← المكتبة ▭ 1 page
أصل الزراري شرح صحيح البخاري - مخطوط
عبد القادر الأسطواني شروح الحديث 1314 هـ
A− A+
737 · ص364
الشديد، ولهذا قال الشَّارح: وفي الحديث: أن المرور بين يدي المصلي مذموم، وفاعله مرتكب الإثم. وقال النَّووي: فيه: دليل على تحريم المرور، فإنَّ في الحديث النَّهي الأكيد، والوعيد الشديد، فيدل على ذلك. قلت: فعلى ما ذكره ينبغي أن يكون المرور بين يدي المصلي من الكبائر، اختلف في تحديد ذلك؛ فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبينه ثلاثة أذرع، وقيل: بينهما قدر رمية حجر، وقد مر الكلام فيه، انتهى، قلت: والقول الأول هو الصَّواب، وعليه الجمهور من أولي الألباب. (قال أبو النَّضْر)؛ بفتح النُّون، وسكون المعجمة: هو سالم بن أبي أمية المذكور في السند السَّابق: (لا أدري أقال)؛ بهمزة الاستفهام، ولأبي ذر: بإسقاطها، لكنها مقدرة، وفاعله بُسر بن سعيد، وهو من كلام مالك. وزعم الكرماني أن فاعله بسر أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إما من كلام مالك؛ فهو مسند، وإما تعليق من البخاري. وردَّه إمامنا الشَّارح، فقال: (الظَّاهر من اللَّفظ: أنَّه بُسر بن سعيد، وهو من كلام مالك وليس من تعليق البخاري؛ لأنَّه ثابت في «الموطأ» من جميع الطرق، وكذلك هو ثابت في رواية النَّووي وابن عيينة) انتهى، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني؛ فليحفظ. (أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة؟) : وللبزار: (خريفًا)، ولابن ماجه: (أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعة)، ولابن حبان: (مئة عام)، كما قدمناه، وإنما ذكر هذا؛ لأنَّه ذكر العدد؛ أعني: (أربعين)، ولا بد له من مميز؛ لأنَّه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا، فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قلت: قال الكرماني: وأبهم الأمر؛ ليدل على الفخامة، وأنَّه مما لا يقادر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، انتهى. وردَّه الشَّارح، فقال: (الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معين، ألا ترى كيف تعين فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة: «لكان أن يقف مئة عام...»؛ الحديث؟ وكذا عيَّن في «مسند البزار» من طريق سفيان بن عيينة: «لكان أن يقف أربعين خريفًا») انتهى. وقال الكرماني: (فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: هي أسرار، وأمثالها لا يعلمها إلا الشَّارع، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين؛ كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأنَّ أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أريد التكثير؛ ضوعف كل واحد إلى عشرة أمثاله) انتهى. واعترضه الشَّارح، فقال: (غفل الكرماني عن رواية المئة حيث قصر في بيان الحكمة على الأربعين). وزعم ابن حجر في التنكيت على الكرماني: بأن هذه الرواية تشعر بأن إطلاق (الأربعين) للمبالغة في تعظيم الأمور لا لخصوص عدد معين. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا ينافي رواية المئة بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في كل منهما؛ لأنَّ لقائل أن يقول: لم أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر؟ ولِمَ لَمْ يذكر الخمسين أو الستين أو نحو ذلك؟ والجواب الشافي في ذلك: أن تعيين الأربعين الوجه الذي ذكره الكرماني، وأمَّا وجه ذكر المئة؛ فما ذكره الحافظ الطَّحاوي: أنَّه قيد بالمئة بعد التقييد بالأربعين؛ لزيادة في تعظيم الأمر على المار؛ لأنَّ المقام مقام زجر، وتخويف، وتشديد. فإن قلت: من أين علم أن التقييد بالمئة بعد التقييد بالأربعين؟ قلت: وقوعهما معًا مستبعد؛ لأنَّ المئة أكثر عددًا من الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المئة؛ لعدم الفائدة، وكلام الشَّارع كله حكمة وفائدة، والمناسبة أيضًا تقتضي تأخير المئة عن الأربعين. فإن قلت: قد علم وجه الحكمة في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المئة؟ قلت: المئة وسط بالنسبة إلى العشرات والألوف، وخير الأمور أوساطها، وهذا مما تفردت به) انتهى كلام إمامنا الشَّارح الحافظ بدر الدين العيني قدس سره العزيز، ونفعنا به في الدارين. ثم قال: (وفي الحديث: عموم النَّهي لكل مُصلٍّ، وتخصيص بعضهم بالإمام والمنفرد؛ لا دليل عليه، وفيه: طلب العلم، والإرسال لأجله، وفيه: جواز الاستنابة، وفيه: أخذ العلماء بعضهم من بعض، وفيه: الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو؛ لإرسال زيد بن خالد بُسَر بن سعيد إلى أبي جُهيم، ولو طلب العلو؛ لسعى هو بنفسه إلى أبي جُهيم، وفيه: قبول خبر الواحد) انتهى. ومراده بقوله: (وتخصيص بعضهم...) إلى آخره: بعض المالكية؛ لأنَّ سترة الإمام سترة لمن خلفه فانتفى ١ المأموم، ورُدَّ بأنَّه لا يطابق المدعى؛ لأنَّ السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد. وقال ابن بطال: فُهِم من قوله: (لو يعلم) : أن الإثم يختص بمن يعلم بالمنهي وارتكبه، واعترضه ابن حجر: بأنَّه بعيد. وردَّه الشَّارح: بأنَّه ليس فيه بُعد؛ لأنَّ (لو) للشرط، فلا يترتب الحكم المذكور إلا عند وجود العلم، انتهى. قلت: ويدل عليه قول النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنِّسيان وما استكرهوا عليه»؛ ومعناه: رفع الإثم عند الجمهور، فالذي لم يعلم مخطئ بالفعل المذكور، وهو غير مؤاخذ به؛ لعدم علمه، لا يقال: يعارضه قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣]؛ لأنَّا نقول: إن معناه: فاسألوهم حين وجودهم، أمَّا عند عدم وجودهم؛ فالإثم مرفوع؛ للحرج، كما إذا كان في مفازة، أو في الصحراء، أو مسافرًا، أو في قرية، أو نحوها، وفي هذه الأماكن لا يوجد من أهل الذكر أحد، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فرفع عنه الإثم للحرج، كما لا يخفى. وزعم ابن حجر أنَّ ظاهر الحديث أن الوعيد يختص بمن مر، لا بمن وقف عامدًا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة التشويش على المصلي؛ فهو في معنى المار، انتهى. قلت: ظاهر الحديث يخالفه، فإن من وقف بين يديه، أو جاء وقعد، أو جاء ورقد؛ فهو مار حقيقة وزيادة، فإن المار عابر سبيل، أمَّا هذا؛ فقد زاد؛ لأنَّه مر بين يديه، وزاد عليه الوقوف أو القعود أو الرقود، فهو مَارٌّ حقيقة، وليس العلة كما زعمه، وإنَّما العلة ما قاله النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: «فإنَّما هو شيطان»، كما سبق. وذكر ابن دقيق العيد: أنَّ بعض المالكية قَسَّم أحوال المار والمصلي أربعة أقسام؛ الأول: أن يصلِّي إلى سترة في غير مشرع وللمار مندوحة؛ فيأثم المار دون المصلي، الثاني: أن يصلِّي في مشرع مسلوك بغير سترة أو متباعدًا عن السترة ولا يجد المار مندوحة؛ فيأثم المصلي دون المار، الثالث: أن يصلِّي بغير سترة ويجد المار مندوحة؛ فيأثمان جميعًا، الرابع: أن يصلِّي إلى سترة، لكن لا يجد المار مندوحة؛ فلا يأثمان جميعًا، انتهى. قلت: ونقل ذلك المحقق ابن أمير حاج الحلبي في «شرحه على المنية»، ثم قال: وقواعدنا لا تأباه، قلت: لكن في الصورة الرابعة ينبغي أن يأثم المار فقط؛ لأنَّه يمكنه
١ في الأصل: (فانتقى)، وهو تصحيف.
738 · ص365
أن ينتظر المصلي حتى يفرغ من صلاته أو يضع هو له سترة ثم يمر، وقد يقال: إنَّه في أمر مهم يخاف فوته إن انتظر، ولم يجد شيئًا يضعه سترة؛ فحينئذ لا يأثم للحرج، والأعمال بالنيات، والله يعفو عن الزلات، ويثيب على الحسنات، ويغفر السيئات. (١٠٢) [باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلي] هذا (باب) حكم (استقبال الرجل الرجل) وفي (الفرع) من غير تكرار (وهو يصلِّي)؛ أي: والحال أنَّه يصلِّي، فالواو للحال، والسين والتَّاء للطلب؛ أي: إقبال، وعلى الأولى هو من إضافة المصدر إلى فاعله، و (الرجل) مفعوله، وعلى الثانية من إضافة المصدر إلى مفعوله أو فاعله، وعليهما؛ فجملة: (وهو يصلِّي) : محلها نصب على الحال من الفاعل المذكور أو المحذوف لا من المفعول فيهما، وقال الكرماني: يحتمل عود لفظ (هو) إلى الرجل الثاني، فيكون الرجلان متواجهين، وإلى الأول فلا يلزم التواجه، وذلك يتصور في الصلاة عند الكعبة، وللأربعة زيادة: (هل يكره أم لا؟)، وفي نسخة الصغاني: (استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته وهو يصلِّي)، وكذا في أصل الفرع. وظاهر التَّرجمة يدل على أنَّ الاستقبال مكروه مطلقًا سواء شغل بال المصلي أو لا. وزعم ابن حجر إلى التفصيل بين ما إذا ألهاه؛ فيكره، أو عدمه؛ فلا يكره، وإلى هذا جنح المصنف، وجمع بين ما ظاهره الاختلاف، انتهى. قلت: هذا التفصيل لا دليل عليه وليس في التَّرجمة ولا في الآثار وغيرها ما يدل عليه ولا إشارة إليه، وإنما الذي جنح إليه البخاري ودلت ترجمته والآثار عليه؛ هو أنَّ الاستقبال في الصلاة مكروه مطلقًا شغل البال أو لا، ويدل عليه أنَّه يفيد التعظيم له، وهو يشبه الصلاة إليه، فيكون تشبهًا بأهل الكتاب، وهو مكروه؛ فافهم. وعلل بعض أئمتنا الأعلام الكراهة بأنَّه تشبه بعبادة الصورة، قال القاضي عياض: وهو قول عامة العلماء، وقد روى البزار عن علي رضي الله عنه: (أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره بإعادة الصلاة)، قال أئمتنا الأعلام: إنَّما أمره بالإعادة؛ لإزالة الكراهة لا لفساد الصلاة، فما زعمه ابن حجر فاسد الاعتبار؛ فافهم، وسيأتي بقية الكلام عليه. (وكره) بالتشديد والتخفيف (عثمان) هو ابن عفان، أحد الخلفاء الراشدين، الأموي شهيد الدار، القائم بالأسحار، الذي تستحي منه ملائكة الغفار رضي الله تعالى عنه (أن يُستقبل)؛ بِضَمِّ التحتية مبنيًّا للمفعول (الرجلُ)؛ بالرفع نائب فاعل، وقوله: (وهو يصلِّي) : جملة اسمية محلها نصب على الحال من (الرجل)، ويجوز أن يكون قوله: (يَستقبل)؛ بفتح التحتية مبنيًّا للفاعل، و (الرجلُ) : فاعله، والمفعول محذوف؛ تقديره: شخصًا آخر، وجملة: (وهو يصلِّي) : محلها نصب على الحال من المفعول، وعلى الأول اقتصر الكرماني، وذكر الوجهين إمامنا الشَّارح، وتبعه القسطلاني، والعجلوني، وغيرهما. ومطابقة هذا الأثر للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّه دال على كراهة استقبال الرجل الرجل، وهو يصلِّي. وزعم ابن حجر: أن هذا الأثر عن عثمان لم أره، وإنما رأيت في «مصنف ابن أبي شيبة» و «مصنف عبد الرزاق» وغيرهما من طريق هلال بن يسار عن عمر بن الخطاب: (أنه زجر عن ذلك)، وفيهما أيضًا عن عثمان ما يدل على عدم كراهته ذلك؛ فليتأمل؛ لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل تصحيف من (عمر) إلى (عثمان) انتهى. وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لا يلزم من عدم رؤيته هذا الأثر عن عثمان ألَّا يكون منقولًا عنه، وليس بسديد زعم التصحيف بالاحتمال الناشئ عن غير دليل. فإن قلت: روايةُ عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عثمان بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليلُ الاحتمال. قلت: لا نسلم ذلك؛ لاحتمال أن يكون المنقول عنه آخرًا بخلاف ما نُقِل عنه أولًا؛ لقيام الدليل عنده بذلك) انتهى كلامه. وقد نقل العجلوني عبارة إمامنا الشَّارح هنا باختصار مخل، ثم قال: ولو اعترض قوله: (لاحتمال أن ما وقع هنا تصحيف)؛ لكان أقوى مع أن الشَّارح قد اعترض قوله ذلك كما علمت، وإنما أوقع العجلوني اختصاره المخل؛ فافهم؛ يعني: أنَّ دعوى التصحيف لا دليل عليها، ولا ينبغي التكلم بها؛ لما يلزم منها سوء الأدب مع الرواة، ووقوع الخلل في كلامهم وروايتهم، وهو قول صادر من غير تأمل؛ فاجتنبه. وقوله: (وهذا) كذا في رواية أبوي ذر والوقت، والأصيلي، ولغيرهم: (وإنَّما هذا)؛ أي: الذي كرهه عثمان رضي الله عنه (إذا اشتغل)؛ أي: المستقبل المصلي (به)؛ أي: بالرجل الآخر مطلقًا سواء كان مصليًا أو لا، فلا وجه لما زعمه العجلوني من التقييد بالمصلي؛ لأنَّ المصلي لا يشتغل بالمصلي، كما لا يخفى، وذلك عن الخشوع، وحضور القلب، ونحوهما من آداب الصلاة، (فأمَّا إذا لم يشتغل به)؛ أي: فلا بأس، فالجواب محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه. قال الشَّارح: (هو من كلام البخاري يشير به إلى التفصيل؛ وهو أن استقبال الرجل الرجل في الصلاة إنَّما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلي؛ لأنَّ علة الكراهة هي كف المصلي عن الخشوع وحضور القلب، وأمَّا إذا لم يشغله؛ فلا بأس به) انتهى. قلت: والغالب أن المستقبل المصلي يشتغل بالرجل الآخر الذي أمامه، وسواء كان مصليًا أو لا، ومن غير الغالب قد لا يشتغل، لكنه نادر، وهو لا حكم له، فبقيت الكراهة؛ فليحفظ. واستدل البخاري لما ذكره بقوله: (فقد قال زيد بن ثابت) هوالأنصاري النجاري الفرضي، كاتب وحي النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (ما باليت)؛ أي: ما أكترث ١ بالاستقبال المذكور، يقال: لا أباليه؛ أي: لا أكترث له، وقوله: (إنَّ) بكسر الهمزة (الرجل لا يقطع صلاة الرجل) : استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة. وأقول: ما ذكره البخاري من أثر زيد بن ثابت لا ينهض دليلًا لما قاله؛ لأنَّ المراد بالقطع: الفساد لا الكراهة، ويدل عليه أنهم استعملوا القطع بمعنى الفساد في الأحاديث والآثار؛ فقد روى عبد الرزاق عن الحَكَم بن عمرو الغفاري الصَّحابي: (أنَّه صلى بأصحابه في سفر وبين يديه سترة، فمرت حَميرٌ بين يدي أصحابه، فأعاد لهم الصلاة، ثم قال لهم: لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم)، وروى مسلم في «صحيحه» عن أبي ذر: (أن مرور الحمار يقطع الصلاة)، وفي حديث أبي داود: (أن الحمار والغلام يقطعان الصلاة)، فهذا يدل على أنَّ المراد بالقطع: الفساد لا الكراهة؛ لأنَّ الحَكَم قد أعاد الصلاة بأصحابه وعبَّر بالقطع، كما لا يخفى. على أنَّه روى أبو نعيم في كتاب «الصلاة» : حدثنا مسعر قال: أراني أول من سمعه من القاسم قال: (ضرب عمر رضي الله عنه رجلين؛ أحدهما مستقبل، والآخر يصلِّي)، ثم روى عن سعيد بن جبير: (أنه كره أن يصلِّي وبين يديه مخنث محدث)، وقد ذكرنا عن عمر: أنه زجر عن ذلك، كما رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ولا يخفى أن الضرب والزجر لا يكون إلا لأمر مكروه تحريمًا، وقدمنا عن البزار عن علي: (أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي إلى رجل، فأمره بإعادة الصلاة)، وإنما أمره بذلك لإزالة الكراهة؛ لأنَّ كل صلاة أُديت مع الكراهة يطلب إعادتها، كما نص عليه أئمتنا الأعلام رضي الله عنهم أجمعين. وكره ابن مسعود رضي الله عنه الصلاة خلف المتحدثين، وقال نافع: (كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد؛ قال لي: ولِّ ظهرك)، وهو قول مالك، وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلا بعد الجمعة. والإمام الأعظم
١ في الأصل: (أكثرت)، وهو تصحيف، وكذا في الموضع اللاحق.
→ prev 737–738 / 750 next ←