29 · ص34
المبحث السابع المراحل والأطوار التي مر بها
مر الأشعري بأطوار مختلفة نظراً لاختلاف البيئة التي نشأ فيها وتربى بينها، وقد أشرت إلى ذلك سابقاً، وتكاد المراجع كلها تتفق على أن الأشعري نشأ معتزلياً ثم انتقل إلى المذهب الكلامي، ثم هداه الله إلى الحق ورجع إلى مذهب أهل السنة والحديث.
وابن النديم (ت/٣٨٥هـ) وهو أول من ترجم للأشعري يقول: "كان أولاً معتزلياً ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة"١، وقول ابن النديم هذا سار عليه معظم المؤرخين القدامى والمحدثين، إلا أن الحذاق منهم، وأهل الفقه والعلم بعقيدة السلف ذكروا أنه تنقل في أطواره فكان أولاً معتزلياً، ثم سلك طريقاً وسطاً بين الاعتزال وأهل السنة، وأخيراً رجع إلى عقيدة السلف.
وعلى هذا فالأطوار التي مر بها الأشعري ثلاثة كما يلي:
١ - الطور الأول:
كان فيه معتزلياً يقول بقولهم ويأخذ بأصولهم حتى صار إماماً لهم.
٢ - الطور الثاني:
خرج فيه على المعتزلة ومال إلى أهل السنة والحديث ولماَّ يلحق بهم. وفي هذا الطور سلك طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب٢.
١ الفهرست ص٢٥٧.
٢ عبد الله بن سعيد، ويقال: عبد الله بن محمد أبو محمد بن كلاب القطان، أحد أئمة المتكلمين، ووفاته فيما يظهر بعد الأربعين ومائتين بقليل.
انظر: طبقات الشافعية ٢/٢٩٩.
وهو من المتكلمين الذين يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة وليسوا منهم، ولكنهم أقرب من غيرهم نسبياً وزاد عليه قوله: إن كلام الله تعالى لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل لحدوث هذه الأمور وقدم الكلام النفسي، وإنما يتصف بذلك فيما لا يزول. انظر: طبقات الشافعية ٢/٣٠٠.
ويقول ابن تيمية: "إن ابن كلاب أثبت الصفات اللازمة به سبحانه كالعلم والقدرة والحياة، ونفى عنه ما يتعلق منها بمشيئته وقدرته من الأفعال، وذلك كالإتيان والمجيء وغير ذلك، وقد كان الناس قبله صنفين فقط". انظر: موافقة صريح المعقول لصريح المنقول ٢/٤ – ٨.
والمراد بالصنفين في كلام ابن تيمية السلف المثبتون، والمعطلة النفاة.
30 · ص35
وأنا أرى أن خير كتاب يمثل هذا الطور عند الأشعري - فيما بين يدينا من كتب - هو كتاب (اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع) ، ذلك أن الأشعري يهاجم فيه المعتزلة هجوماً شديداً، ويدخل معهم في مناقشات جدلية تصل إلى حد التعقيد أحياناً، فهو بهذا يتخلص من مذهب الاعتزال ويرد عليه ويفنده، ومع هذا نجد أنه لا يذكر الإمام أحمد ولا يشيد بمذهبه كما فعل في الإبانة، كما أنه لم يتعرض لذكر كثير من الصفات التي يؤمن بها السلف كالوجه والاستواء، ويتكلم عن نظرية الكسب بإسهاب.
فلذا أمكن القول بأنه كان في هذا الطور وسطاً بين السلف كالإمام أحمد بن حنبل والمعتزلة، وقد أشار ابن تيمية إلى ذلك في قوله: "وأبو الحسن لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب ومال إلى أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها"١.
ويلاحظ أن ابن تيمية هنا ذكر طورين للأشعري دون أن يفصل بينهما ويوضح، وإن كان يفرق بين طريقة ابن كلاب ومذهب الإمام أحمد، ولكني لم أقف على تحديد للمدة التي بقاها الأشعري على طريقة ابن كلاب بعد البحث والتحري، ولكن الثابت عنه أنه انتقل إلى مذهبه، وقد أوضح ذلك وفصله تلميذه الحافظ ابن كثير - رحمه الله - فقال في الطبقة الثالثة من كتابه طبقات الفقهاء عند الشافعية "ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:
أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.
والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق، ونحو ذلك.
والحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جرياً على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخراً"٢.
ويقول المقريزي: "إن الأشعري خرج على الاعتزال وأخذ في الرد عليهم وسلك بعض طريق أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن كلاب القطان وبنى على قواعده"٣.
١ انظر: الموافقة ٢/١٠ , ١١.
٢ انظر: كتاب طبقات الفقهاء عند الشافعية ورقة ٢٦/ ب.
٣ انظر: الخطط للمقريزي ٣/٣٠٨.