247 · ص227
أبو جعفر الطحاوي، عن أبي بكرة، عن روح، عن زمعة بن صالح قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم مثل ما روى البخاري عن جابر رضي الله عنهما، فظهر من هذا أن حديثه ذاك في استعمال الأفضل؛ فبهذا يرتفع الخلاف بين روايتيه، وكذلك كل ما روي في هذا الباب من منع الصلاة في ثوب واحد؛ فهو محمول على الأفضل لا على عدم الجواز، وقيل: هو محمول على التنزيه لا على التحريم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
[حديث: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ]
٣٥٧ - وبالسند إليه قال: (حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس)؛ بضم الهمزة، وفتح الواو؛ مصغَّرًا، هو المدني الأصبحي، ابن أخت مالك بن أنس (قال: حدثني) بالإفراد (مالك بن أنس)؛ هو الأصبحي المدني، وسقط: (ابن أنس) لابن عساكر، (عن أبي النَّضْر)؛ بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة، واسمه سالم بن أبي أمية (مولى عُمر)؛ بضم العين المهملة، (بن عُبيد الله)؛ بضم العين المهملة، مصغر (عبد)، هو ابن معمر، القرشي التيمي، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئة: (أن أبا مُرَّة)؛ بضم الميم، وتشديد الراء، واسمه يزيد (مولى أم هانئ)؛ بالنون وبالهمز، هي فاختة، وقيل: هند (بنت أبي طالب) أخت علي الصديق الأصغر، وذكر المؤلف في باب (العلم) : أنه مولى عقيل، قال إمام الشَّارحين: (وهو في نفس الأمر مولى أم هانئ، ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا؛ لإكثاره الملازمة لعقيل)؛ فافهم.
(أخبره) أي: أخبر يزيد سالمًا: (أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب) رضي الله عنها، وجملة قوله: (تقول) من الفعل والفاعل محلها نصب، إمَّا مفعول ثان ١ لـ (سمع)، وإمَّا حال على الخلاف المشهور: (ذهبت إلى رسول الله) : وللأصيلي: (إلى النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم)؛ يعني: إلى حجرته الشريفة (عام الفتح) أي: فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان، (فوجدته) حال كونه (يغتسل) أي: من الجنابة، والجملة حالية (وفاطمة ابنته) رضي الله عنها هي الزهراء، (تستره) : جملة اسمية حالية أيضًا، (قالت) أي: أم هانئ: (فسلمت عليه، فقال) عليه السَّلام لابنته فاطمة: (مَن هذه؟) بفتح الميم، قالت: أم هانئ (فقلت: أنا) : وللأصيلي: (قلت) (أم هانئ بنت أبي طالب) رضي الله عنها، وظاهره: أنه عليه السَّلام لم يرد عليها السلام؛ لكونه لم يفرغ من الغسل، فبقي على جنابته؛ لأنَّه عليه السَّلام من عادته أن يذكر الله تعالى على طهارة، و (السلام) من أسماء الله تعالى، فكره أن يذكر الله على غير طهارة، ويدل عليه ما قدمه المؤلف في (التيمم) من حديث أبي الجهيم الأنصاري: (أنه عليه السَّلام أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السَّلام)، زاد في رواية الطبراني في «الأوسط»، وقال: «إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت على غير طهر») انتهى.
ولا يخفى أن تيممه عليه السَّلام كان عند عدم الماء؛ فافهم.
(فقال) أي: النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم لأم هانئ: (مرحبًا) : منصوب بفعل مقدر؛ تقديره: لقيت رحبًا وسعة (بأم هانئ)؛ بالباء الجارة، وفي رواية ابن عساكر: (مرحبًا يا أم هانئ)؛ بياء النداء، وهذا يقوم مقام السلام في اللغة لا في الشرع، ولعله عليه السَّلام اقتصر على ذلك، لكنه خلاف الشرع، بل رد عليها السلام بعد فراغه من الغسل، والراوي إمَّا نسي هذه الجملة، وإمَّا لم يسمعها من أم هانئ؛ لعدم سماعها منه عليه السَّلام، بل قد سمعته ابنته فاطمة وأم هانئ، لكن نسيت، فلم تذكرها؛ فافهم.
(فلما فرغ) عليه السَّلام (من غُسله) بضم الغين المعجمة، من الجنابة؛ (قام) : جواب (لما) (فصلى ثمانِيَ ٢ ركعات)؛ بكسر النون، وفتح الياء، مفعول (فصلى)، وفي رواية ابن عساكر: (ثمانَ)؛ بفتح النون من غير ياء، وزعم الكرماني: (أنه على الرواية الأولى بفتح النون).
قال إمام الشَّارحين: (قلت: حينئذ يكون منصوبًا بقوله: «فصلى»)، وقال الجوهري: (هو في الأصل منسوب إلى الثُمن؛ لأنَّه الجزء الذي صير السبعة ثمانية، فهو ثمنها، ثم إنَّهم فتحوا أوله؛ لأنَّهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة، وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن، فتثبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت «ياء» القاضي، تقول: ثمان نسوة، وتسقط مع النون عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب؛ لأنَّه ليس بجمع) انتهى.
(ملتحفًا) بالنصب على الحال من الضمير الذي في (صلى) (في ثوب واحد)؛ أي: متوشح به مخالف بين طرفيه على عاتقيه، (فلما انصرف) عليه السَّلام؛ أي: فرغ من صلاته؛ (قلت) أي: قالت أم هانئ قلت: (يا رسول الله؛ زعم) : معناه ههنا: قال أو ادعى، كما في «عمدة القاري».
قلت: وإنما قال: (معناه) هكذا؛ لأنَّ الزعم أكثر ما يستعمل بمعنى فيما لا يتحقق، وقال ابن المظفر: (أهل العربية يقولون: زعم فلان: إذا شك فيه، ولم يدرِ لعله كذب أو باطل)، وقال الأصمعي: (الزعم: الكذب)، وقال شريح: (زعموا: كنية الكذب)، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: (الزعم: القول يكون حقًّا، ويكون باطلًا) انتهى؛ فليحفظ.
والزَُّعم -بفتح الزاي وضمها- مصدر زعم، وهو فعل يقترن به اعتقاد ظني، و (زعم) : يكون بمعنى: (ظن) فيتعدى إلى اثنين؛ كما في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ...}؛ الآية [النساء: ٦٠]، وقد يكون بمعنى: (كفل) فيتعدى إلى واحد؛ ومنه قوله تعالى: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: ٧٢]، والله تعالى أعلم.
(ابن أمي) : هو علي بن أبي طالب، وهي شقيقته، وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وفي رواية الحموي كما في «عمدة القاري» : (زعم ابن أبي) قال: (ولا تفاوت بينهما في المقصود؛ لأنَّها أخت علي من الأم والأب، ولكن الوجه في رواية: «ابن أمي» تأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن، وذلك كما في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى عليهما السلام: {قَالَ يَا بْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي} [طه: ٩٤]) انتهى.
(أنه)؛ أي: ابن أمي، وهو أخوها علي بن أبي طالب (قاتل رجلًا) : فـ (قاتل) : اسم فاعل، من باب (المفاعلة)؛ والمعنى: أنه عازم على المقاتلة؛ لأنَّه لم يكن قاتلًا حقيقة في ذلك الوقت، ولكنه لما عزم على التلبس بالفعل؛ أطلقت عليه القاتل، و (رجلًا) : منصوب بقوله: (قاتل)، كذا في «عمدة القاري» (قد أجرته) بفتح الهمزة بدون المد؛ أي: أمنته، والجملة محلها نصب صفة (رجلًا)، ولا يجوز فيه المد؛ لأنَّه إمَّا من الجور؛ فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة؛ يعني: لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل؛ نحو: أشكيته؛ أي: أزلت شكايته، وإمَّا من الجوار بمعنى: المجاورة، كذا في «عمدة القاري»، (فلانَُ بن هبيرة)؛ بالرفع والنصب، أمَّا الرفع؛ فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو فلان، وأمَّا النصب؛ فعلى أنه بدل من (رجلًا)، أو من الضمير المنصوب في (أجرته)، و (هُبَيْرة)؛ بضم الهاء، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وبالراء: هو ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران المخزومي، زوج أم هانئ بنت أبي طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، وهي أسلمت عام الفتح، وكان لهبيرة أولاد منها؛ وهم: عمرويه، وهانئ، ويوسف، وجعدة، وقد ذكرنا أن اسمها فاختة أو هند، وكنيت بهانئ أحد أولادها المذكورين، فهرب زوجها من مكة عام الفتح لما رآها أسلمت، ولم يزل مشركًا حتى مات،
١ في الأصل: (ثاني)، ولعل المثبت هو الصواب.
٢ في الأصل: (ثمان)، والمثبت هو الصواب.
248 · ص228
شيبة: ثم صلى الضحى ثمان ركعات، وهذا الوجه هو الأصح، وهذا أيضًا يمنع التخرص في ذلك بأن قال بعضهم: (هذه صلاة الفتح)، وبعضهم قال: (صلاة الإشراق)، والدليل على ذلك ما في رواية «مسلم» : (ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى)؛ كذا قاله إمام الشَّارحين الإمام بدر الدين العيني رضي الله عنه.
قلت: فهذه الروايات تدل على فساد ما زعمه البعض الأول والبعض الثاني، ولأن الإشراق لا صلاة له؛ يدل عليه أن النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم نهى عن الصلاة حين تطلع الشمس، وحين استوائها، وحين غروبها، وفي حديث آخر: «إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان»؛ فافهم.
قال إمام الشَّارحين: وفي الحديث أحكام: الأول: فيه جواز تستر الرجال بالنساء.
الثاني: فيه جواز السلام من وراء الحجاب.
الثالث: فيه عدم الاكتفاء بلفظة (أنا) في الجواب، بل يوضح غاية التوضيح، كما في ذكر الكنية والنسب هنا.
الرابع: فيه استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته.
الخامس: فيه دليل على استحباب صلاة الضحى وأنها ثمان ركعات.
السادس: فيه جواز أمان رجل حر أو امرأة حرة لكافر واحد أو لجماعة، ولم يجز بعد ذلك قتالهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة، ولا يجوز أمان ذمي؛ لأنَّه متهم بهم، ولا أسير، ولا تاجر يدخل عليهم، ولا يجوز أمان عبد إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وهو قول الإمام الأعظم، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وقال الإمام محمد بن الحسن: يجوز أمانه مطلقًا، وهو رواية عن الإمام أبي يوسف، وبه قال محمد بن إدريس، ولو أمن الصبي وهو لا يعقل؛ لا يصح كالمجنون، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال؛ فعلى الخلاف، وإن كان مأذونًا له في القتال؛ فالأصح أنه يصح أمانه بالاتفاق، والله أعلم) انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
[حديث: فقال رسول الله أولكلكم ثوبان]
٣٥٨ - وبالسند إليه قال: (حدثنا عبد الله بن يوسف)؛ هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسف) تثليث السين مع الهمز وتركه؛ ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه (قال: أخبرنا مالك) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم الزهري، (عن سعِيد بن المسيِّب)؛ بفتح التحتية وكسرها، وكسر العين في الأول، (عن أبي هريرة) : هو عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه: (أن سائلًا) : هو ثوبان الصحابي، كما ذكره إمامنا شمس الأئمة السرخسي في «المبسوط»، وقول ابن حجر: (لم أقف على اسمه) لا ينافي ذلك؛ لأنَّه لا يلزم من عدم معرفته اسمه ألا يكون معروفًا عند غيره، وفوق كل ذي علم عليم؛ فافهم.
(سأل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن) جواز (الصلاة)؛ أي: المفروضة والواجبة والنافلة؛ لأنَّ (أل) فيه للجنس (في ثوب واحد)؛ بالتنكير، وفي رواية أبي الوقت: (في الثوب الواحد)؛ بالتعريف، (فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)؛ أي: للسائل المذكور: (أولكلكم ثوبان؟)؛ الهمزة فيه للاستفهام؛ يعني: فإذا كنتم بصفة العدم وضيق الثياب وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم؛ فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة، فاللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه صلَّى الله عليه وسلَّم من حالهم في العدم وضيق الثياب، كذا قاله إمام الشَّارحين.
وقال الكرماني: (فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: هو مقدر؛ أي: أنت سائل عن مثل هذا الظاهر؛ ومعناه: لا سؤال عن أمثاله ولا ثوبين لكلكم؛ إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة العام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل) انتهى.
قلت: قد علمت مما قاله إمام الشَّارحين: (إن اللفظ وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى الإخبار عما كان يعلمه عليه السَّلام من حالهم في العدم والضيق) على أنه لا حاجة إلى هذا التقدير؛ لأنَّ عدمه أولى، ولأن مراده عليه السَّلام الاستخبار عن حالهم بأن هل يجد أحدهم ثوبين؟ يعني: فالصلاة في الثوب الواحد جائزة مع الكراهة؛ لأنَّه يستر العورة، وليس فيه تجمل، والصلاة في الثوبين جائزة بدون كراهة؛ لأنَّه قد ستر العورة، وتجمل لعبادة ربه عز وجل، وقال القاضي عياض: (وقوله عليه السَّلام: «أولكلكم ثوبان أويجد ثوبين؟» صيغته صيغة الاستفهام، ومعنى التقرير والإخبار عن معهود حالهم، وضمنه دليل على الرخصة، وتنبيه على أن الثوب أفضل وأتم، وهو المعهود منه عند أكثر العلماء)، ورده إمام الشَّارحين فقال: (ذهب الحافظ أبو جعفر الطحاوي وكذا الباجي: إلى أن المفهوم من الحديث التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه في الإجزاء).
قلت: فالثوب الواحد إذا صلى فيه أو ثوبان إذا صلى فيهما على حد سواء من حيث جواز الصلاة، ولكن الأفضل الصلاة في الثوبين؛ لأنَّه أتم في ستر العورة والتجمل، فقول القاضي عياض: (وتنبيه على أن الثوب أفضل) : ممنوع؛ لأنَّه ليس فيه فضل، بل هو واجب لستر العورة، والأفضل إنَّما يقال للزائد على الفرض؛ فافهم.
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي: (لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد؛ لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأنَّ حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره)، واعترضه ابن حجر، فزعم أن هذه الملازمة في مقام المنع للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنَّما كان عن الجواز وعدمه لا عن الكراهة)، ورده إمام الشَّارحينفقال: (أخذ هذا القائل صدر الكلام من كلام الطحاوي، ثم غمز فيه، ولو أخذ جميع كلامه؛ لما كان يجد إلى ما قاله سبيلًا) انتهى.
قلت: على أنه قول النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم متضمن لسؤالين:
أحدهما: السؤال عن الجواز وعدمه في الثوب الواحد، فالصلاة فيه جائزة حيث إنه ساتر للعورة؟
والثاني: السؤال عن الذي يجد أكثر من ثوب واحد، فهو عن الكراهة وعدمها؟
فالصلاة في الثوب الواحد لمن يجد