263 · ص242
البخاري: (والفجرحين ترع)، وهذا دليل على أنه عليه السَّلام كان يسفر بالفجر دائمًا أبدًا، وحديث التغليس ضعيف لا يحتج به، كما قاله الحفاظ، والأمر هو ما ذكره الحافظ الطحاوي، ويدل عليه اتفاق الصحابة رضي الله عنهم بعد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم على الإسفار بالصبح؛ لما رواه الحافظ الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: (ما اجتمع أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلَّم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة، فهذا دليل واضح على نسخ حديث التغليس؛ لأنَّ إبراهيم أخبر أنَّهم كانوا -أي: الصحابة- اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا اجتماعهم على خلاف ما قد فعله النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم إلا بعد نسخ ذلك وثبوت خلافه، والعجب من بعض شراح «البخاري» أنه يقول: ووهم الحافظ الطحاوي حيث ادعى أن حديث: «أسفروا» ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلا هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني؛ لما اجترأ على مثل هذا الكلام، انتهى كلام الشَّارح.
قلت: وأراد بهذا البعض: ابن حجر، ولا يتعجب منه؛ لأنَّه مشهور بالتعصب، والتعنت، والعناد، وعدم الإنصاف، وما قال هذا الكلام إلا من عدم وقوفه ومعرفته بحديث إبراهيم النخعي وحديث ابن مسعود، الذي روى الأول ابن أبي شيبة والحافظ الطحاوي، والثاني: البخاري ومسلم، وما قال ذلك إلا ترويجًا لما ذهب إليه إمامه، ولعدم معرفته بمعاني الكلام قال ما قال، فالوهم محيط به، ولله در مؤلف «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام»، فإنه قد أودع فيه أبحاثًا ١ رائقة، ونفحات فائقة، وأظهر الأوهام التي وقع فيها ابن حجر الذي تصدر لشرح «البخاري»، وليس الشرح في الحقيقة له، وإنما هو لمن نقل عنه، وهو الشيخ قطب الدين الحلبي، فإنه حين كان ابن حجر في حلب؛ أخذ شرحه واستنسخه ونسبه لنفسه، والله تعالى أعلم.
(١٤) [باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها]
هذا (بابٌ)؛ بالتنوين، يذكر فيه: (إذا صلى)؛ أي: الشخص سواء كان رجلًا أو امرأةً، وسواء كانت الصلاة فرضًا، أو واجبًا، أو نفلًا (في ثوب) أي: وهو لابس ثوبًا (له أعلام) : جمع عَلَم؛ بفتح العين المهملة واللام، (ونظر) أي: المصلي وهو في صلاته (إلى عَلَمها)؛ بفتح العين واللام، وجواب (إذا) محذوف؛ تقديره: هل يكره له ذلك أم لا؟ قال الكرماني: (والتأنيث فيه باعتبار الخميصة) انتهى.
ونقله عنه ابن حجر بالعكس، قاله إمام الشَّارحين.
قلت: فقد وهم ابن حجر، فاختلط عليه النقل، فكيف بذكر المعنى؛ فافهم.
[حديث: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم]
٣٧٣ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أحمد ابن يونس) : نسبه إلى جده؛ لشهرته به، وإنما هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي التميمي الكوفي (قال: حدثنا إبراهيم بن سعد)؛ بسكون العين المهملة: هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني (قال: حدثنا ابن شهاب) وفي رواية ابن عساكر: (عن ابن شهاب) : هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، (عن عُرْوة)؛ بضم أوله، وسكون ثانيه المهملين: هو ابن الزُّبير -بضم الزاي- ابن العوام؛ بتشديد الواو، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما: (أن النبيَّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم صلى)؛ أي: صلاة الفرض بأصحابه جماعة في مسجده النبوي (في خَمِيصة)؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الميم، وبالصاد المهملة: وهي كساء أسود مربع، له أعلام أو علمان، وتكون من خز أو صوف، ولا تسمى خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة، وسميت بذلك؛ للينها ورقتها وصغر حجمها إذا طويت، مأخوذة من الخمص؛ وهو ضمور البطن، وزعم ابن حبيب في «شرح الموطأ» أنها كساء صوف، أو مرعزي معلم الصنعة، كذا في «عمدة القاري».
(لها أعلام) : جمع عَلَم؛ بفتحتين، والجملة اسمية محلها الجر؛ لأنَّها صفة لـ (خميصة)، (فنظر) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (إلى أعلامها) وهو في صلاته (نظرة)؛ أي: واحدة، (فلما انصرف)؛ أي فرغ من صلاته واستقبال القبلة؛ استقبل أصحابه وانتزع خميصته (قال) جواب (لما) لهم: (اذهبوا بخميصتي هذه) أي: التي صلى فيها (إلى أبي جَهْم)؛ بفتح الجيم، وسكون الهاء: هو عامر بن حذيفة العدوي القرشي المدني الصحابي، وقيل: اسمه عبيد، أسلم يوم الفتح، وكان معظمًا في قريش، وعالمًا بالنسب، شهد بنيان الكعبة مرتين، وتوفي في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه، وهو غير أبي الجهيم المصغر المذكور في (المرور)، كذا في «عمدة القاري».
وفيه: فإن قلت: ما وجه تعيين أبي جهم في الإرسال إليه؟
قلت: لأنَّ أبا جهم هو الذي أهداها له صلَّى الله عليه وسلَّم، فلذلك ردها عليه، وروى الحافظ أبو جعفر الطحاوي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أهدى أبو جهم إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم خميصة شامية، لها علم، فشهد فيها النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الصلاة، فلما انصرف؛ قال: «ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم، فإنها كادت تفتني» انتهى.
(وأتوني بأنبجانية أبي جهم) قال إمام الشَّارحين: اختلفوا في ضبط هذه اللفظة ومعناها؛ فقيل: بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبَِجاني -بكسر الموحدة وفتحها-؛ إذا كان ملتصقًا كثير الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وقال الجوهري: إذا نسبت إلى منبَج؛ فتحت الباء الموحدة، وقلت: كساء منبَجاني، أخرجوه مخرج مخبراني ومنظراني، وقال أبو حاتم: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما يخطئ فيه العامة، وإنما يقال: مَنبَجاني؛ بفتح الميم والباء، قال: وقلت للأصمعي: لم فتحت الباء، وإنما نسب إلى منبِج بالكسر؟ قال: خرج مخرج منظراني ومخبراني، قال: والنسب مما يغير البناء، وقال القزاز: والنباج: موضع ينسب إليه الثياب المنبجانية، وفي «الجمهرة» : ومنبج: موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه الثياب المنبجانية، وفي «المحكم» : أن منبج موضع، قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنَّها إنَّما كثرت مزيدة أولًا؛ فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أولًا في الاسم والصفة، وكذلك النباج وهما نباجان؛ نباج بنتل، ونباج ابن عامر، وكساء منبجاني منسوب إليه على غير القياس، وفي «المغيث» : المحفوظ كسر باء (الأنبِجانية)، وقال ابن الحصار: من زعم أنه منسوب إلى منبج؛ فقد وهم.
قال إمام الشَّارحين:
١ في الأصل: (أبحاث)، ولعل المثبت هو الصواب.
264 · ص244
فيه صلبان، ورده في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: ليس المعنى كذلك، بل معناه: إن صلى في ثوب منقوش بصور الصلبان) انتهى.
قلت: وقوله: (منقوش بصور الصلبان) يشمل ما إذا كانت الصلبان منسوجة أو معلمة؛ لأنَّ كلًّا منهما يقال له: منقوش، وأما قول ابن حجر: (فيه صلبان) : قاصر المعنى؛ لأنَّه غير شامل لما نقش فيه، ولما علم فيه من الصور، بل قاصر على تصور الثوب صلبان، وهو خلاف المعنى المراد، فقد وهم ابن حجر في ذلك، كما بينه صاحب «إيضاح المرام»؛ فافهم.
(أو) : في ثوب ذي (تصاوير)؛ أي: مصور بتصاوير، وهو عطف على (مصلب) مع حذف حرف الصلة كما سيأتي، قال الجوهري: التصاوير: التماثيل، وقد جاء التصاوير، والتماثيل، والتصاليب، فكأنها في الأصل جمع تصوير، وتمثال وتصوير، وفرق العلماء بين الصورة والتمثال؛ فقالوا: الصورة تكون في الحيوان، والتمثال يكون فيه وفي غيره، ويقال: التمثال ما له جرم وشخص، والصورة ما كان رقمًا أو تزويقًا في ثوب أو حائط.
وقال المنذري: قيل: التمثال: الصورة، وقيل في قوله تعالى: {وَتَمَاثِيلَ} [سبأ: ١٣] : إنها صور العقبان والطواويس على كرسي سليمان عليه السَّلام وكان مباحًا، وقيل: صور الأنبياء والملائكة عليهم السلام من رخام وشبه؛ لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم، وقيل: صور الآدميين من نحاس، كذا في «عمدة القاري».
وزعم الكرماني أن قوله: (أو تصاوير) عطف (على ثوب) لا على (مصلب)، والمصدر بمعنى المفعول، أو على (مصلب)، لكن بتقدير: أنه في معنى ثوب مصور بالصليب فكأنه قال: مصور بالصليب أو بتصاوير غيره.
وزعم ابن حجر أن قوله: (أو تصاوير)؛ أي: في ثوب ذي تصاوير، فكأنه حذف المضاف؛ لدلالة المعنى عليه، واعترضهما إمام الشَّارحين فقال: جعل الكرماني (تصاوير) مصدرًا بمعنى المفعول غير صحيح؛ لأنَّ التصاوير اسم للتماثيل، كذا قاله أهل اللغة، وساق كلام الجوهري السابق، ولئن سلمنا كون التصاوير مصدرًا في الأصل جمع تصوير؛ فلا يصح أن يقال عند كونه عطفًا على (ثوب)، أن يقدر: أو إن صلى في ثوب مصورة؛ لعدم التطابق حينئذٍ بين الصفة والموصوف مع أنه شرط، والظاهر: أنه عطفٌ على (مصلب) مع حذف حرف العلة؛ تقديره: إن صلى في ثوب مصور بصلبان أو ثوب مصور بتصاوير التي هي التماثيل، وقول ابن حجر: (لدلالة المعنى عليه) : لم يبين أن المعنى الدال عليه ما هو؟ والقول بحذف حرف الصلة أولى من القول بحذف المضاف؛ لأنَّ ذاك شائع ذائع) انتهى.
قلت: فإن المضاف والمضاف إليه كالكلمة الواحدة، فحذف المضاف غير شائع في كلامهم على أنه لم يدل الدليل على حذفه، ولم يظهر المعنى الدال عليه، ولو ظهر لابن حجر؛ لبينه، فكأنه ذكره رجمًا بالغيب، فهو ممنوع، والظاهر بل الصواب: ما قاله الشَّارح رضي الله عنه؛ فليحفظ.
(هل تفسد صلاته) : استفهام على سبيل الاستفسار، جرى المؤلف على عادته في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف؛ لأنَّ العلماء اختلفوا في النهي الوارد في الشيء، فإن كان لمعنًى في نفسه؛ فهو يقتضي الفساد، وإن كان لمعنًى في غيره؛ فهو يقتضي الكراهة أو الفساد، فيه خلاف، انتهى.
(وما ينهى من ذلك)؛ أي: والذي ينهى عن ذلك المذكور؛ وهو الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو بتصاوير، كذا في رواية أبي ذر، وفي رواية أبي الوقت والأصيلي: (وما ينهى عنه)؛ بالضمير، وفي رواية غيرهم: (وما ينهى عن ذلك)، بكلمة (عن) موضع (من)، والأول أصح، قاله إمام الشَّارحين.
[حديث: أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي]
٣٧٤ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو معمر)؛ بفتح الميمين، بينهما عين مهملة ساكنة (عبد الله بن عمرو)؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم: هو البصري (قال: حدثنا عبد الوارث) : هو ابن سعيد؛ بكسر العين المهملة، البصري (قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب)؛ بضم الصاد المهملة، البصري (عن أنس) زاد الأصيلي: (ابن مالك) : هو الأنصاري (قال: كان قِرام)؛ بكسر القاف، وتخفيف الراء: وهو ستر رقيق من صوف ذو ألوان، وقال أبو سعيد ١ : (القرام) : صوف غليظ جدًّا يفرش في الهودج، وفي «المحكم» : هو ثوب من صوف ملون، والجمع قرم، وعن ابن الأعرابي: جمعه قروم، وهو ثوب من صوف فيه ألوان من عهن، فإذا خيطفصار ٢ كأنه بيت؛ فهو كلة، وقال القزاز وابن دريد: هو الستر الرقيق وراء الستر الغليظ على الهودج وغيره، وقال الخليل: يتخذ سترًا أو يغشى به هودج أو كلة، وزعم الجوهري أنه ستر فيه رقم ونقوش، قال: وكذلك المقرم والمقرمة، كذا في «عمدة القاري».
(لعائشة)؛ أي: الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما (سترت به جانب بيتها) : وفي لفظ للنسائي: (كان في بيتي ثوب فيه تصاوير، فجعلته إلى سهوة في البيت، فكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي إليه)، وفي لفظ: (فإن فيه تمثال طير مستقبل البيت إذا دخل الداخل)، وفي لفظ: (قدم النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم من سفر وقد استترت بقرام على سهوة لي فيه تماثيل)، (فقال النبي) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) لعائشة: (أميطي)؛ أي: أزيلي ٣، وهو أمر من أماط يميط، قال ابن سيده: يقال: ماط عني ميطًا ومياطًا، وأماط: تنحى وبعد، وأماطه وماطه عني: نحاه ودفعه، قال بعضهم: مطت به وأمطته على حكم ما يتعدى إليه الأفعال غير المتعدية بالفعل في الغالب، وماط الأذى ميطًا وأماطه: نحاه ودفعه، كذا في «عمدة القاري».
(عنا قرامك هذا) : وفي لفظ للنسائي: (ثم قال: «يا عائشة؛ أخريه عني»، فنزعته فجعلته وسائد)، وفي لفظ: (فيه تصاوير، فنزعه عليه السَّلام فقطعه وسادتين، فكان يرتفق عليهما)، وفي لفظ: «أخري هذا، فإني إذا رأيته؛ ذكرت الدنيا»، وفي لفظ: «دخل علي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقد استترت بقرام فيه تماثيل، فلما رآه؛ تلون وجهه، ثم هتكه بيده، وقال: «إنَّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله»، وفي لفظ: (خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرجة، ثم دخل وقد علقت قرامًا فيه الخيل أولات الأجنحة؛ فلما رآه؛ قال: «انزعيه»).
(فإنه لا تزال تصاوير) بدون الضمير، والهاء في (فإنه) ضمير الشأن، وفي رواية: (تصاويره)؛ بالإضافة إلى الضمير، فالضمير في (فإنه) يرجع إلى الثوب، كذا في «عمدة القاري».
(تَعرِض)؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء؛ أي: تلوح لي، وفي رواية الإسماعيلي: (تَعَرَّض)؛ بفتح المثناة والعين، وتشديد الراء، وأصله: تتعرض، فحذفت إحدى التاءين كما في (نار تلظَّى) (في صلاتي)، ووجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن الستر الذي فيه التصاوير إذا نهى عنه الشَّارع فمنع لبسه بالطريق الأولى.
فإن قلت: الترجمة شيئان والحديث لا يدل إلا على شيء واحد وهو الثوب الذي فيه الصورة.
قلت: نعم ويلحق به الثوب الذي فيه صور الصلبان؛ لاشتراكهما في أن كلًّا منهما عبد من دون الله، كذا قاله إمام الشَّارحين.
١ في الأصل: (سعد)، وهو تحريف.
٢ في الأصل: (صار)، والمثبت هو الصواب.
٣ في الأصل: (أزيل)، وهو تحريف.