← المكتبة ▭ 1 page
عذابات العلم
خلدون ربابعة الرقائق والآداب والأذكار
A− A+
43 · ص49
سيدي الفاضل: أنت تقيم في مجتمع يعجُّ بالفتن وانا أعرف محيطه وحالته الاجتماعية ... ، ألا تعرضت لعلاج الفتن من حولك خير لك مما أجهدت نفسك في تحصيله. حقا إنه جهد في أشياء لا حاجة لها ولا فائدة منها. زارني في بيتي صديق عزيز من طلاب العلم الفضلاء نظر إلى مكتبتي -وأنا والحمد لله أممتلك مكتبه كبيره- كرَّر النظر إلى الكتب مراراً .... ثم سألني بخجل واستحياء وقال: شيخي العزيز: أنا أعتقد أن الكثير من الكلام مكرَّر بين الكتب ولا داعي لاقتناء بعضها. ثم وقفت بجانب المكتبة وقلت لا نُنكر أن شخصية الكاتب تظهر في كتابه، وأن كل كاتب يحاول الإضافة في السياق أو الأسلوب أو النتائج أو غير ذلك. لكن ... صدقت فعلاً هناك كتب مكررة، وإن لم تكن مكرره لكنك تجد كثيراً من الكتب ما يزيد على ٥٠% من مادة الكتاب مكرر. فعجبت من معرفة هذا الطالب النجيب مع أنه لا يزال في بداية طريقه العلمي، ومن غريب ما حدث مع هذا
44 · ص50
الطالب أني حين كنت أكتب هذه السطور، كنت وحدي ليس أمامي أحد وفي مكان بعيد عن مقام الطالب لكن وأنا أكتب عن فكرته التي أفادني طرحه وإذ بالطالب يمر أمامي. وبعد طرح هذه الفكرة من الطالب عهدت إلى المكتبة وأخذت وحسب خبرتي في الكتب أسحب الكتب المكررة في مضمونها أسحبها إلى الخارج قليلاً بين الكتب حتى وصلت إلى نتيجة أن أغلب الكتب مكرر ليس في العنوان بل في المضمون. وعندما كنا نتشرف بقراءة كتب الفقه في مجالس الإسناد كان يُقال لنا: إن الكتاب الذي تزداد شروحه وتكثر الحواشي عليه هو كتاب هام جدا، ومن أجلِّ كتب التراث، ثم تضرب لنا الأمثلة ببعض كتب الفقه مثلا مثل مختصر القُدوري في فقه الحنفي، والمنهاج للنووي في الفقه الشافعي وكلاهما شُرح عشرات المرَّات. وهذه الشروحات الكثيرة ضربٌ من الحشو الزائد وبذل الجهد فيما أُلِّف وكتب فيه، وتكرار لنفس المعلومة بعبارة أخرى جديدة ربما تحمل نوعا من الجدَّة.
→ prev 43–44 / 139 next ←