← المكتبة ▭ 1 page
المقنع في رسم مصاحف الأمصار
أبو عمرو الداني التجويد والقراءات 444 هـ
A− A+
107 · ص118
ابن كثير في البقرة " أو ننسأها " بهمزة ساكنة بين السين والهاء وصورتها ألف وليست كذلك في مصاحف أهل مكة ولا في غيرها وكذلك قراءة ابن عامر وعاصم من رواية حفص بن سليمان في الزخرف " قال أولو جئتكم " بالألف ولا خبر عندنا إن ذلك كذلك مرسوم في مصاحف أهل الشام ولا غيرها وكذلك أيضا قراءة عاصم من الطريق المذكور في الانبياء " قال رب احكم بالحق " بالألف ولا رواية عندنا إن ذلك كذلك مرسوم في شيء من المصاحف في نظائر لذلك كثيرة ترد عن ايّمة القراءة بخلاف مرسوم مصحفهم وإنما بيّنت هذا الفصل ونّبهت عليه لآني رأيت بعض من أشار إلى جمع شيء من هجاء المصاحف من منتحلي القراءة من أهل عصرنا قد قصد هذا المعنى وجعله أصلا فأضاف بذلك ما قرأ به كل واحد من الايّمة من الزيادة والنقصان في الحروف المتقدمة وغيرها إلى مصاحف أهل بلده وذلك من الخطأ الذي يقود إليه إهمال الرواية وإفراط الغباوة وقلّة التحصيل إذ غير جائز القطع على كيفية ذلك إلا بخبر منقول عن الايّمة السالفين ورواية صحيحة عن العلماء المختصين بعلم ذلك المؤتمنين على نقله وإيراده لما بيّناه من الدلالة وبالله التوفيق. قال أبو عمرو فإن سأل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف قلت السبب في ذلك عندنا إن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لما جمع القرآن في المصاحف ونسخها على صورة واحدة وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها مما لا يصحّ ولا يثبت نظرا للأُمّة واحتياطا على أهل المللّة وثبت عنده إن هذه الحروف من عند الله عز وجل كذلك منزلة ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة وعلم إن جمعها في مصحف
108 · ص119
واحد على تلك الحال غير متمكّن إلا بإعادة الكلمة مرتّين وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير للمرسوم مالا خفاء به ففرقها في المصاحف لذلك فجاءت مثبتة في بعضها ومحذوفة في بعضها لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله عز وجل وعلى ما سُمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف أهل الأمصار. فإن قال قائل فما تقول في الخبر الذي رويتموه عن يحيى بن يعمر وعكرمة مولى ابن عباس عن عثمان رضي الله عنه إن المصاحف لما نّسخت عُرضت عليه فوجد فيها حروفا من اللحن فقال اتركوها فإن العرب ستقيمها أو ستعربها بلسانها إذ يدل على خطأ في الرسم قلت هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة ولا يصح به دليل من جهتين أحدهما انه مع تخليط في إسناده واضطراب في ألفاظه مرسل لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئا ولا رأياه وأيضا فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان رضي الله عنه لما فيه من الطعن عليه مع محلّه من الدين ومكانه من الإسلام وشدّة اجتهاده في بذل النصيحة واهتباله بما فيه الصلاح للأمة فغير متمكن إن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأتقياء الأبرار نظرا لهم ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنا وخطأ يتولى تغييره من يأتي بعده ممن لا شك انه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهده هذا مالا يجوز لقائل إن يقوله ولا يحل لأحد إن يعتقده. فإن قال فما وجه ذلك عندك لو صحّ عن عثمان رضي الله عنه قلت وجهه إن يكون عثمان رضي الله عنه أراد باللحن المذكور فيه التلاوة دون الرسم إذ كان كثير منه لو تُلي على رسمه لا نقلب بلك معنى التلاوة
→ prev 107–108 / 114 next ←