23 · ص12 · جالكتاب
قال: فلهذا تمنّيْتُ موته ١.
* * *
أبو منصور هِبةُ الله بن علىّ بن عَقِيل (*)
تُوفِّىَ لأربَعَ عَشْرةَ سنة.
كان قد حَفِظ القرآن، وتفقَّه، وتُوفّى وهو ابن أربعَ عَشْرةَ، ولمَ يَبلُغْ. وكان له كلامٌ يدلُّ على عَقْلٍ غَزيرٍ وفَهْمٍ ودِينٍ.
قرأتُ بخَطِّ أبيه أبى الوفاء -وكان هذا الصَّبىُّ قد طال مرضُه، وأنْفَق عليه أبوه مالًا فى المرض وبالَغَ- قال أبو الوفاء: قال لى ابْنِى لمَّا تقَارَبَ أجَلُه: يا سَيِّدى، قد أنفَقْتَ وبالَغْتَ فى الأدوية والطبِّ والأَدْعية، وللهِ سبحانه فِىَّ اخْتِيارٌ، فدَعْنِى مع اختيار الله تعالى.
قال أبو الوفاء: فو اللهِ ما أنْطَقَ اللهُ سبحانه وَلدى بهذه المَقالَةِ التى تُشاكِلُ قولَ إسحاقَ لإِبراهيمَ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ٢ إلَّا وقد اختاره اللهُ للحُظْوة ٣.
* * *
١ تاريخ بغداد ٦/ ٣٧، وطبقات الحنابلة ١/ ٨٩، ٩٠، وبرد الأكباد عند فقد الأولاد ص ٢٩ وذكره المصنِّف فى أثناء ترجمة "الحربى" من صفة الصفوة ٢/ ٤٠٩، ٤١٠.
(*) وُلد فى ذى الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتُوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة المنتظم ٩/ ٩٧، والذيل على طبقات الحنابلة ١/ ١٦٥، والمنهج الأحمد ٢/ ٢٣٢، وشذرات الذهب ٤/ ٤٠.
٢ سورة الصافات ١٠٢.
وقوله: "التى تُشاكل قول إسحاق لإِبراهيم" هذا على أن الذَّبيح هو إسحاق، وهو أحد قولين، والقول الثاني أنه إسماعيل. وقد نصره الإِمام ابن قيّم الجوزيَّة رحمه الله، قال: "وإسماعيل هو الذّبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين، ومَن بَعْدهم.
وأما القولُ بأنه إسحاق فباطلٌ بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس اللهُ رُوحَه يقول: هدا القولُ إنما هو مُتلقَّى عن أهل الكتاب، مع أنه باطلٌ بنَصّ كتابهم، فإنَّ فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنَه بِكْرَه، وفى لفظٍ: وَحِيدَه، ولا يشكُّ أهلُ الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بِكْرُ أولادِه. والذى غَرَّ أصحابَ هذا القول أن فى التوراة التى بأيديهم: اذبحْ ابنَكَ إسحاق، قال: وهذه الزيادة مِن تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تُناقض قولَه: اذبَحْ بِكْرَك ووحيدَك، ولكنَّ اليهودَ حسدَتْ بنى إسماعيل على هذا الشَّرف، وأحبُّوا أن يكون لهم، وأن يَسُوقُوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دُونَ العرب، ويأبى اللهُ إلَّا أن يَجعلَ فضْلَه لأهلِه. . ." زاد المعاد ١/ ٧١، ٧٢. وانظر زاد المسير ٧/ ٧٢، ٧٣، وتفسير ابن كثير ٧/ ٢٣.
٣ بهامش الأصل: "فى كتاب الثَّبات عندَ الممات لابن الجوزى: قال أبو الوفاء بن عقيل: مات ولدى عقيل، وكان قد تفقَّه وناظرَ وجمَع أدبًا حَسَنًا، فتعَزَّيْتُ بقصَّة عَمرِو بن عبد وُدّ الذى قتله علىُّ بن أبى طالب، فقالت أُمُّه تَرْثيه:
لو كان قاتلُ عَمرٍو غير قاتِلِه ... ما زِلتُ أبكى عليه دائمَ الأَبَدِ
لكنَّ قاتلَهُ مَن لا يُقادُ به ... من كان يُدْعَى أبوه بَيْضَةَ الَبَلدِ" =
24 · ص13 · جتقديم
الكتاب بين مؤلفات ابن الجوزى التاريخيّة
يُعدّ ابن الجَوزيّ من المصنِّفين المكثرين، وقد قال عنه الحافظ الذهبىّ: "وما علمتُ أحدًا من العلماء صنَّفَ ما صنَّف هذا الرجل" ١.
وقد دارت تصانيف ابن الجوزيّ حول معظم فنون العربيّة: فى التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب والوعظ والتصوّف.
ويحتلُّ "التاريخ" مكانة بارزة فى مؤلفات ابن الجوزي، ومن أشهر مصنَّفاته التاريخية مما هو مطبوع: المنتظم، وصفة الصفوة، وشذور العقود فى تاريخ العهود، وتلقيح فهوم أهل الأثر، وكتاب القُصّاص والمذكِّرين، والذهب المسبوك فى سير الملوك، وعقلاء المجانين، وأخبار الأذكياء، وأخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار الظُّرَّاف والمتماجنين، والمصباح المضئ فى خلافة المستضئ، ومَشْيَختُه ٢.
ولمَّا كان ابن الجوزى قد وُلد سنة ٥١٠ تقريبًا، وهذا الكتاب (أعمار الأعيان) قد قرئ عليه سنة ٥٨٥، فيكون قد صنَّفه وهو فى نحو الخامسة والسبعين، وهى سِنُّ مِن مَضَى به العُمْرُ والتصنيف أشواطًا بلغتْ به المدى. فيكون رحمه الله قد وظَّف معارفَه التاريخية فى هذا الكتاب، وأقامه على هذا المنهج الذى لم يُسْبَق إليه، كما أشَرْت، فالذى يؤلف كتابًا فى الأعمار، لابدّ أن يكون قد مارس التاريخ طويلًا، ونظر فى تراجم الناس كثيرًا، ووقف عند مواليدهم ووفياتهم، ثم خَصَم وطَرَح، حتى يستقيم له هذا المنهج.
* * *
١ تذكرة الحفاظ ص ١٣٤٤. وفد صنَّف الأستاذ عبد الحميد العَلَوْجِيّ كتابًا فى مصنفات ابن الجوزى سمَّاه: مؤلفات ابن الجوزى، وطبع ببغداد سنة ١٣٨٥ هـ = ١٩٦٥ م، واستدركتْ عليه وزادتْ أشياء الدكتورة ناجية عبد الله إيراهيم، في عَمَلٍ سَمَّتْه: قراءة جديدة فى مؤلفات ابن الجوزى، وطبع ببغداد أيضًا سنة ١٩٨٧.
٢ انظر: التاريخ العربى والمؤرِّخون -للدكتور شاكر مصطفى - الجزء الثاني ص ١٠٩ - دار العلم للملايين - بيروت ١٩٨٧ م، وانظر الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ- الفهارس ص ٤٢٣.