← المكتبة ▭ 1 page
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
عبد القادر الأسطواني شروح الحديث 1314 هـ
A− A+
179 · ص142
وأخرج ابن أبي شيبة نحوه، وهذا مذهب الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف رضي الله عنهما، وذهب الزُّهري إلى أنَّه يجب غسل جميع الذكر إذا أمذى وإذا بال. وروي عن أحمد: أنَّه لا يجب الاستنجاء والوضوء، وروي عنه: أنَّه يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء وهي الأصح، وعند مالك خلاف، والأصح أنَّه يجب الوضوء منه، ويجب غسله؛ لنجاسته، ومذهب الشافعي كمذهبنا، وروي عن سلمان بن ربيعة الباهلي أنَّه تزوج امرأة من بني عقيل، فكان يأتيها فيلاعبها فيمذي، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك، فقال: (إذا وجدت الماء؛ فاغسل فرجك وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة)، فيحتمل كما قال صاحب «عمدة القاري» أنَّه أمر بغسل الأنثيين لرد المذي وكسره، أو لاحتمال إصابة شيء منه. واستدل ابن دقيق العيد بالحديث على تعيين الماء فيه دون الأحجار ونحوها أخذًا بالظاهر، ووافقه النووي على ذلك في «شرح مسلم»، وخالفه في باقي كتبه، وحمل الأمر بالغسل على الاستحباب. قلت: وهذا هو المعروف عندهم، وعند المالكية لا يجزئ فيه الحَجَر. ومن أحكام هذا الحديث: دلالته على نجاسة المذي وهو ظاهر، ونقل عن ابن عباس الحنبلي أنَّه خرَّج من قول بعضهم: (إنَّ المذي من أجزاء المني) رواية بطهارته، ورد عليه بأنَّه لو كان كذلك؛ لوجب الغسل منه؛ فليحفظ. واستدل بقوله: (توضأ) على أنَّ الغسل لا يجب بخروجه، وصرح بذلك في رواية أبي داود وغيره وهو بالإجماع. واستدل به أيضًا: على وجوب الوضوء على من به سلس المذي؛ للأمر بالوضوء مع الوضوء بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة، ورُدَّ بأنَّ الكثرة هنا ناشئة عن غلبة الشهوة مع صحة الجسم بخلاف صاحب السلس، فإنَّه ينشأ عن علة في الجسد. وقد يقال: لما أمر الشارع بالوضوء منه ولم يفصل؛ دل على عموم الحكم، ورُدَّ بأنَّه لا رخصة عند أحد من علماء المسلمين في المذي الخارج عن صحة، فكلهم يوجبون ١ الوضوء منه وهو سنة مجمع عليها، ولما صح الإجماع في وجوب الوضوء منه؛ لم يبق إلا أن تكون الرخصة في خروجه عن فساد وعلة، فإذا كان خروجه كذلك؛ فلا وضوء ما دام في الوقت؛ لأنَّ ما لا يرقأ ولا ينقطع لا وجه للوضوء منه في الوقت، فإذا خرج الوقت؛ انتقض وضوءه؛ لأنَّه صار صاحب عذر؛ فليحفظ. واستدل بالحديث: على قبول خبر الواحد، وعلى جواز الاعتماد على الخبر المظنون مع القدرة على المقطوع، كما قدمناه، ونظر فيه ابن حجر فزعم أنَّ السؤال كان بحضرة علي، ولو صح أنَّه كان في غيبته؛ لم يكن دليلًا على المدَّعي؛ لاحتمال وجود القرائن التي تحفُّ الخبر فترقيه عن الظن إلى القطع. وردَّه ابن دقيق العيد: بأنَّ المراد الاستدلال به على قبول خبر الواحد مع كونه واحدًا في صورة من الصور التي تدل وهي حجة بجملتها، لا بفرد معين فيها. قلت: ونظره فاسد، فإنَّ قوله: (إنَّ السؤال كان بحضرة عليٍّ) ممنوع؛ لما علمت من الأحاديث أنَّه كان بغيبته. وقوله: (ولو صح...) إلخ، نعم؛ قد صح أنَّه كان في غيبته. وقوله: (لم يكن دليلًا...) إلخ ممنوع؛ لأنَّه على كل حال لما اقتصر علي رضي الله عنه على قول المقداد مع تمكنه من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه بنفسه؛ دل على أنَّه قادر، فالقدرة مقطوع بها، وقول المقداد مظنون، وقد اعتمد عليه، ولا قرينة توجد حتى تحق الخبر.. إلخ، فإنَّها غير موجودة. غاية الأمر أنَّه قد اختلف في السائل، فالاختلاف فيه ليس بقرينة، كما لا يخفى، وقد يظهر أنَّ هذا هو الصواب؛ فافهم. (١٤) [باب من تطيب ثم اغتسل وبقى أثر الطيب] هذا (باب) حكم (مَن تطيَّب) قبل الاغتسال من الجنابة، (ثم اغتسل) منها (وبقي أثر الطيب) في جسده، وكانوا يتطيَّبون عند الجماع لأجل النشاط، فالسنة اتخاذ الطيب للرجال والنساء عند الجماع، والمناسبة بين البابين من حيث إنَّ في الباب السابق يحصل الطيب في الخاطر عند غسل المذي، وهنا يحصل الطيب في البدن والنشاط في الخاطر عند التطيُّب، كذا في «عمدة القاري». [حديث عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم طاف في نسائه] ٢٧٠ - وبه قال: (حدثنا أبو النُّعمان)؛ بضمِّ النون: هو محمَّد بن الفضل (قال: حدثنا أبو عَوانة) : هو الوضاح اليشكري، (عن إبراهيم بن محمَّد بن المُنْتَشر)؛ بضمِّ الميم، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، بعدها شين معجمة، (عن أبيه) : هو محمَّد بن أبي مسروق الكوفي (قال: سألت عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها عن التطيب قبل الإحرام، (وذكرتُ)؛ بالواو، وفي رواية: بالفاء (لها) حين السؤال (قول) عبد الله (ابن عمر) ابن الخطاب رضي الله عنهما: (ما أُحب أن أُصبح)؛ بضمِّ الهمزة في الفعلين (محرمًا أَنضخ)؛ بفتح الهمزة، وبالخاء المعجمة، وفي رواية بالمهملة؛ أي: أفور؛ لأنَّ النضخ هو الفوران، قال الله تعالى: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: ٦٦]، قال البيضاوي: (فوارتان)؛ فافهم. وقوله: (طِيبًا) منصوب على التمييز، وهذا إخبار عن نفسه، (فقالت عائشة) رضي الله تعالى عنها: (أنا طيبت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم طاف) أي: دار (في نسائه)، وهو كناية عن الجماع، ومن لوازمه الاغتسال؛ لأنَّه ضروري لا بدَّ منه، ففيه: مطابقة الحديث للترجمة الأولى، قيل في رواية: (على نسائه)، فتكون (في) بمعنى: (على)؛ فافهم. (ثم أصبح) على صيغة الماضي مفردًا؛ أي: ثم أصبح النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (محرِمًا) ينضخ طيبًا، ومن لوازمه؛ بقاء أثر الطيب عليه، ففيه: المطابقة للترجمة الثانية، فإنَّها ردت على ابن عمر، ولا بد من تقدير (ينضخ طيبًا) بعد لفظ (أصبح محرِمًا) حتى يتم الرد، وفي الحديث: أنَّ التطيب قبل الإحرام سنة، وفيه: جواز رد بعض الصحابة على بعض، وفيه: خدمة الأزواج، وتمامه سبق في باب: (إذا جامع، ثم عاد)، والله تعالى أعلم. [حديث: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرِم] ٢٧١ - وبه قال: (حدثنا آدم) : هو ابن أبي إياس- بكسر الهمزة- كما صرح به في رواية (قال: حدثنا شعبة) : هو ابن الحجاج (قال: حدثنا الحكم)؛ بفتحتين: هو ابن عُتيبة مصغر عُتْبَة، (عن إبراهيم) : هو النخعي، (عن الأسود) : هو خال إبراهيم النخعي، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها (قالت: كأني أنظر إلى وَبِيْص)؛ بفتح الواو، وكسر الموحدة، بعدها تحتية ساكنة، بعدها صاد مهملة؛ وهو البريق واللمعان، وهو مصدر وَبَصَ يَبِصُ وبيصًا، (الطِّيْب)؛ بكسر الطاء المهملة، وسكون التحتية، قال الإسماعيلي: (وبيص الطيب؛ تلألؤه، وذلك لعين قائمة لا للريح فقط) (في مَفرِق النبيِّ) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) (صلَّى الله عليه وسلَّم) بفتح الميم، وكسر الراء؛ وهو مكان مفرق الشعر من الجبين إلى دائرة وسط الرأس، وجاء فيه: فتح الراء، وفي «المصابيح» : بميم مفتوحة، وراء مكسورة، وبالعكس، انتهى؛ فتأمل. (وهو محرم)؛ أي: والحال أنَّه محرم، فالجملة محلها نصب على الحال، وفي الحديث المطابقة للترجمة الثانية، وهي قوله: (وبقي أثر الطيب)، واستنبط من الحديث: أنَّ بقاء أثر الطيب على بدن المحرم إذا كان قد تطيب به قبل الإحرام غير مؤثر في إحرامه، ولا يوجب عليه كفارة، قاله الخطابي، وهو مذهب الإمام الأعظم، والإمام أبي يوسف، وكرهه الإمام محمَّد بما يبقى عينه بعد إحرامه، ومنعه مالك قائلًا: إنَّ التطيب كان لمباشرة النساء، مؤولًا قولها: (بأنَّه ينضخ طيبًا) بأنَّه قبل غسله، وقولها: (كأنَّي أنظر إلى وبيصه، وهو محرم) بأنَّ المراد منه أثره لا جرمه. قال النووي: (وهذا غير مقبول منه لما قالت: «كنتُ أطيِّبُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحِلِّه ولحرمه»، وهو ظاهر في أنَّ الطيب للإحرام لا للنساء وكذا تأويله؛ لأنَّه مخالفة للظاهر لغير ضرورة) انتهى. وقال ابن بطال: (في الحديث: أنَّ السنة اتخاذ الطيب للرجال والنساء عند الجماع، وكان عليه السلام أمَلك لأربه من سائر أمته، فلذلك كان لا يجتنب الطيب في الإحرام ونهانا عنه؛ لضعفنا؛
١ في الأصل: (يوجبوا)، ولعل المثبت هو الصواب.
180 · ص143
إذ الطيب من أسباب الجماع ودواعيه، والجماع مفسد للحج فيمتنع فيه الطيب؛ لسد الذريعة) انتهى. قلت: وأفاد كلامه أنَّ التطيُّب قبل الإحرام وبقاء أثره بعده خصوصية للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو ممنوع؛ لأنَّ الأصل عدمها وهي لا بد لها من دليل، ولم يوجد ما يدل عليها، ولا يلزم من كون الطيب من أسباب الجماع أن يوجد الجماع ودواعيه، فكم من متبع للسنة متطيب في إحرامه، ولا ينظر إلى زوجته فقد يملك الشخص إربه، وما هذا إلا محاولة، وخروج عن الظاهر، أما رأيت قول عائشة في إنكارها على ابن عمر رضي الله عنهما، وردها عليه، والعجب من العجلوني كيف نقل كلامه، ولم يتعرَّض له مع تعصبه لما ذهب إليه إمامه؛ فافهم، والله تعالى أعلم. (١٥) [باب تخليل الشعر حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه] هذا (باب) حكم (تخلل الشَّعَر)؛ بفتح العين أفصح من سكونها؛ أي: في الاغتسال من الجنابة بالماء قبل إفاضته؛ ليكون أبعد عن الإسراف في الماء، وفي نسخ: (تخليل)، وكلاهما مصدر، فالأول من (التفعُّل)، والثاني من (التفعيل)، (حتى إذا ظَنَّ)؛ أي: تيقن أو غلب على ظن المغتسل (أنَّه أروى) فعل ماض من الإرواء، يقال: أروى إذا جعله ريانًا (بشرته)؛ أي: ظاهر جلده، والمراد به: ما تحت الشعر، وفي «المصابيح» : هو من الري خلاف العطش، استُعير لشدة بلِّ الشعر بالماء، وضمير (بشرته) عائد على (الشعر)، أو على المغتسل. قلت: والظاهر الثاني؛ فليحفظ. وقوله: (أفاض) جواب (إذا) من الإفاضة؛ وهي الإسالة (عليها)؛ أي: على بشرته، وفي بعض النسخ: (عليه)؛ أي: على الشعر، واقتصر ابن عساكر على (أفاض) ولم يزد (عليها) ولا (عليه)، ووجه المناسبة بين البابين: من حيث وجود التخليل فيهما، أمَّا في الأول؛ فلأنَّ المتطيب يخلل شعره بالطيب، وأمَّا في هذا؛ فإنَّ المغتسل يخلله بالماء، كذا في «عمدة القاري». [حديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه وتوضأ] ٢٧٢ - وبالسَّند إليه قال: (حدثنا عبدان) : هو عبد الله العتكي (قال: أخبرنا عبد الله) : هو ابن المبارك (قال: حدثنا) وفي رواية: (أخبرنا) (هشام بن عروة) : هو الزبير، (عن أبيه) : هو عروة بن الزبير بن العوام، (عن عائشة) : الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما (قالت: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) إفادة لفظة (كان) الاستمرار والدوام (إذا اغتسل)؛ أي: إذا أراد الاغتسال (من الجنابة)، وقوله: (غسل يديه)؛ بالتثنية، إلى الرسغين جواب (إذا) (وتوضأ وضوءه للصلاة)؛ أي: مثل وضوءها بجميع سننه وآدابه، وإفادة الواو الدالة على الجمع المطلق أنَّه غسل يديه، وتوضأ، يحتمل تقديم أحدهما على الآخر وتأخيره، لكن غسل اليدين إنَّما كان بعد الاستنجاء، ثم إنَّه توضأ وغسل يديه؛ لقولها: (وضوءه للصلاة)؛ فافهم. (ثم اغتسل)؛ أي: اشتغل وشرع في أفعال الاغتسال من الجنابة، (ثم يخلل)؛ بضمِّ التحتية (بيده)؛ أي: اليمنى (شَعَره)؛ بالتحريك؛ أي: كله أو شعر رأسه بأن يأخذ غرفة من الماء، ويخلل؛ ليكون أبعد عن الإسراف، وليصل الماء إلى أصول الشعر (حتى إذا ظن) يجوز أن يكون على بابه، فيكتفى بالغلبة، ويجوز أن يكون بمعنى: تيقن، واستظهر العجلوني الأول. قلت: لا أولوية لأحدهما؛ لأنَّ المعنى صحيح في كلٍّ منهما، وقد يقال: الثاني أظهر؛ لأنَّ مرتبة اليقين أقوى وأبعد عن الوهم من مرتبة الظن أو غلبته؛ فافهم. (أنَّه)؛ بالضمير، وللحمُّوي والمستملي بحذف الضمير، فـ (أن)؛ بالفتح والتخفيف وأصلها بالتثقيل فتكون (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها المحذوف ضمير الشأن، وبه يعلم جواز جعل ضمير (أنَّه) للشأن، وجملة (قد أروى بشرته) خبرها، و (أن) وما بعدها سدت مسد مفعول (ظن)، والضمائر من (ظن) وما بعدها راجعة إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، ويجوز في بعضها رجوعه إلى (الشَّعَر). قلت: بل جميعها راجع إليه عليه السلام، ولا يجوز غيره، كما لا يخفى؛ فافهم. وجملة (أفاض) من الإفاضة؛ وهي الإسالة؛ أي: أسال (عليه) أي: على شعره، والمراد: على رأسه (الماء) جواب (إذا)، واختلفوا في الشعر، فقال بعضهم: هو على عمومه، وخصص الآخرون بشعر الرأس، كما في «عمدة القاري» (ثلاث مرات)؛ بالنصب على المصدرية؛ لأنَّه عدد المصدر، وعدد المصدر مصدر، كما لا يخفى، (ثم غسل سائر جسده)؛ أي: بقية جسده بالماء، وتقدم في رواية مالك عن هشام في أول كتاب (الغُسل) : (على جلده كله)، فإذا حملنا لفظة (سائر) على معنى الجميع؛ يجمع بين الروايتين، كذا قاله في «عمدة القاري»، ولا يخفى أنَّ مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (ثم يخلل... إلى آخره)، ففي الحديث: دليل على وجوب إيصال الماء إلى أثناء اللحية، كما يجب إيصاله إلى أصولها في الغُسل، وعلى وجوب غسل شعر الرأس ولو كان ملبدًا، وعلى وجوب غسل داخل المضفور، فإنَّ التخليل يشمل ذلك كله. وقال ابن بطال: (أمَّا تخليل شعر الرأس في غسل الجنابة؛ فمجمع عليه)، وقاسوا عليه شعر اللحية، فروى ابن القاسم: أنَّه لا يجب تخليلها مطلقًا، وروى أشهب: أنَّ تخليلها في الغسل واجب؛ لهذا الحديث ولا يجب في الوضوء؛ لحديث عبد الله بن زيد في (الوضوء)، ولم يذكر فيه تخليل اللحية، وبه قال الإمام الأعظم، وأحمد ابن حنبل. قلت: مذهب الإمام الأعظم، والإمام محمَّد أنَّ التخليل في الوضوء سنة، وقال الإمام أبو يوسف: إنَّه سنة مؤكدة، وهو المختار، وكذا مشى عليه أصحاب المتون، وهذا ما لم تكن كثة، فإن كانت خفيفة؛ فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها؛ كالغسل، كذا في «منهل الطلاب». وقال الشافعي: (التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة). وقال المزني: (تخليلها واجب في الوضوء والغسل جميعًا) انتهى. وزعم العجلوني أنَّ حجة من لم ير تخليلها في الجنابة أنَّا قد اتفقنا على أنَّ داخل العين لا يجب غسله؛ لأنَّ عليه ساترًا، فكذا هنا. قلت: وهذا قياس فاسد؛ لأنَّ داخل العين إنَّما سقط غسله للحرج؛ حيث إنَّ العين شحم، فيتضرر بالماء، وقد عمي من تكلف لغسله، لا لأنَّ عليه ساترًا، ألا ترى أنَّ داخل الفم، والأنف، ووراء الأذن، وداخل القُلفة مستور ويجب غسله، فهذا القياس غير صحيح، وقال أيضًا: الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطاه الشعر، فكذا ينبغي أن يسقط في الجنابة. قلت: وهذا أيضًا قياس مع الفارق، فإنَّ الأمرد ما دام كذلك؛ حكمه حكم المرأة، وهي يجب غسل بشرتها، فكذا هذا، أمَّا إذا نبتت له لحية؛ يصير حكمه حكم الرجال، فيجب إيصال الماء إلى أثنيائها وأصولها في الغسل؛ لأنَّ الجنابة تحل أعضاء البدن كله، ألا ترى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خللوا الشعر؛ فإنَّ تحت كل شعرة جنابة»، وأمَّا في الوضوء؛ فالحدث يحل الظاهر دون الباطن، بخلاف الحدث الأكبر؛ فإنَّه يحل الباطن والظاهر؛ فافهم، والله أعلم. (وقالت)؛ بالواو عطف على (قالت: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)، والضمير فيهما يرجع إلى عائشة، فيكون متصلًا بالإسناد المذكور: (كنت اغتسل أنا والنبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) (أنا) تأكيد لاسم (كان)؛ لأجل صحة العطف على الضمير المرفوع المستتر، ويجوز فيه النصب على أنَّه مفعول معه؛ أي: مع النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، واختلفوا فيه؛ فالجمهور: على أنَّه من باب عطف المفردات، وبعضهم: على أنَّه من باب عطف الجمل؛ والتقدير: كنت أغتسل أنا ويغتسل النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (من إناء واحد نَغْرف)؛ بالنون المفتوحة، والغين المعجمة الساكنة، يليها راء (منه)؛ أي: من الماء الذي في الإناء (جميعًا)؛ بالنصب على الحال من فاعل (نغرف) أو من فاعل (أغتسل)، وما عطف عليه مستأنفة، أو صفة، أو حال، وعند المؤلف في (الاعتصام)
→ prev 179–180 / 750 next ←