← المكتبة ▭ 1 page
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
عبد القادر الأسطواني شروح الحديث 1314 هـ
A− A+
653 · ص289
من أيلول سنة سبعمئة وثلاث وثلاثين لذي القرنين). وقال الخوارزمي: (من حين ولد إلى حين أسري به أحد وخمسون سنة، وسبعة أشهر وثمانية وعشرين يومًا، ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم، فذلك ثلاث وخمسون سنة، وكان ذلك يوم الخميس). وقال ابن سعد في «الطبقات» : (إنَّه عليه السَّلام خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فأقام يوم الثلاثاء بقديد، وقدم على بني عمرو بن عوف لليلتين خلتا من ربيع الأول، ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فنزل على كلثوم بن هدم، وهو السبت عندنا). وذكر البرقي: (أنَّه عليه السَّلام قدم المدينة ليلًا)، وعن جابر: (لما قدم المدينة نحر جزورًا)، كذا في «عمدة القاري». (فنزل أعلى) وللأصيلي: (في أعلى) (المدينة)، وفي رواية أبي داود: (فنزل في عُلوِّ المدينة)؛ بالضم، وهي العالية (في حيٍّ)؛ بتشديد التحتية، وهي القبيلة، وجمعها أحياء، كذا قاله إمام الشَّارحين، (يقال لهم: بنو عَمرو بن عَوف)؛ بفتح العين المهملة فيهما، وبالفاء في الأخير، (فأقام النبيُّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم) أي: في بني عمرو (أربع عشرة ليلة)، هذه رواية الأكثرين، وكذا في رواية أبي داود عن شيخه مسدد، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت ونسبها إمام الشَّارحين للمستملي والحمُّوي: (أربعًا وعشرين ليلة)، وعن الزهري: (أقام فيهم بضع عشرة ليلة)، وعن عويمر بن ساعدة: لبث فيهم ثماني عشرة ليلة، ثم خرج، كذا قاله إمام الشَّارحين، (ثم أرسل) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو في بني عمرو (إلى بني النجَّار)؛ بتشديد الجيم، أبو قبيلة من الأنصار، وبنو النجار هم: بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار: قبيل كثير من الأنصار منه بطون، وعمائر، وأفخاذ، وقفائل، وتيم اللات: هو النجار، سمي بذلك؛ لأنَّه اختتن بقدُّوم، وقيل: بل ضرب رجلًا بقدُّوم، فجرحه، ذكره الكلبي وأبو عبيدة، وإنما طلب بني النجار؛ لأنَّهم كانوا أخواله عليه السَّلام؛ لأنَّ هاشمًا جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب، كذا قاله إمام الشَّارحين. قلت: ولأجل هذا خصَّهم عليه السَّلام بالإرسال عن غيرهم، (فجاؤوا متقلدي السيوف)؛ بالجِّر وحذف نون (متقلِّدين)، وإضافة (المتقلدين) إلى (السيوف)، هكذا في رواية كريمة، وفي رواية الأكثرين: (متقلدين السيوفَ)؛ بنصب السيوف وثبوت النون؛ لعدم الإضافة، وعلى كل حالٍ هو منصوب على الحال من الضمير الذي في (فجاؤوا)، والتقلُّد: جَعْلُ نِجاد السيف على المنكب؛ كذا في «عمدة القاري». قلت: والمعنى: جاؤوا جاعلين سيوفهم على مناكبهم؛ خوفًا من اليهود، وليروه عليه السَّلام ما أعدُّوه؛ لنصرتهم من شجاعتهم وقوتهم، قال أنس بن مالك: (كأني أنظر إلي النبيِّ) الأعظم (صلَّى الله عليه وسلَّم على راحلته)؛ أي: ناقته التي تسمى: القصواء، فإنَّ الرَّاحلة: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، قاله إمامنا الشَّارح. قلت: وفي بعض النسخ: (وكأني)؛ بالواو، وفي بعضها: (فكأني)؛ بالفاء، والمعنى: وكأني الآن، فالتشبيه باعتبارين، و (كأنَّ)؛ للتحقيق؛ كقوله: كأن الأرض ليس بها هلال (وأبو بكر)؛ أي: الصديق الأكبر، عبد الله بن أبي قحافة عثمان رضي الله عنهما (ردفه)؛ الجملة اسمية محلها نصب على الحال من (النبي)، أو من فاعل (أنظر)؛ أي: راكب خلفه، فإنَّ الرِّدْف -بكسر الراء وسكون الدال المهملتين-: المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب، وأردفته أنا: إذا أركبته معك، وذاك الموضع الذي يركبه: رِدَاف، وكل شيء يتبع سببًا؛ فهو ردفه، وكان لأبي بكر ناقة، فلعلَّه تركها في بني عمرو بن عوف؛ لمرض أو غيره، ويجوز أن يكون ردَّها إلى مكة؛ ليحمل عليها أهله، وثَمَّ وجه آخر حسن: وهو أنَّ ناقته كانت معه، ولكنَّه ما ركبها؛ لشرف الإرداف خلفه، فإنَّه تابعه، والخليفة بعده، كذا قاله إمام الشَّارحين. (ومَلَأ)؛ بفتحتين آخره همزة من غير مد (بني النجار حوله) عليه السَّلام؛ إكرامًا له، وأدبًا معه، وافتخارًا به، والملأ: أشراف القوم ورؤساؤهم، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم ملأى ١ بالرأي والغنى، والملأ: الجماعة، والجمع: أملاء، قال ابن سيده: (وليس الملأ من بني «رهط» وإن كانا اسمين؛ لأنَّ «رهطًا» لا واحد له من لفظه، والملأ: رجل مالئ جليل ملأ العين بجهرته، فهو كالعرب والرَّوَح ٢، وحكى ملأته على الأمر: املأه، ومالأته كذلك؛ أي: شاورته، وما كان هذا الأمر عن ملأ منَّا؛ أي: عن تشاور واجتماع)، كذا في «عمدة القاري»، والجملة اسمية حالية أيضًا، (حتى ألقى) أي: حتى طرح النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رحله، فهو مبني للفاعل، ويحتمل للمفعول، كذا زعمه العجلوني. قلت: وهذا الاحتمال بأنَّه مبني للمفعول غير ظاهر؛ لأنَّ أنسًا أخبر عنه عليه السَّلام بأنَّه ألقى رحله، فيتعين أن يكون مبنيًّا للفاعل، والمفعول محذوف، وهو الرحل، يقال: ألقيت الشيء: إذا طرحته. (بفِناء) بكسر الفاء مع المد: سعة أمام الدار، والجمع: أفنية، وفي «المجمل» : (فناء الدار: ما امتد من جوانبها)، وفي «المحكم» : (وتبدل الموحدة من الفاء). (أبي أيوب) أي دار أبي أيوب، واسمه: خالد بن زيد الأنصاري، جعل جبار بن صخر يَنخَسُها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار؛ أَعَنْ منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام؛ لضربتك بالسيف. قال إمام الشَّارحين: (جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلمي، ويقال: جابر بن صخر الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا، وهو صحابي كبير، روى محمد بن إسحاق: عن أبي سعد الخطمي، سمع جابرًا بن عبد الله قال: صليت خلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنا وجابر بن صخر، فإمامنا خلفه، والصحيح: أنَّ اسمه جبار بن صخر، وذكر محمد بن إسحاق في كتاب «المبتدأ وقصص الأنبياء عليهم السلام» : «أن تُبَّعًا؛ وهو ابن حسان، لمَّا قدم مكة قبل مولده عليه السَّلام بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربع مئة رجل من الحكماء؛ فاجتمعوا وتعاقدوا على ألا يخرجوا منها، فسألهم تُبَّع عن سر ذلك، فقالوا: إنَّا نجد في كتبنا أنَّ نبينا اسمه محمد، هذه دار مهاجره، فنحن نقيم بها لعل أن نلقاه، فأراد تُبَّع الإقامة معهم، ثمَّ بنى لكل واحد من أولئك دارًا، واشترى له جارية، وزوجها منه، وأعطاهم مالًا جزيلًا، وكتب كتابًا فيه إسلامه، وقوله: شهدت على أحمد أنَّه... رسول من الله بارئ النسم في أبيات، وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد عليه السَّلام إن أدركه، وإلا؛ من أدركه من ولده، وبنى للنبي عليه السَّلام دارًا ينزلها إذا قدم المدينة، فتداور الدار المُلَّاك إلى أن صارت إلى
١ في الأصل: (مليء)، وليس بصحيح. ٢ في الأصل: (كالعزب والزوج)، ولعل المثبت هو الصواب.
654 · ص290
أبي أيوب رضي الله عنه، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربع مئة، ويزعم بعضهم: أنَّهم كانوا الأوس والخزرج، ولمَّا خرج عليه السَّلام؛ أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه عليه السَّلام؛ قال: «أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تُبَّع الأول»، فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف النبيَّ عليه السَّلام، فقال: من أنت؟ فإني لم أرَ في وجهك أثر السحر، وتوهم أنَّه ساحر، فقال: «أنا محمد، هات الكتاب»، فلما قرأه؛ قال: «مرحبًا بتبع الأخ الصالح» ثلاث مرات»، وفي «سير ابن إسحاق» : «أنَّ اسمه تبان أسعد أبو كرب، وهو الذي كسا البيت الحرام»، وفي «مغايص الجوهر في أنساب حمير» : «كان يدين بالزبور»، وفي «معجم الطبراني» مرفوعًا: «لا تسبوا تبَّعًا»، وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه: أنَّه قال: سمعت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لا تسبوا تبعًا؛ فإنَّه كان قد أسلم»، وأخرجه أحمد في «مسنده» : «وتُبَّع -بضمِّ المثناة الفوقية، وفتح الموحدة المشددة، آخره عين مهملة- لقب لكلِّ من ملَك اليمن؛ مثل كسرى لقب لكل من ملَك الفرس، وقيصر لكل من ملَك الروم»، وقال عكرمة: «إنَّما سُمي تُبَّعًا؛ لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار، فأسلم، قال: وهذا تبع الأوسط، وأقام مَلِكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل: ثمانين سنة»، وقال ابن سيرين: «هو أول من كسا البيت وملك الدنيا والأقاليم بأسرها»، وحكى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أنَّه قال: «كان إذا عرض الخيل؛ قاموا صفًّا من دمشق إلى صنعاء»، وهذا بعيد إن أراد به صنعاء اليمن؛ لأنَّ بينها وبين دمشق أكثر من شهرين، والظاهر: أنَّه أراد بها صنعاء دمشق، وهي قرية على باب دمشق من ناحية باب الفراديس، واتصلت حيطانها بالعقيبة، وهي محلة عظيمة بظاهر دمشق، وذكر ابن عساكر في كتابه: «أنَّ تُبَّعًا هذا لمَّا قدم مكة، وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب؛ كان في مئة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان، ومئة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة»، وذكر أيضًا: «أنَّ تُبَّعًا لمَّا خرج من يثرب؛ مات في بلاد الهند»، وذكر السهيلي: «أنَّ دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب، فاشتراها منه بعد ما خربت المغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه المغيرة، وتصدق بها على أهل بيت فقراء بالمدينة») انتهى. (وكان) أي النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة) فلا يخص مكانًا بصلاته، بل يصلي في أي مكان حضرت الصلاة فيه؛ لأنَّه عليه السَّلام قد جعلت له الأرض كلُّها مسجدًا وطهورًا، فهو من خصائصه دون سائر الأنبياء عليهم السلام، ولأنَّ في ذلك تكثير الشهود للمصلي؛ لأنَّ الأرض تشهد بالصلاة لمن صلى عليها، ففيه: أنَّ المسلم يكره له أن يخصَّ موضعًا للصلاة فيه دون غيره؛ لأنَّ في اختصاصه بموضع مخصوص رياءً وسمعة وغير ذلك؛ فافهم، وهذا أكبر ردٍّ على من اعتاد في زماننا اختيار مكان مخصوص للصلاة وراء الإمام من الشافعية، ويزعم أنَّ الصلاة في الصف الأول خلف الإمام أفضل، فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، فإنَّ الصف الأول من المشرق إلى المغرب، وكله خلف الإمام، ولكنَّه هو يقصد مكانًا مخصوصًا خلف الإمام حتى يقال: إنَّه رجل صالح متعبد، بل هو طالح مخالف للسنة؛ لأنَّ في ذلك رياء وسمعة، وهو مكروه؛ فافهم. (ويصلي في مرابض الغنم) جمع مِربِض؛ بكسر الموحدة والميم، بينهما راء مهملة ساكنة، آخره معجمة، والمراد: مأواها، وهو عطف على قوله: (وكان يحب) من عطف الخاص على العام؛ يعني: أنَّه كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ولو كان في مرابض الغنم، وعلى هذا؛ فليس يحب الصلاة في مرابض الغنم إلا إذا أدركته الصلاة فيها، وقد يقال: هو عطف على (أن يصلي) والمعنى: وكان يحب أن يصلي في مرابض الغنم، وسبب محبته؛ لأنَّه قد أدركته الصلاة فيها، فالمحبة ليست للمكان، بل لإقامة الصلاة في وقتها؛ محافظة عليها في أول الوقت، وهذا هو الظاهر، فعلى الأول: فقوله: (ويصلي) مرفوع، وعلى الثاني: منصوب عطفًا على (أن يصلي)، وهو الأظهر؛ فافهم. (وإنَّه)؛ بكسر الهمزة؛ لأنَّه كلام مستقل بذاته؛ وفي «الفرع» : بفتح الهمزة، والجملة مستأنفة أو حال؛ أي: أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم (أَمر)؛ بفتح الهمزة؛ مبنيًا للفاعل، وفي رواية: بضمِّها؛ مبنيًّا للمجهول، وعلى هذا؛ يكون الضمير في (إنه) للشأن، قاله إمامنا الشَّارح. (ببناء المسجد)؛ بكسر الجيم وفتحها؛ وهو الموضع الذي يسجد فيه، وفي «الصحاح» : (المسجَد؛ بفتح الجيم: موضع السجود، وبكسرها: البيت الذي يصلى فيه، ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين، وعن الفراء: «سمعت المسجِّد؛ بالكسر والفتح، والفتح جائز وإن لم نسمعه»، وقال الزجاج: «كل موضع يتعبد فيه مسجد») انتهى. (فأرسل) عليه السَّلام (إلى ملأ) أي: جماعة (من بني النجار) وللأربعة: (إلى ملأ بني النجار) بإسقاط كلمة (من) الجارة؛ هم أشرافهم، (فقال) عليه السَّلام لهم: (يا بني النجار) خطاب لبعضهم، وأطلق عليهم باعتبار الشرف والرئاسة؛ (ثامنوني)؛ بالمثلثة بعدها ألف، فميم، فنون، بينهما واو، من ثامنت الرجل في البيع أثامنه: إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه وشرائه، كذا قاله إمام الشَّارحين في «شرحه على سنن أبي داود»، وزعم ابن حجر أنَّ معناه: (اذكروا لي ثمنه). قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس دالًّا على المقصود؛ لأنَّ ذكر الثمن لا يدل على البيع، فقد يطلب الرجل ثمن متاعه وليس مقصوده بيعه. وزعم الكرماني أنَّ معناه: بيعونيه بالثمن. قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّ المساومة ليس معناها طلب البيع، بل المقاولة على الثمن. وقال صاحب «التوضيح» : (معناه: قدِّروا لي ثمنه؛ لأشتريه منكم، وبايعوني فيه). قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ذكر قدر الثمن ليس يفيد المقصود، بل قد يذكر قدر الثمن ولا يراد البيع، وهذا معنى ما زعمه ابن حجر، فكأنَّه أخذه من كلام صاحب «التوضيح»، ونسبه لنفسه، وإمامنا الشَّارح قد سرد كلام هؤلاء الثلاثة، وقال: (كل ذلك ليس تفسيرًا لموضوع
→ prev 653–654 / 750 next ←