ بِهِ مِنْ الرَّبِّ بِأَلْ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى فَيَنْبَغِي إلْحَاقُهُ بِالْأَوَّلِ ، رُدَّ بِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَاهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى فَصَحَّ قَصْدُهُ بِهِ ، وَأَلْ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى إلْغَاءِ ذَلِكَ الْقَصْدِ ( وَمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ) تَعَالَى ( سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ( وَالْحَيِّ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ وَالْغَنِيِّ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ ) بِأَنْ أَرَادَهُ تَعَالَى بِهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّهَا لَمَّا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءً أَشْبَهَتْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَالِاشْتِرَاكُ إنَّمَا يَمْنَعُ الْحُرْمَةَ وَالتَّعْظِيمَ عِنْدَ انْتِفَاءِ النِّيَّةِ ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَوَامّ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْبَارِئَ جَلَّ وَعَلَا مَعَ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، إذْ جَنَابُ الْإِنْسَانِ فِنَاءُ دَارِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ وَإِنْ نَوَى بِهِ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ ( وَ ) الثَّانِي وَيَخْتَصُّ مِنْ الصِّفَاتِ بِمَا لَا شَرِكَةَ فِيهِ وَهُوَ ( الصِّفَةُ ) الذَّاتِيَّةُ وَهِيَ ( كَوَعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ 177 وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ) وَإِرَادَتِهِ ( يَمِينٌ ) وَإِنْ أَطْلَقَ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَّصِفًا بِهَا فَأَشْبَهَتْ الْأَسْمَاءَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ ( إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ ) وَبِالْعَظَمَةِ وَمَا بَعْدَهَا ظُهُورَ آثَارِهَا فَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ وَمَعْلُومِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ ، وَكَأَنْ يُرِيدَ بِالْكَلَامِ الْحُرُوفَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ وَإِطْلَاقُ كَلَامِهِ عَلَيْهَا حَقِيقَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ ، وَيَنْعَقِدُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا لَمْ يُرِدْ الْأَلْفَاظَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ ، وَبِالْقُرْآنِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ نَحْوَ الْخُطْبَةِ ، وَبِالْمُصْحَفِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ وَرَقَهُ وَجِلْدَهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ عُرْفًا إلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَالْمُصْحَفِ وَحَقِّ الْمُصْحَفِ ، وَأُخِذَ مِنْ كَوْنِ الْعَظَمَةِ صِفَةً مَعَ قَوْلِ النَّاسِ سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ ، لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِلصِّفَةِ عِبَادَةٌ لَهَا وَلَا يُعْبَدُ إلَّا الذَّاتُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَظَمَةَ هِيَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ هَذَا فَصَحِيحٌ أَوْ مُجَرَّدُ الصِّفَةِ فَمُمْتَنِعٌ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ الْإِطْلَاقِ ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا مَنْعَ فِيهِ ، وَعُلِمَ مِمَّا فُسِّرَ بِهِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ جَمِيعُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ سَوَاءٌ اُشْتُقَّ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ كَالسَّمِيعِ أَوْ فِعْلِهِ كَالْخَالِقِ
بِالْفَتْحِ جَمْعُ يَمِينٍ وَهُوَ الْحَلِفُ وَالْقَسَمُ وَالْإِيلَاءُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ ، وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْيَدُ الْيُمْنَى لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا حَلَفُوا وَضَعَ أَحَدُهُمْ يَمِينَهُ فِي يَمِينِ صَاحِبِهِ .
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ بِالنَّظَرِ لِوُجُوبِ تَكْفِيرِهَا تَحْقِيقُ أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ بِمَا يَأْتِي ، وَتَسْمِيَةُ الْحَلِفِ بِنَحْوِ الطَّلَاقِ يَمِينًا شَرْعِيَّةً غَيْرُ بَعِيدٍ ، فَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ ، وَبِالْمُحْتَمَلِ نَحْوُ لَأَمُوتَنَّ أَوْ 174 لَا أَصْعَدُ السَّمَاءَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْحِنْثِ فِيهِ بِذَاتِهِ فَلَا إخْلَالَ فِيهِ بِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، بِخِلَافِ لَا أَمُوتُ وَلَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَلَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ يَجِبُ تَكْفِيرُهَا حَالًا مَا لَمْ يُقَيِّدْ الْأَخِيرَةَ بِوَقْتٍ كَغَدٍ فَيُكَفِّرُ غَدًا وَذَلِكَ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الِاسْمِ ، وَلَا تَرِدُ هَذِهِ عَلَى التَّعْرِيفِ لِفَهْمِهَا مِنْهُ بِالْأَوْلَى إذْ الْمُحْتَمَلُ لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ عُذْرٍ بِاحْتِمَالِ الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ ، بِخِلَافِ هَذَا فَإِنَّهُ عِنْدَ حَلِفِهِ هَاتِكٌ حُرْمَةَ الِاسْمِ لِعِلْمِهِ بِاسْتِحَالَةِ الْبِرِّ فِيهِ ، وَشَرْطُ الْحَالِفِ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ، بَلْ وَمِمَّا يَأْتِي مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ أَوْ سَكْرَانُ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ ، فَخَرَجَ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ وَسَاهٍ .
وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ قَوْله تَعَالَى { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } الْآيَةَ ، وَقَوْلِهِ { إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } وَأَخْبَارٌ مِنْهَا { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْلِفُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ } وَقَوْلُهُ { وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ( لَا تَنْعَقِدُ ) الْيَمِينُ ( إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ) أَيْ اسْمٍ دَالٍّ عَلَيْهَا وَإِنْ دَلَّ عَلَى صِفَةٍ مَعَهَا ( أَوْ صِفَةٍ لَهُ ) وَسَتَأْتِي ، فَالْأَوَّلُ ( كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ) أَيْ مَالِكِ الْمَخْلُوقَاتِ لِأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ ، وَالْعَالَمُ بِفَتْحِ اللَّامِ كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ ( وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ ) أَيْ قُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ شَاءَ وَمَنْ فَلَقَ الْحَبَّةَ ( وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ) كَالْإِلَهِ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مُنْعَقِدَةٌ بِمَنْ عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ ، وَإِطْلَاقُ هَذَا مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَنْعَقِدُ بِمَخْلُوقٍ كَوَحَقِّ النَّبِيِّ 175 وَالْكَعْبَةِ وَجِبْرِيلَ ، وَيُكْرَهُ لِخَبَرِ { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةً ، نَعَمْ لَوْ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَهُ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ كَفَرَ ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْجَلَالَةَ الْكَرِيمَةَ اسْمٌ لِلذَّاتِ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلِهَذَا تَجْرِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ فَتَقُولُ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ . فَإِذَا قُلْتَ اللَّهُ فَقَدْ ذَكَرْتَ جُمْلَةَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِدْخَالُهُ الْبَاءَ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ صَحِيحٌ إذْ هُوَ لُغَةٌ كَمَا مَرَّ فِي نَظَائِرِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْصَحُ دُخُولَهَا عَلَى الْمَقْصُورِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ هُنَا فِي الرَّوْضَةِ ، وَدَعْوَى تَصْوِيبِ حَصْرِ دُخُولِهَا عَلَى الْمَقْصُورِ فَقَطْ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ، وَأَمَّا كَلَامُ الرَّوْضَةِ فَمَعْنَاهُ يُسَمَّى اللَّهُ بِهِ وَلَا يُسَمَّى بِغَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا مَرْدُودَةٌ .
وَأَوْرَدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ وَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا عَامِدًا فَإِنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ وَلَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّ الْحِنْثَ اقْتَرَنَ بِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اشْتِبَاهٌ نَشَأَ مِنْ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمَحْصُورَ الْأَخِيرُ وَالْمَحْصُورَ فِيهِ الْأَوَّلُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُقَرَّرُ أَنَّ الْمَحْصُورَ فِيهِ هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ ، فَانْعِقَادُهَا هُوَ الْمَحْصُورُ وَاسْمُ الذَّاتِ أَوْ الصِّفَةِ هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا 176 بِاسْمِ ذَاتٍ أَوْ صِفَةٍ وَهَذَا حَصْرٌ صَحِيحٌ ، لَا أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ صِفَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا مُنْعَقِدًا عَلَى أَنَّ جَمْعًا مُتَقَدِّمِينَ ذَهَبُوا إلَى انْعِقَادِهَا ( وَلَا يُقْبَلُ ) بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا ( قَوْلُهُ : لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ ) يَعْنِي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي مَعْنَاهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، أَمَّا لَوْ قَالَ فِي نَحْوِ بِاَللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ أَرَدْتُ بِهَا غَيْرَ الْيَمِينِ كَبِاللَّهِ أَوْ وَاَللَّهِ الْمُسْتَعَانِ أَوْ وَثِقْت أَوْ اسْتَعَنْت بِاَللَّهِ ، ثُمَّ ابْتَدَأْتُ بِقَوْلِي لَأَفْعَلَنَّ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَلِفِ بِاَللَّهِ دُونَ عِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَإِيلَاءٍ فَلَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ ( وَمَا انْصَرَفَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ) غَالِبًا وَإِلَى غَيْرِهِ بِالتَّقْيِيدِ ( كَالرَّحِيمِ وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ ) وَالْمُصَوِّرِ وَالْجَبَّارِ وَالْمُتَكَبِّرِ وَالْحَقِّ وَالظَّاهِرِ وَالْقَادِرِ ( وَالرَّبِّ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ ) لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ تَعَالَى وَأَلْ فِيهَا لِلْكَمَالِ ( إلَّا أَنْ يُرِيدَ ) بِهَا ( غَيْرَهُ ) تَعَالَى بِأَنْ أَرَادَهُ أَوْ أَطْلَقَ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ كَرَحِيمِ الْقَلْبِ وَخَالِقِ الْكَذِبِ .
وَمَا اسْتَشْكَلَ بِهِ مِنْ الرَّبِّ بِأَلْ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى فَيَنْبَغِي إلْحَاقُهُ بِالْأَوَّلِ ، رُدَّ بِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَاهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى فَصَحَّ قَصْدُهُ بِهِ ، وَأَلْ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى إلْغَاءِ ذَلِكَ الْقَصْدِ ( وَمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ ) تَعَالَى ( سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ( وَالْحَيِّ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ وَالْعَلِيمِ وَالْحَكِيمِ وَالْغَنِيِّ لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ ) بِأَنْ أَرَادَهُ تَعَالَى بِهَا ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّهَا لَمَّا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءً أَشْبَهَتْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ وَالِاشْتِرَاكُ إنَّمَا يَمْنَعُ الْحُرْمَةَ وَالتَّعْظِيمَ عِنْدَ انْتِفَاءِ النِّيَّةِ ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَوَامّ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْبَارِئَ جَلَّ وَعَلَا مَعَ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، إذْ جَنَابُ الْإِنْسَانِ فِنَاءُ دَارِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ وَإِنْ نَوَى بِهِ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ ( وَ ) الثَّانِي وَيَخْتَصُّ مِنْ الصِّفَاتِ بِمَا لَا شَرِكَةَ فِيهِ وَهُوَ ( الصِّفَةُ ) الذَّاتِيَّةُ وَهِيَ ( كَوَعَظَمَةِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَكَلَامِهِ 177 وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ ) وَإِرَادَتِهِ ( يَمِينٌ ) وَإِنْ أَطْلَقَ لِأَنَّهَا صِفَاتٌ لَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَّصِفًا بِهَا فَأَشْبَهَتْ الْأَسْمَاءَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ ( إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ ) وَبِالْعَظَمَةِ وَمَا بَعْدَهَا ظُهُورَ آثَارِهَا فَلَا يَكُونُ يَمِينًا وَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ وَمَعْلُومِ اللَّهِ وَمَقْدُورِهِ ، وَكَأَنْ يُرِيدَ بِالْكَلَامِ الْحُرُوفَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ وَإِطْلَاقُ كَلَامِهِ عَلَيْهَا حَقِيقَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَا تَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ ، وَيَنْعَقِدُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا لَمْ يُرِدْ الْأَلْفَاظَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ ، وَبِالْقُرْآنِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ نَحْوَ الْخُطْبَةِ ، وَبِالْمُصْحَفِ مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ وَرَقَهُ وَجِلْدَهُ لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ عُرْفًا إلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ وَالْمُصْحَفِ وَحَقِّ الْمُصْحَفِ ، وَأُخِذَ مِنْ كَوْنِ الْعَظَمَةِ صِفَةً مَعَ قَوْلِ النَّاسِ سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ ، لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِلصِّفَةِ عِبَادَةٌ لَهَا وَلَا يُعْبَدُ إلَّا الذَّاتُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَظَمَةَ هِيَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ ، فَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ هَذَا فَصَحِيحٌ أَوْ مُجَرَّدُ الصِّفَةِ فَمُمْتَنِعٌ وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ الْإِطْلَاقِ ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا مَنْعَ فِيهِ ، وَعُلِمَ مِمَّا فُسِّرَ بِهِ الصِّفَةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْمِ جَمِيعُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ سَوَاءٌ اُشْتُقَّ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ كَالسَّمِيعِ أَوْ فِعْلِهِ كَالْخَالِقِ
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
252 كِتَابُ الْأَيْمَانِ
مُخْتَصَرُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَمَا دَخَلَ فِيهِمَا مِنَ الْجَامِعِ
مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَمِنَ الْإِمْلَاءِ ، وَمِنْ مَسَائِلَ شَتَّى سَمِعْتُهَا لَفْظًا
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْيَمِينُ فَهِيَ الْقَسَمُ ، سُمِّيَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ .
وَالْأَصْلُ فِي الْأَيْمَانِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ : 224 ] .
أَمَّا الْعُرْضَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا الْقُوَّةُ ، وَالشِّدَّةُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكْثُرَ ذِكْرُ الشَّيْءِ حَتَّى يَصِيرَ عُرْضَةً لَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ فَلَا تَجْعَلَنِّي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ﴿﴾ وَأَمَّا الْعُرْضَةُ فِي الْأَيْمَانِ ، فَفِيهَا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَحْلِفَ بِهَا فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ ، فَيَبْتَذِلَ اسْمَهُ ، وَيَجْعَلَهُ عُرْضَةً .
وَالثَّانِي : أَنْ يَجْعَلَ يَمِينَهُ عِلَّةً يَتَعَلَّلُ بِهَا فِي بِرِّهِ ، وَفِيهَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَحْلِفَ : لَا يَفْعَلُ الْخَيْرَ ، فَيَمْتَنِعَ مِنْهُ لِأَجْلِ يَمِينِهِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَحْلِفَ : لَيَفْعَلَنَّ الْخَيْرَ ، فَيَفْعَلَهُ لِبِرِّهِ فِي يَمِينِهِ لَا لِلرَّغْبَةٍ فِي ثَوَابِهِ .
وَفِي قَوْلِهِ : أَنْ تَبَرُّوا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَبَرُّوا فِي أَيْمَانِكُمْ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَبَرُّوا أَرْحَامَكُمْ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَتَتَّقُوا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَتَّقُوا الْمَعَاصِيَ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَتَّقُوا الْخُبْثَ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِأَيْمَانِكُمْ عَلِيمٌ بِافْتِقَارِكُمْ .
253 وَقَالَ تَعَالَى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ : 225 ] .
وَاللَّغْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ مَا كَانَ قَبِيحًا مَذْمُومًا ، وَخَطَأً مَذْمُومًا مَهْجُورًا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ الْقِصَصِ : 55 ] .
وَفِي لَغْوِ الْأَيْمَانِ سَبْعَةُ تَأْوِيلَاتٍ ، وَقَدْ أَفْرَدَ الشَّافِعِيُّ لِذَلِكَ بَابًا يُذْكَرُ فِيهِ ، وَفِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ .
وَالثَّانِي : لَا يُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْإِثْمِ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : مَا قَصَدْتُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ .
وَالثَّانِي : مَا اعْتَمَدْتُمْ مِنَ الْكَذِبِ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ ، لِعِبَادِهِ فِيمَا لَغَوْا مِنْ أَيْمَانِهِمْ حَلِيمٌ فِي تَرْكِ مُعَاجَلَتِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَعَاصِيهِمْ .
وَقَالَ تَعَالَى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [ الْمَائِدَةِ : 89 ] . وَعَقْدُهَا هُوَ لَفَظٌ بِاللِّسَانِ ، وَقَصْدٌ بِالْقَلْبِ ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ مِنْ أَيْمَانِهِ هُوَ لَغْوٌ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ .
وَفِي تَشْدِيدِ قَوْلِهِ : عَقَّدْتُمُ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : تَغْلِيظُ الْمَأْثَمِ بِتَكْرَارِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ تِكْرَارَهَا فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [ الْمَائِدَةِ : 89 ] . فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا كَفَّارَةُ مَا عَقَدُوهُ مِنَ الْأَيْمَانِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا كَفَّارَةُ الْحِنْثِ بَعْدَ عَقْدِ الْأَيْمَانِ ، وَلَعَلَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْيَمِينِ فِي عَقْدِهَا وَحَلِّهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا طَاعَةً ، وَحَلُّهَا مَعْصِيَةً .
كَقَوْلِهِ : وَاللَّهِ لَا قَتَلْتُ نَفْسًا خَيِّرَةً ، وَلَا شَرِبْتُ خَمْرًا .
فَإِذَا حَلَفَ بِقَتْلِ النَّفْسِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِ الْحِنْثِ دُونَ عَقْدِ الْيَمِينِ .
254 وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا مَعْصِيَةً ، وَحَلُّهَا طَاعَةً .
كَقَوْلِهِ : " وَاللَّهِ لَا صَلَّيْتُ وَلَا صُمْتُ " .
فَإِذَا حَنِثَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِ الْيَمِينِ فِي دُونِ الْحِنْثِ .
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا مُبَاحًا ، وَحَلُّهَا مُبَاحًا .
كَقَوْلِهِ : " وَاللَّهِ لَا لَبِسْتُ هَذَا الثَّوْبَ ، وَلَا دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ " .
فَالْكَفَّارَةُ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا ، وَهِيَ بِالْحِنْثِ أَحَقُّ ، لِاسْتِقْرَارِ وُجُوبِهَا بِهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهُمَا : احْفَظُوهَا أَنْ يَحْلِفُوا .
وَالثَّانِي : احْفَظُوهَا أَنْ تَحْنَثُوا .
وَالثَّالِثُ : احْفَظُوهَا لِتُكَفِّرُوا .
وَالسُّنَّةُ مَا رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ الْحَارِثِيُّ ، وَهُوَ إِيَاسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ بِيَمِينِهِ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ . قِيلَ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا . قَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْيَمِينُ حِنْثٌ أَوْ مَنْدَمَةٌ .
وَقَدْ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ قَالَ : لَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَعَقْدُ الْيَمِينِ مَوْضُوعَةٌ لِتَحْقِيقِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مَاضِيًا ، أَوْ لِالْتِزَامِهِ إِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا .
مُخْتَصَرُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَمَا دَخَلَ فِيهِمَا مِنَ الْجَامِعِ
مِنْ كِتَابِ الصِّيَامِ وَمِنَ الْإِمْلَاءِ ، وَمِنْ مَسَائِلَ شَتَّى سَمِعْتُهَا لَفْظًا
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْيَمِينُ فَهِيَ الْقَسَمُ ، سُمِّيَ يَمِينًا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ .
وَالْأَصْلُ فِي الْأَيْمَانِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ : 224 ] .
أَمَّا الْعُرْضَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا الْقُوَّةُ ، وَالشِّدَّةُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكْثُرَ ذِكْرُ الشَّيْءِ حَتَّى يَصِيرَ عُرْضَةً لَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ فَلَا تَجْعَلَنِّي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ﴿﴾ وَأَمَّا الْعُرْضَةُ فِي الْأَيْمَانِ ، فَفِيهَا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَحْلِفَ بِهَا فِي كُلِّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ ، فَيَبْتَذِلَ اسْمَهُ ، وَيَجْعَلَهُ عُرْضَةً .
وَالثَّانِي : أَنْ يَجْعَلَ يَمِينَهُ عِلَّةً يَتَعَلَّلُ بِهَا فِي بِرِّهِ ، وَفِيهَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَحْلِفَ : لَا يَفْعَلُ الْخَيْرَ ، فَيَمْتَنِعَ مِنْهُ لِأَجْلِ يَمِينِهِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَحْلِفَ : لَيَفْعَلَنَّ الْخَيْرَ ، فَيَفْعَلَهُ لِبِرِّهِ فِي يَمِينِهِ لَا لِلرَّغْبَةٍ فِي ثَوَابِهِ .
وَفِي قَوْلِهِ : أَنْ تَبَرُّوا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَبَرُّوا فِي أَيْمَانِكُمْ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَبَرُّوا أَرْحَامَكُمْ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَتَتَّقُوا تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَتَّقُوا الْمَعَاصِيَ .
وَالثَّانِي : أَنْ تَتَّقُوا الْخُبْثَ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِأَيْمَانِكُمْ عَلِيمٌ بِافْتِقَارِكُمْ .
253 وَقَالَ تَعَالَى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ : 225 ] .
وَاللَّغْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ مَا كَانَ قَبِيحًا مَذْمُومًا ، وَخَطَأً مَذْمُومًا مَهْجُورًا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ الْقِصَصِ : 55 ] .
وَفِي لَغْوِ الْأَيْمَانِ سَبْعَةُ تَأْوِيلَاتٍ ، وَقَدْ أَفْرَدَ الشَّافِعِيُّ لِذَلِكَ بَابًا يُذْكَرُ فِيهِ ، وَفِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ .
وَالثَّانِي : لَا يُؤَاخَذُ فِيهِ بِالْإِثْمِ .
وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : مَا قَصَدْتُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ .
وَالثَّانِي : مَا اعْتَمَدْتُمْ مِنَ الْكَذِبِ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ ، لِعِبَادِهِ فِيمَا لَغَوْا مِنْ أَيْمَانِهِمْ حَلِيمٌ فِي تَرْكِ مُعَاجَلَتِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَعَاصِيهِمْ .
وَقَالَ تَعَالَى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [ الْمَائِدَةِ : 89 ] . وَعَقْدُهَا هُوَ لَفَظٌ بِاللِّسَانِ ، وَقَصْدٌ بِالْقَلْبِ ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ مِنْ أَيْمَانِهِ هُوَ لَغْوٌ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ .
وَفِي تَشْدِيدِ قَوْلِهِ : عَقَّدْتُمُ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : تَغْلِيظُ الْمَأْثَمِ بِتَكْرَارِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ تِكْرَارَهَا فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ وَاحِدًا لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ [ الْمَائِدَةِ : 89 ] . فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا كَفَّارَةُ مَا عَقَدُوهُ مِنَ الْأَيْمَانِ ، قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا كَفَّارَةُ الْحِنْثِ بَعْدَ عَقْدِ الْأَيْمَانِ ، وَلَعَلَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْيَمِينِ فِي عَقْدِهَا وَحَلِّهَا ، فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا طَاعَةً ، وَحَلُّهَا مَعْصِيَةً .
كَقَوْلِهِ : وَاللَّهِ لَا قَتَلْتُ نَفْسًا خَيِّرَةً ، وَلَا شَرِبْتُ خَمْرًا .
فَإِذَا حَلَفَ بِقَتْلِ النَّفْسِ ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ ، فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِ الْحِنْثِ دُونَ عَقْدِ الْيَمِينِ .
254 وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا مَعْصِيَةً ، وَحَلُّهَا طَاعَةً .
كَقَوْلِهِ : " وَاللَّهِ لَا صَلَّيْتُ وَلَا صُمْتُ " .
فَإِذَا حَنِثَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ لِتَكْفِيرِ مَأْثَمِ الْيَمِينِ فِي دُونِ الْحِنْثِ .
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونَ عَقْدُهَا مُبَاحًا ، وَحَلُّهَا مُبَاحًا .
كَقَوْلِهِ : " وَاللَّهِ لَا لَبِسْتُ هَذَا الثَّوْبَ ، وَلَا دَخَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ " .
فَالْكَفَّارَةُ تَتَعَلَّقُ بِهِمَا ، وَهِيَ بِالْحِنْثِ أَحَقُّ ، لِاسْتِقْرَارِ وُجُوبِهَا بِهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهُمَا : احْفَظُوهَا أَنْ يَحْلِفُوا .
وَالثَّانِي : احْفَظُوهَا أَنْ تَحْنَثُوا .
وَالثَّالِثُ : احْفَظُوهَا لِتُكَفِّرُوا .
وَالسُّنَّةُ مَا رَوَاهُ أَبُو أُمَامَةَ الْحَارِثِيُّ ، وَهُوَ إِيَاسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ بِيَمِينِهِ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ . قِيلَ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا . قَالَ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْيَمِينُ حِنْثٌ أَوْ مَنْدَمَةٌ .
وَقَدْ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ قَالَ : لَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ، فَعَقْدُ الْيَمِينِ مَوْضُوعَةٌ لِتَحْقِيقِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مَاضِيًا ، أَوْ لِالْتِزَامِهِ إِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا .
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
كتاب الأيمان
الحنابلة
المغني
اقرأ →
385 كِتَابُ الْأَيْمَانِ الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا وَثُبُوتِ حُكْمِهَا ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ . أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ } . الْآيَةَ ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } . وَأَمَرَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَلِفِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، فَقَالَ : { وَيَسْتَنْبِئُونَك أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إي وَرَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } . وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ } . وَالثَّالِثُ : { قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ } . وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي وَاَللَّهِ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَكَانَ أَكْثَرُ قَسَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " . ثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِهَا . وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَوْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ . ( 7940 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ إلَى الْيَمِينِ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ } . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ؟ وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَنْعَقِدُ ; لِأَنَّهَا يَمِينُ مُكَلَّفٍ ، فَانْعَقَدَتْ ، كَيَمِينِ الْمُخْتَارِ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ } . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحّ كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ .
وَكَانَ أَكْثَرُ قَسَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ ، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " . ثَبَتَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى هَذَيْنِ كَثِيرٍ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ ، وَثُبُوتِ أَحْكَامِهَا . وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَوْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ . ( 7940 ) فَصْلٌ : وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ إلَى الْيَمِينِ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ } . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ، أَوْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ ؟ وَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ مُكْرَهٍ . وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَنْعَقِدُ ; لِأَنَّهَا يَمِينُ مُكَلَّفٍ ، فَانْعَقَدَتْ ، كَيَمِينِ الْمُخْتَارِ .
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ } . وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ حُمِلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَمْ يَصِحّ كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
كتاب الأيمان
الإنصاف
اقرأ →
كتاب الأيمان
الفروع
اقرأ →
337 كِتَابُ الْأَيْمَانِ الْيَمِينُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ بِشَرْطِ الْحِنْثِ ، بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ لَهُ ، كَوَجْهِ اللَّهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، وَعِزَّتِهِ ، وَإِرَادَتِهِ ، وَقُدْرَتِهِ ، وَعِلْمِهِ ، وَالْمَنْصُوصُ : وَلَوْ نَوَى مَقْدُورَهُ وَمَعْلُومَهُ ، وَكَذَا نِيَّةَ مُرَادِهِ أَوْ بِاسْمٍ لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ نَحْوَ وَاَللَّهِ وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ ، وَرَازِقٍ أَوْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَإِنْ قَالَ : وَالرَّحِيمِ وَالْقَادِرِ ، وَالْعَظِيمِ وَالْمَوْلَى وَنَحْوُهُ ، وَنَوَى بِهِ اللَّهَ ، أَوْ أَطْلَقَ فَيَمِينٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَكَذَا الرَّبُّ وَالْخَالِقُ وَالرَّازِقُ ، وَخَرَّجَهَا فِي التَّعْلِيقِ عَلَى رِوَايَتَيْ أَقْسَمَ ، وَقِيلَ : يَمِينٌ مُطْلَقًا ، كَالرَّحْمَنِ ، فِي الْأَصَحِّ ، وَمَا لَا يَنْصَرِفُ إطْلَاقُهُ إلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُهُ كَالْحَيِّ وَالْمَوْجُودِ وَالشَّيْءِ ، فَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ فَيَمِينٌ ، خِلَافًا لِلْقَاضِي ، وَإِلَّا فَلَا .
وَحَرْفُ الْقَسَمِ الْبَاءُ يَلِيَهَا مُظْهَرٌ وَمُضْمَرٌ ، وَالْوَاوُ يَلِيَهَا مُظْهَرٌ ، وَالتَّاءُ وَحْدَهَا تَخْتَصُّ اسْمَ اللَّهِ . [ وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ فِي تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ يَقْبَلُ بِنِيَّةِ أَنَّ قِيَامَهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ . إنْ نَوَى بِاَللَّهِ أَثِقُ ثُمَّ ابْتَدَأَ لَأَفْعَلَنَّ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ بَاطِنًا ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَطَلَاقٍ ] ، وَلَهُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِهِ فَيَقُولُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِجَرٍّ وَنَصْبٍ فَإِنْ نَصَبَهُ بِوَاوٍ أَوْ رَفَعَهُ مَعَهَا ، أَوْ دُونَهَا فَيَمِينٌ إلَّا أَنْ لَا يُرِيدَهَا عَرَبِيٌّ 338 وَقِيلَ : أَوْ عَامِّيٌّ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ مَعَ رَفْعِهِ . قَالَ الْقَاضِي فِي الْقَسَامَةِ : لَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ يَضُرَّ . لِأَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى .
وَقَالَ شَيْخُنَا : الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ ، كَقَوْلِهِ : حَلَفْت بِاَللَّهِ رَفْعًا وَنَصْبًا ، وَاَللَّهِ بِأَصُومَ أَوْ بِأُصَلِّي وَنَحْوِهِ ، وَكَقَوْلِ الْكَافِرِ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي ، وَأَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ ، وَأَعْتَقْت سَالِمَ وَنَحْوِ ، ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ رَامَ جَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَةِ قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ فَقَدْ رَامَ مَا لَا يُمْكِنُ عَقْلًا وَلَا يَصْلُحُ شَرْعًا .
وَهَاءُ اللَّهِ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ وَهِيَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ حَرْفُ قَسَمٍ ، وَيُجَابُ الْإِيجَابُ بِأَنْ خَفِيفَةٍ وَثَقِيلَةٍ وَبِلَامٍ وَبِنُونَيْ تَوْكِيدٍ وَبِقَدْ وَالنَّفْيِ بِمَا وَإِنْ بِمَعْنَاهَا وَبِلَا وَتُحْذَفُ لَا لَفْظًا نَحْوَ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ .
وَإِنْ قَالَ : وَالْعَهْدِ ، وَالْمِيثَاقِ ، وَالْجَلَالِ ، وَالْعَظَمَةِ ، وَالْأَمَانَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَنَوَى صِفَةَ اللَّهِ ، وَعَنْهُ : أَوْ أَطْلَقَ فَيَمِينٌ ، كَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ ، نَحْوَ : وَعَهْدِ اللَّهِ وَحَقِّهِ ، وَذَكَر ابْنُ عَقِيلٍ الرِّوَايَتَيْنِ فِي : عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ ، وَإِنْ قَالَ : وَاَيْمُ اللَّهِ ، أَوْ لَعَمْرُ اللَّهِ ، فَيَمِينٌ ، وَعَنْهُ : بِالنِّيَّةِ ، وَإِنْ قَالَ : حَلَفْت بِاَللَّهِ أَوْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ فَيَمِينٌ ، وَعَنْهُ بِالنِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ أَوْ نَوَى خَيْرًا ، وَعَنْهُ فِيهِمَا يُكَفِّرُ ، نَصْرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا لَفْظُ الْقَسَمِ وَالشَّهَادَةِ .
قَالَ جَمَاعَةٌ : وَالْعَزْمُ . وَفِي الْمُغْنِي عَزَمْت ، وَأَعْزِمُ لَيْسَ يَمِينًا وَلَوْ نَوَى ، لِأَنَّهُ لَا شَرَعَ وَلَا لُغَةَ 339 وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ نَوَى .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَسَمًا بِاَللَّهِ يَمِينٌ تَقْدِيرُهُ أَقْسَمْت قَسَمًا ، وَكَذَا أَلِيَّةُ بِاَللَّهِ .
وَحَرْفُ الْقَسَمِ الْبَاءُ يَلِيَهَا مُظْهَرٌ وَمُضْمَرٌ ، وَالْوَاوُ يَلِيَهَا مُظْهَرٌ ، وَالتَّاءُ وَحْدَهَا تَخْتَصُّ اسْمَ اللَّهِ . [ وَفِي الْمُغْنِي احْتِمَالٌ فِي تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ يَقْبَلُ بِنِيَّةِ أَنَّ قِيَامَهُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ . إنْ نَوَى بِاَللَّهِ أَثِقُ ثُمَّ ابْتَدَأَ لَأَفْعَلَنَّ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ بَاطِنًا ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَطَلَاقٍ ] ، وَلَهُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِهِ فَيَقُولُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِجَرٍّ وَنَصْبٍ فَإِنْ نَصَبَهُ بِوَاوٍ أَوْ رَفَعَهُ مَعَهَا ، أَوْ دُونَهَا فَيَمِينٌ إلَّا أَنْ لَا يُرِيدَهَا عَرَبِيٌّ 338 وَقِيلَ : أَوْ عَامِّيٌّ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ مَعَ رَفْعِهِ . قَالَ الْقَاضِي فِي الْقَسَامَةِ : لَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ يَضُرَّ . لِأَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى .
وَقَالَ شَيْخُنَا : الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ ، كَقَوْلِهِ : حَلَفْت بِاَللَّهِ رَفْعًا وَنَصْبًا ، وَاَللَّهِ بِأَصُومَ أَوْ بِأُصَلِّي وَنَحْوِهِ ، وَكَقَوْلِ الْكَافِرِ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدٌ رَسُولَ اللَّهِ بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي ، وَأَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ ، وَأَعْتَقْت سَالِمَ وَنَحْوِ ، ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ رَامَ جَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَةِ قَوْمٍ بِعَيْنِهِمْ فَقَدْ رَامَ مَا لَا يُمْكِنُ عَقْلًا وَلَا يَصْلُحُ شَرْعًا .
وَهَاءُ اللَّهِ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ وَهِيَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ حَرْفُ قَسَمٍ ، وَيُجَابُ الْإِيجَابُ بِأَنْ خَفِيفَةٍ وَثَقِيلَةٍ وَبِلَامٍ وَبِنُونَيْ تَوْكِيدٍ وَبِقَدْ وَالنَّفْيِ بِمَا وَإِنْ بِمَعْنَاهَا وَبِلَا وَتُحْذَفُ لَا لَفْظًا نَحْوَ وَاَللَّهِ أَفْعَلُ .
وَإِنْ قَالَ : وَالْعَهْدِ ، وَالْمِيثَاقِ ، وَالْجَلَالِ ، وَالْعَظَمَةِ ، وَالْأَمَانَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَنَوَى صِفَةَ اللَّهِ ، وَعَنْهُ : أَوْ أَطْلَقَ فَيَمِينٌ ، كَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ ، نَحْوَ : وَعَهْدِ اللَّهِ وَحَقِّهِ ، وَذَكَر ابْنُ عَقِيلٍ الرِّوَايَتَيْنِ فِي : عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ ، وَإِنْ قَالَ : وَاَيْمُ اللَّهِ ، أَوْ لَعَمْرُ اللَّهِ ، فَيَمِينٌ ، وَعَنْهُ : بِالنِّيَّةِ ، وَإِنْ قَالَ : حَلَفْت بِاَللَّهِ أَوْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ فَيَمِينٌ ، وَعَنْهُ بِالنِّيَّةِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ أَوْ نَوَى خَيْرًا ، وَعَنْهُ فِيهِمَا يُكَفِّرُ ، نَصْرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا لَفْظُ الْقَسَمِ وَالشَّهَادَةِ .
قَالَ جَمَاعَةٌ : وَالْعَزْمُ . وَفِي الْمُغْنِي عَزَمْت ، وَأَعْزِمُ لَيْسَ يَمِينًا وَلَوْ نَوَى ، لِأَنَّهُ لَا شَرَعَ وَلَا لُغَةَ 339 وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ نَوَى .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَقَسَمًا بِاَللَّهِ يَمِينٌ تَقْدِيرُهُ أَقْسَمْت قَسَمًا ، وَكَذَا أَلِيَّةُ بِاَللَّهِ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الأيمان
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الأيمان
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
281 كِتَابُ الْأَيْمَانِ 1127 - مَسْأَلَةٌ : لَا يَمِينَ إلَّا بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، إمَّا بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى ، أَوْ بِمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ ، مِثْلَ : مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، وَوَارِثِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا ، الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَمَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ ، - وَيَكُونُ ذَلِكَ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ - أَوْ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ قُدْرَتِهِ ، أَوْ عِزَّتِهِ ، أَوْ قُوَّتِهِ ، أَوْ جَلَالِهِ ، وَكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ النَّصُّ مِنْ مِثْلِ هَذَا ; فَهَذَا هُوَ الَّذِي إنْ حَلَفَ بِهِ الْمَرْءُ كَانَ حَالِفًا ، فَإِنْ حَنِثَ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ .
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا - فَلَيْسَ حَالِفًا ، وَلَا هِيَ يَمِينًا وَلَا كَفَّارَةٌ فِي ذَلِكَ إنْ حَنِثَ - وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ وَالِاسْتِغْفَارُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي " كِتَابِ النُّذُورِ " مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ } .
وقَوْله تَعَالَى { : قُلْ اُدْعُوَا اللَّهَ أَوْ اُدْعُوَا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } .
وَقَالَ تَعَالَى { : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } .
وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى ، لَا شَيْءَ سِوَاهُ ، وَلَا يُرْجَعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - أَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ نا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ } .
282 وَقَالَ تَعَالَى : { إنْ هِيَ إلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } .
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ .
وَصَحَّ أَنَّ أَسْمَاءَهُ لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ شَيْئًا ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مِائَةً إلَّا وَاحِدًا } فَنَفَى الزِّيَادَةَ ، وَأَبْطَلَهَا ، لَكِنْ يُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا يَفْعَلُ تَعَالَى .
وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ أَسْمَاءٌ مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا ، فَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ .
وَمِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ بَلَغَ إحْصَاؤُنَا مِنْهَا إلَى مَا نَذْكُرُ - : وَهِيَ - : اللَّهُ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، الْعَلِيمُ ، الْحَكِيمُ ، الْكَرِيمُ ، الْعَظِيمُ ، الْحَلِيمُ ، الْقَيُّومُ ، الْأَكْرَمُ ، السَّلَامُ ، التَّوَّابُ ، الرَّبُّ ، الْوَهَّابُ ، الْإِلَهُ ، الْقَرِيبُ ، السَّمِيعُ ، الْمُجِيبُ ، الْوَاسِعُ ، الْعَزِيزُ ، الشَّاكِرُ ، الْقَاهِرُ ، الْآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الْكَبِيرُ ، الْخَبِيرُ ، الْقَدِيرُ ، الْبَصِيرُ ، الْغَفُورُ ، الشَّكُورُ ، الْغَفَّارُ ، الْقَهَّارُ ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْمُصَوِّرُ ، الْبَرُّ ، مُقْتَدِرٌ ، الْبَارِي ، الْعَلِيُّ ، الْغَنِيُّ ، الْوَلِيُّ ، الْقَوِيُّ ، الْحَيُّ ، الْحَمِيدُ ، الْمَجِيدُ ، الْوَدُودُ ، الصَّمَدُ ، الْأَحَدُ ، الْوَاحِدُ ، الْأَوَّلُ ، الْأَعْلَى ، الْمُتَعَالِ ، الْخَالِقُ ، الْخَلَّاقُ ، الرَّزَّاقُ ، الْحَقُّ ، اللَّطِيفُ ، رَءُوف ، عَفُوٌّ ، الْفَتَّاحُ ، الْمَتِينُ ، الْمُبِينُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْبَاطِنُ ، الْقُدُّوسُ ، الْمَلِكُ ، مَلِيكٌ ، الْأَكْبَرُ ، الْأَعَزُّ ، السَّيِّدُ ، سُبُّوحٌ ، وِتْرٌ ، مِحْسَانٌ ، جَمِيلٌ ، رَفِيقٌ ، الْمُسَعِّرُ ، الْقَابِضُ ، الْبَاسِطُ ، الشَّافِي ، الْمُعْطِي ، الْمُقَدِّمُ ، الْمُؤَخِّرُ ، الدَّهْرُ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو نا أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثَ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ - وَفِيهِ { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى الْجَنَّةَ وَأَنَّهَا حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ قَالَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي 283 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، كَالسُّورَةِ مِنْ الْقُرْآنِ : إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ } .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } .
وَقَالَ تَعَالَى : { ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } .
وَقَالَ تَعَالَى { : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } .
فَهَذِهِ جَاءَ النَّصُّ بِهَا .
وَأَمَّا الْيَمِينُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ ، وَإِرَادَتِهِ ، وَكَرَمِهِ ، وَحِلْمِهِ ، وَحِكْمَتِهِ ، وَسَائِرِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَمِينًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهَا
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ لَا تَحَاشَ شَيْئًا - فَلَيْسَ حَالِفًا ، وَلَا هِيَ يَمِينًا وَلَا كَفَّارَةٌ فِي ذَلِكَ إنْ حَنِثَ - وَلَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَقَطْ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ وَالِاسْتِغْفَارُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي " كِتَابِ النُّذُورِ " مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ } .
وقَوْله تَعَالَى { : قُلْ اُدْعُوَا اللَّهَ أَوْ اُدْعُوَا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } .
وَقَالَ تَعَالَى { : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } .
وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى ، لَا شَيْءَ سِوَاهُ ، وَلَا يُرْجَعُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْيَمَانِ هُوَ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ - أَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ نا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، مِائَةً إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ } .
282 وَقَالَ تَعَالَى : { إنْ هِيَ إلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } .
فَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ تَعَالَى إلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ .
وَصَحَّ أَنَّ أَسْمَاءَهُ لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ شَيْئًا ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { مِائَةً إلَّا وَاحِدًا } فَنَفَى الزِّيَادَةَ ، وَأَبْطَلَهَا ، لَكِنْ يُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا يَفْعَلُ تَعَالَى .
وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ أَسْمَاءٌ مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا ، فَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ .
وَمِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ بَلَغَ إحْصَاؤُنَا مِنْهَا إلَى مَا نَذْكُرُ - : وَهِيَ - : اللَّهُ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، الْعَلِيمُ ، الْحَكِيمُ ، الْكَرِيمُ ، الْعَظِيمُ ، الْحَلِيمُ ، الْقَيُّومُ ، الْأَكْرَمُ ، السَّلَامُ ، التَّوَّابُ ، الرَّبُّ ، الْوَهَّابُ ، الْإِلَهُ ، الْقَرِيبُ ، السَّمِيعُ ، الْمُجِيبُ ، الْوَاسِعُ ، الْعَزِيزُ ، الشَّاكِرُ ، الْقَاهِرُ ، الْآخِرُ ، الظَّاهِرُ ، الْكَبِيرُ ، الْخَبِيرُ ، الْقَدِيرُ ، الْبَصِيرُ ، الْغَفُورُ ، الشَّكُورُ ، الْغَفَّارُ ، الْقَهَّارُ ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْمُصَوِّرُ ، الْبَرُّ ، مُقْتَدِرٌ ، الْبَارِي ، الْعَلِيُّ ، الْغَنِيُّ ، الْوَلِيُّ ، الْقَوِيُّ ، الْحَيُّ ، الْحَمِيدُ ، الْمَجِيدُ ، الْوَدُودُ ، الصَّمَدُ ، الْأَحَدُ ، الْوَاحِدُ ، الْأَوَّلُ ، الْأَعْلَى ، الْمُتَعَالِ ، الْخَالِقُ ، الْخَلَّاقُ ، الرَّزَّاقُ ، الْحَقُّ ، اللَّطِيفُ ، رَءُوف ، عَفُوٌّ ، الْفَتَّاحُ ، الْمَتِينُ ، الْمُبِينُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ ، الْبَاطِنُ ، الْقُدُّوسُ ، الْمَلِكُ ، مَلِيكٌ ، الْأَكْبَرُ ، الْأَعَزُّ ، السَّيِّدُ ، سُبُّوحٌ ، وِتْرٌ ، مِحْسَانٌ ، جَمِيلٌ ، رَفِيقٌ ، الْمُسَعِّرُ ، الْقَابِضُ ، الْبَاسِطُ ، الشَّافِي ، الْمُعْطِي ، الْمُقَدِّمُ ، الْمُؤَخِّرُ ، الدَّهْرُ .
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ - أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى نا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو نا أَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثَ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ - وَفِيهِ { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى الْجَنَّةَ وَأَنَّهَا حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ قَالَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ } .
وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُصْعَبٍ نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي 283 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، كَالسُّورَةِ مِنْ الْقُرْآنِ : إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ } .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } .
وَقَالَ تَعَالَى : { ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } .
وَقَالَ تَعَالَى { : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } .
وَقَالَ تَعَالَى { : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } .
فَهَذِهِ جَاءَ النَّصُّ بِهَا .
وَأَمَّا الْيَمِينُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ ، وَإِرَادَتِهِ ، وَكَرَمِهِ ، وَحِلْمِهِ ، وَحِكْمَتِهِ ، وَسَائِرِ مَا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَمِينًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا نَصٌّ ، فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهَا
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب الأيمان