← المكتبة ▭ 1 page
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
عبد القادر الأسطواني شروح الحديث 1314 هـ
A− A+
307 · ص284
«الصحيح»، وهذا وجه مطابقته للترجمة؛ فافهم. [حديث: أين تحب أن أصلي من بيتك؟] ٤٢٥ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سعِيد ابن عُفَيْر)؛ بضمِّ العين المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية، نسبه لجده؛ لشهرته به، وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري، وعين سعِيد مكسورة (قال: حدثني) بالإفراد (الليث) هو ابن سعد الفهمي المصري الحنفي (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عُقَيل)؛ بضمِّ العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد الأيلي، (عن ابن شهاب)؛ هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري المدني، ونسبه لجده؛ لشهرته به (قال: أخبرني) بالإفراد (محمود بن الرَّبيع) بفتح الراء (الأنصاري) الخزرجي الصحابي: (أن عتْبان بن مالك)؛ بضمِّ العين المهملة وكسرها وسكون الفوقية، هو الأنصاري السالمي المدني الصحابي المتوفى بالمدينة زمن معاوية، والجملة في محل النصب على أنها مفعول ثان؛ لقوله: (أخبرني)، كذا في «عمدة القاري». وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: رواية الصحابي عن الصحابي، فإن قلت: من قوله: «أنَّ عُتْبان» إلى قوله: «قال عتبان» من رواية محمود بغير واسطة، فيكون مرسلًا، فلا يكون رواية الصحابي عن الصحابي. ومن هذا قال الكرماني: «الظاهر أنَّه مرسل»؛ لأنَّه لا جرم أنَّ محمودًا سمع من عتبان أنَّه رأى بعينه ذلك؛ لأنَّه كان صغيرًا عند وفاة النبيِّ عليه السَّلام. قلت: قد وقع تصريحه بالسماع عند البخاري من طريق مَعْمَر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، كما مر في الباب الماضي، ووقع التصريح بالتحديث أيضًا بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب عند أبي عوانة؛ فيكون رواية الصحابي عن الصحابي، فيُحمل قوله: «قال عتبان» على أن محمودًا أعاد اسم شيخه؛ اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث) انتهى. قلت: وهذا يردُّ على ما زعمه الكرماني، وكأنَّه لم يطلع ١ على هذه الروايات، فللَّه درُّ إمامنا الشَّارح! واختلف فيما إذا قال: (حدثنا فلان بن فلان قال: كذا، أو فعل كذا)، فقال الجمهور: هو كـ (عن) محمول على السماع بشرط أن يكون الراوي غير مدلس، وبشرط ثبوت اللقاء على الأصح. وقال أحمد وغيره: (يكون منقطعًا حتى يتبين السماع)، كذا في «عمدة القاري». قلت: ومع هذا، فإنَّ عنعنة «الصحيحين» مقبولة محمولة على السماع؛ فافهم. (وهو من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) وكان إمام قومه على عهد النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (ممَّن شهد بدرًا من الأنصار) رضي الله عنه، أشار بذلك؛ لإفادة تقوية الرواية، وتعظيمه، والافتخار، والتلذذ به، وإلا؛ كان هو مشهورًا بذلك، أو غرضه التعريف للجاهل به؛ فافهم. (أنَّه أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) وهذا بدل من قوله: (أنَّ عتبان)، وفي رواية ثابت عن أنس: (عن عتبان). فإن قلت: جاء في رواية مسلم: أنَّه بعث إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يطلب منه ذلك، فما وجه الروايتين؟ قلت: يحتمل أن يكون جاء إلى النبيِّ عليه السَّلام بنفسه مرة، وبعث إليه رسوله مرة أخرى؛ لأجل التذكير، قاله إمام الشَّارحين. وزَعْمُ ابن حجر يحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا. وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (الأصل في الكلام الحقيقة، والدليل عليه: ما رواه الطبراني من طريق أبي أويس عن ابن شهاب بسنده أنَّه قال: قال للنبيِّ ٢ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم جمعة: «لو أتيتني يا رسول الله»، وفيه: أنَّه أتاه يوم السبت) انتهى. قلت: ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وههنا أمكن الحمل على الحقيقة، بل تعين الحمل عليها بدلالة ما رواه الطبراني، فكلام ابن حجر ليس بشيء؛ فافهم. (فقال يا رسول الله: قد أنكرت بصري) يحتمل معنيين: ضعف البصر، أو العمى. وفي رواية مسلم: (لما ساء بصري). وفي رواية الإسماعيلي: (جعل بصري يكلُّ). وفي رواية أخرى لمسلم من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت: (أصابني في بصري بعض الشيء). وكل ذلك يدلَّ على أنَّه لم يكن بلغ العمى. وفي رواية للبخاري في باب: (الرخصة في المطر) من طريق مالك عن ابن شهاب، فقال فيه: (إنَّ عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّها تكون الظلمة والسَّيل، وأنا رجل ضرير البصر). فإن قلت: بين هذه الرواية والروايات التي تقدمت تعارض. قلت: لا معارضة فيها؛ لأنَّه أطلق عليه العمى في هذه الرواية؛ لقربه منه، وكان قد قَرُبَ من العمى، والشيء إذا قرب إلى الشيء يأخذ حكمه، انتهى، كذا قاله إمام الشَّارحين. (وأنا أصلي لقومي)؛ أي: لأجلهم، والمعنى: أنَّه كان يؤمهم، وصرَّح بذلك أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد؛ كذا في «عمدة القاري». قلت: وصرَّح بذلك أيضًا المؤلف في باب (الرخصة في المطر) من طريق مالك عن ابن شهاب، ولم يبيِّن مَنْ قومه، والظَّاهر: أنَّهم جمع من الأنصار؛ فتفحَّص. (فإذا كانت الأمطار)؛ أي: وجدت؛ فـ (كان) تامة، ولهذا ليس لها خبر، وهو جمع مطر؛ وهو ماء المزن؛ (سال الوادي)؛ أي: سال ماؤه، فهو من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال (الذي بيني وبينهم) وفي رواية الإسماعيلي: (يسيل الوادي الذي بيني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم)، كذا في «عمدة القاري». (لم أستطع أن آتي مسجدهم) ولابن عساكر: (المسجد) (فأصلي بهم) بالموحدة، ونصب (أُصلِّيَ) عطفًا على قوله: (أن آتيَ) وللأصيلي: (فأصلِّي لهم)؛ باللام؛ أي: لأجلهم. (وودِدْت)؛ بكسر الدال المهملة الأولى، ومعناه: تمنيت، قاله ثعلب. وفي «الجامع» للقزاز، وحكى الفراء عن الكسائي: (ودَدت)؛ بالفتح، ولم يحكها غيره، والمصدر: وُدٌّ فيهما، ويقال في المصدر: الوَد، والوِد، والوُد والوَداد، والوِداد، والكسر أكثر، والوِدادة والوَدادة، وجاء: مودَّة، حكاه مكي في «شرحه». وقال اليزيدي في «نوادره» : (ليس في شيء من العربية ودَدَت مفتوحة)؛ كذا في «عمدة القاري». (يا رسول الله أنك تأتيني فتصليَْ)؛ بسكون التحتية وبنصبها، كما في «الفرع»؛ جوابًا للتمني؛ لوقوع الفاء بعد التمني (في بيتي) يحتمل الإضافة أن تكون للملك، وأن تكون لغيره، وأضافه لنفسه؛ باعتبار سكناه
١ في الأصل: (يضطلع)، وليس بصحيح. ٢ في الأصل: (النبي)، وليس بصحيح.
308 · ص287
على هذا الأثر موصولًا عن ابن عمر؛ حيث لم يتعرض لذلك، ولهذا قال ابن حجر: لم أره موصولًا عنه. قلت: وعدم رؤيته له لا ينفي رؤيته لغيره على أنَّه المؤلف حافظ أجمع على جلالته المسلمون، فلا ينقل شيئًا يكون غير ثابت، وقد جنح لهذا إمام الشَّارحين حيث أيَّد فعل ابن عمر بما رواه الحاكم في «المستدرك» عن أنس، وعليه؛ فلا كلام؛ فافهم. [حديث: كان النبي يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله] ٤٢٦ - وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا سليمان بن حرب) بحاء، وراء مهملتين، ثم موحدة (قال: حدثنا شعبة)؛ هو ابن الحجاج، (عن الأَشْعَث) بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح العين المهملة، آخره مثلثة (بن سُليم)؛ بضمِّ السين المهملة؛ مصغَّرًا، (عن أبيه)؛ هو سليم بن الأسود المُحاربي -بضمِّ الميم- الكوفي، (عن مسروق)؛ هو ابن الأجدع الكوفي أبو عائشة، أدرك الصدر الأول من الصحابة، وأسلم قبل وفاته عليه السَّلام، وسمي مسروقًا؛ لأنَّه سرقه سارق في صغره، (عن عائشة) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما أنَّها (قالت: كان النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم) أفادت (كان) الدَّوام والاستمرار (يحب التيمُّن)؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: البداءة باليمين لحسنه. إن قلت: المحبَّة أمر باطني، فمن أين علمت عائشة محبته؟ قلت: قد علمت محبَّته عليه السَّلام لهذه الأشياء إمَّا بالقرائن، أو بإخباره عليه السَّلام لها بذلك، انتهى. قلت: ويقال: علمت ذلك بسبب مداومته واستمراره على فعله ذلك، كما أفاده تعبيرها بـ (كان)؛ فافهم. (ما استطاع) يجوز أن تكون كلمة (ما) موصولة، فتكون بدلًا من التيمُّن، ويجوز أن تكون بمعنى: ما دام، وبه احترز عمَّا لا يستطيع فيه التيمُّن شرعًا؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، قاله إمام الشَّارحين (في شأنه كلِّه) الجار والمجرور يتعلق بالتيمُّن، ويجوز أن يتعلق بالمحبة أو بهما، على سبيل التنازع، وتأكيد الشأن بقولها: (كلِّه) يدلُّ على التعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثوب، والخفَّ، والسراويل، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل، والشرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصِّ الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك، إلا ما خُصَّ بدليل؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثوب والسراويل، فاستحب فيها التياسر؛ لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: (أنَّ كل ما كان من باب التكريم والتزين؛ فاستحب فيه اليمين، وكل ما كان من باب الإزالة؛ فاستحب فيه التياسر)، لا يقال: حلق الرأس من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر؛ لأنَّا نقول: هو من باب التزين، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن. (في طُهوره) بضمِّ الطاء المهملة؛ لأنَّ المراد: تطهره، وتفتح؛ أي: البداءة بالشق الأيمن في الغسل، وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى في الوضوء، وروى أبو داود في «سننه» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا توضأتم؛ فابدؤوا بميامنكم»، فإن قَدَّم اليسرى؛ جاز، ولكنَّه يكره تنزيهًا، وأمَّا الكَفَّان والخدان والأذنان؛ فيُطهرَان دفعة واحدة، نصَّ أئمتنا الأعلام عليه، (وترجله) بالجيم؛ أي: الابتداء بالشق الأيمن في تسريح لحيته ورأسه، ومن المستحبات جمع الشعر والظفر ونحوهما من أجزاء البدن ودفنها، وألا يقطع شيئًا إلا وهو متوضئ، وروى الترمذي في «الشمائل» من حديث عبد الله بن معقل قال: (نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الترجل إلا غبًّا؛ أي: وقتًا بعد وقت)، وظاهره: أنَّه يُرجل بعد كلِّ وضوء، وقيل: إنَّه يفعل يومًا ويترك يومًا، ونقل عن الحسن: أنَّه في كل أسبوع، ولعله محمول على تمشيط شعر الرأس. قلت: وظاهر الحديث: يدل على أنَّه بعد كل وضوء؛ لحديث الباب وحديث أنس قال: «كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أخذ مضجعه من الليل وُضع له سواكه وطهوره ومشطه، فإذا هيئه الله من الليل؛ استاك وتوضأ وامتشط»، رواه ابن الجوزي في كتاب «الوفاء»، وفي حديث أُبي بن كعب قال: قال عليه السَّلام: «من سرَّح لحيته كلَّ يوم؛ عوفي من أنواع البلاء، وزيد في عمره»، وعنه عليه السَّلام: «من مرَّ المشط على حاجبيه، عوفي من البلاء»، وعن علي بن أبي طالب مرفوعًا: «عليكم بالمشط؛ فإنَّه يذهب الفقر، ومن سرَّح لحيته حين يصبح؛ كان له أمانًا حتى يمسي»، وعن وهب بن منبه: (من سرَّح لحيته بلا ماء؛ زاد همُّه، أو بماء؛ نقص همُّه، ومن سرَّحها قائمًا؛ ركبه الدين، أو قاعدًا؛ ذهب عنه الدين، ومن سرَّحها يوم الأحد؛ زاده الله نشاطًا، أو الاثنين؛ قضى حاجته، أو الثلاثاء؛ زاده الله رخاءً، أو الأربعاء؛ زاده الله نعمة، أو الخميس؛ زاد الله في حسناته، أو الجمعة؛ زاده الله سرورًا، أو السبت؛ طهر قلبه)، كذا في «نزهة المجالس» لعبد الرحمن الصفوري. قلت: وهذا يدل لما قلناه، ويدل عليه أيضًا ما في «الشمائل» عن أنس قال: (كان عليه السَّلام يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته)، وفي «الإحياء» في حديث غريب: (أنَّه عليه السَّلام كان يسرح لحيته في اليوم مرتين)، وقد أوضح المقام الإمام المحقق خاتمة المحدثين منلا علي القاري في رسالة خاصة في تسريح اللحية، والله أعلم. (وتنعله)؛ بفتح الفوقية والنون، وتشديد العين المهملة المضمومة؛ أي: الابتداء بلبس اليمين من نعليه، وموقع (في طهوره) من الإعراب: البدل من قوله: (في شأنه) بدل بعض من كلٍّ. فإن
→ prev 307–308 / 750 next ←