55 · ص21 · ج4
وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ المَرِيضَ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ لَا. وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتِيلِ إسْلَامٌ أَوْ أَمَانٌ، فَيُهْدَرُ الحَرْبِيُّ وَالمُرْتَدُّ، وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ. وَالزَّانِي المُحْصَنُ إنْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ قُتِلَ بِهِ
ولو قتل مسلما تترس به المشركون بدارهم فإن علم إسلامه لزمته ديته وإلا فلا (ولو ضرب) من لم يبح له الضرب (مريضا جهل مرضه ضربا يقتل المريض) دون الصحيح غالبا (وجب القصاص) عليه؛ لتقصيره، فإن عفى على الدية فكلها على الضارب وإن فرض أن للمرض دخلا في القتل (وقيل لا) يجب عليه; لأن ما أتى به غير مهلك في ظنه، ويردُّ بأنه لا عبرة بظنه مع تحريم الضرب عليه، ومن ثم لم يلزم نحو مؤدب ظن أنه صحيح، وطبيب سقاه دواء على ما يأتي آخر الفصل؛ لظنه أنه محتاج إليه إلا دية شبه العمد. ولو علم بمرضه أو كان ضربه يقتل الصحيح أيضا وجب القود قطعا.
واعلم أن للقود شروطا في القتل قد مرت وفي القاتل وستأتي وفي القتيل كما قال (ويشترط لوجوب القصاص) بل والضمان من أصله على تفصيل فيه (في القتيل إسلام ١ مع عدم نحو صيال وقطع طريق؛ للخبر الصحيح ((فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)) (أو أمان) يحقن دمه بعقد ذمة أو عهد أو أمان مجرد -ولو من الآحاد- أو ضرب رق; لأنه به يصير مالا للمسلمين ومالهم في أمان لعصمته حينئذ، ويشترط للقود وجود العصمة التي هي حقن الدم من أول أجزاء الجناية كالرمي إلى الزهوق كما يأتي (فيهدر) بالنسبة لكل أحد الصائل إذا تعين قتله في دفع شره، و (الحربي) ولو نحو امرأة وصبي؛ لقوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} التوبة: ٥ (والمرتد ٢ إلا على مثله كما يأتي؛ للخبر الصحيح ((من بدل دينه فاقتلوه))، ويفرق بينه وبين الحربي بأنه ملتزم فعصم على مثله ولا كذلك الحربي (ومن) مبتدأ (عليه قصاص كغيره) في العصمة في حق غير المستحق فيقتل قاتله وقاطع الطريق المتحتم قتله وتارك الصلاة ونحوهما مهدرون إلا على مثلهم كما أشار إليه بقوله: (والزاني المحصن إن قتله ذمي) -والمراد به غير الحربي- أو مرتد (قتل به)؛ إذ لا تسليط لهما على المسلم ولا حق لهما
١. أفاد الشارح في باب النجاسات أن المتولد بين آدمي ومغلظ يقتل بالحر المسلم والعكس ١/ ٢٩١.
٢. بل ذكر الشارح في كتاب الردة أنه لو تعدى بسكره وارتد صحت ردته وعليه فإن قُتِل في سكره فلا شيء فيه.
56 · ص22 · ج1
اشتغالُه بالفقه:
ثمّ بعد تحصيله الحديثَ على هؤلاء الأجلّة اشتغل بالفقه ودراسة متونه، فبذل فيه جُهْده وفرّغ إليه وقته، فقرأ فيه على جماعة كثيرين قال فيهم الشيخ رحمه الله: ((تفقهتُ بجماعة كثير لا يحتمل الزمانُ ذكرهم على سبيل الاستيعاب)).
ومن هؤلاء: الإمامُ شهاب الدين أحمد الرّملي، والإمام ناصر الدين الطبلاوي، وتاج العارفين الإمام الكبير أبي الحسن البكري، وغيرهم.
قال الفاكهي: ((اشتغل بحلِّ متونه، فبذل فيه جهده وماء عيونه، حتى أجازه المذكورون وغيرهم في أواخر سنة تسعٍ وعشرين بالإفتاء والتدريس وعمره دون العشرين من غير سؤال منه في ذلك)).
وقد ذكر الفاكهي أيضاً: أن أكثر من انتفع به الشيخُ ابن حجر في الفقه من مشايخه المذكورين هو شيخه الطبلاوي الشافعي، قال: حتى قيل: ((هو الذي حنكه بلبان التعليم، ودرجه في مدارج التفهم والتفهيم، وبلغه في الفقه أشده)). لكن بمعونة المطالعة لدروس التقسيم على الشهاب العالم الصالح البلقيني في عنفوان الطلب القديم.
ثم قال: ((ثم أكثر مَن لازمه بعد أن تميز بالفضيلة وبلوغ الأشد شيخاه الجليلان الذي أحدهما كالساعد والسعد، والآخر كالسيد والعضد الشيخ أبو الحسن تاج العارفين البكري الصديقي الشافعي فريد عصره في الحفظ والفصاحة والعرفان، الذي كاد أن يفصح إن لم يكن أفصح أنه مجتهد الزمان، وشيخه الشيخ شهاب الدين الرملي الأنصاري الشافعي فقيه مصر المتقدم في كلام شيخنا أنه من أجل جماعة شيخ الإسلام زكريا ولعل ذلك لا يختلف فيه اثنان.
غير أن شيخه التاج البكري أعانه على الطلب وقوام الأود أو بعضه وأنزله في منزله وجعله من خواص أتباعه وأهله بأهله … )).