131 · ص142
الوليد الباجي، وأبي العباس العذري وجماعة غيرهم يكثر تعدادهم سمع منهم وكتب الحديث عنهم.
وكان: من جهابذة المحدثين، وكبار العلماء المسندين. وعني بالحديث وكتبه وروايته، وضبطه. وكان حسن الخط جيد الضبط، وكان له بصر باللغة والإعراب، ومعرفة بالغريب والشعر والأنساب وجمع من ذلك كله ما لم يجمعه أحد في وقته. ورحل الناس إليه وعولوا في الرواية عليه، وجلس لذلك بالمسجد الجامع بقرطبة وسمع منه أعلام قرطبة وكبارها وفقهاؤها وجلتها. وأخبرنا عنه غير واحد من شيوخنا ووصفوه بالجلالة والحفظ والنباهة، والتواضع والتصاون.
وذكره شيخنا أبو الحسن بن مغيث فقال: كان من أكمل من رأيت علما بالحديث ومعرفة بطرقه، وحفظاً لرجاله، عانا كتب اللغة، وأكثر من رواية الأشعار، وجمع من سعة الرواية ما لم يجمعه أحدٌ أدركناه. وصحح من الكتب ما لم يصححه غيره من الحفاظ. كتبه حجة بالغة، وجمع كتاباً في رجال الصحيحين سماه: بتقييد المهمل وتمييز المشكل، وهو كتابٌ حسنٌ مفيدٌ أخذه الناس عنه وسمعناه على القاضي أبي عبد الله بن الحاج عنه.
قرأت بخط أبي علي رحمه الله في كتابه: أنا حكم بن محمد قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن رزيق، قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البغداذي الوراق، قال: سمعت ابن الأصم، يقول: سمعت أبي يقول إذا رأى أصحاب الحديث:
أهلا وسهلا بالذين أحبهم ... واودهم في الله ذي الالآء
أهلا بقوم صالحين ذوي تقى ... غر الوجوه وزين كل ملاء
يا طالبي علم النبي محمدٍ ... ما أنتم وسواكم بسواء
132 · ص143
وتوفي أبو علي رحمه الله ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ثمانٍ وتسعين وأربع مائة. ودفن يوم الجمعة بمقبرة الربض عند الشريعة القديمة. ومولده في المحرم سنة سبع وعشرين وأربع مائة. وكان قد لزم داره قبل موته بمدة لزمانة لحقته.
حسين بن محمد بن فيرة بن حيون بن سكرة الصدفي: من أهل سرقسطة سكن مرسية، يكنى: أبا علي.
روى بسرقسطة عن أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي محمد عبد الله ابن محمد بن إسماعيل وغيرهما. وسمع ببلنسية: من أبي العباس العذري، وسمع بالمرية: من أبي عبد الله محمد بن سعدون القروي، وأبي عبد الله بن المرابط وغيرهما. ورحل إلى المشرق أول محرم سنة إحدى وثمانين وأربع مائة في البحر وحج من عامه، ولقي بمكة أبا عبد الله الحسين بن علي الطبري إمام الحرمين، وأبا بكر الطرطوشي وغيرهما، ثم صار إلى البصرة فلقي بها أبا يعلى المالكي، وأبا العباس الجرجاني، وأبا القاسم ابن شعبة وغيرهم.
وخرج إلى بغداذ فسمع بواسط من أبي المعالي محمد بن عبد السلام الأصبهاني وغيره. ودخل بغداذ يوم الأحد السادس عشرة من جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانين فأطال الإقامة بها خمس سنين كاملة. وسمع بها من أبي الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون مسند بغداذ، ومن أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وأبي محمد رزق الله ابن عبد الوهاب التميمي، وأبي الفوارس طراد بن محمد الزينبي، وأبي عبد الله الحميدي وتفقه عند الفقيه أبي بكر الشاشي وغيره.
وسمع: من جماعة سواهم من رجال بغداذ ومن القادمين عليها أيام كونه بها، ثم رحل عنها في جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين فسمع بدمشق: من أبي الفتح نصر ابن إبراهيم المقدسي، وأبي الفرج سهب بن بشر الإسفرايني وغيرهما. وسمع بمصر: من القاضي أبي الحسن علي بن الحسين الخلعي، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الرازي