43 · ص39 · ج1
- ٦ -
سقطت في هذه الخربة أقلب جسمي على الأحجار وأرمق بعيني آثار أهلي وقصورهم المتهدمة ولكن لا أستطيع حراكاً حتى كنت أغالب هذا الأفرنجي وأصل إلى مقري ومنشأ عزي فأعالج نفسي بحشائش ترتبي وعقاقير أرضي من يد أطباء بلادي وصيادلة دياري فإن قويت عليّ فاحملني وإن تأذيت من صديدي فاجمع إليّ قومي لعلي أجد فيهم من يقبل على جيفتي ويسعى في نجاتي فقام هذا الزائر يضرب الكف بالكف أسفاً ويعض أنامله غيظاً وأسرع إلى الحي ونادى. أيتها القبور الصامتة انشقي وانفرجي وابعثي من فيك من الأموات فقد أتت الطامة الكبرى وانكدرت نجوم النشور. ويا أيتها الأرواح الخامدة هلمي إلى أجسامك البالية فأقيميها من موتتها وابعثيها في الوجود لتنظر هذا الذي تشقى بعدمه وتحاسب عليه.
فلم يكن إلا كلمح البصر حتى ملئ الفضاء بأناس لا عداد لهم يقدمهم طبيب بارع قد
استصحب معه جملة من الأطباء وساروا إلى تلك الجيفة واحتاطوا بها يقلبونها عن اليمين وعن الشمال ويفرعون صدرها ويجسون نبضها حتى وقفوا على دائها وعلموا أصل مصابها فحكموا على صاحبها بانتزاحه عنها وعدم قربه منها فوضوا أمر هذا المصاب إلى الطبيب البارع يتولى علاجه ويداوي جراحه فطلب من بقية الأطباء أن يرافقوه في هذه المعالجة ليتقوى بأفكارهم على ما يصلح به هذا الجسد الشريف وبعد تبادل الأفكار بينهم قرّ الرأي على أنهم يركبون له دواء يوقف سري الداء الآن حيث تحكم وتمكن بعد ذلك يتداولون فيما يزيل المرض ويعيد الصحة فتعلق بهم أهله يسألونهم الإسراع في معالجته والاجتهاد في دفع مصابه فترضتهم الأطباء وسألتهم الهدوء والسكون ومساعدتهم في خدمته وتنظيف محله وتطهير أعضائه وحفظه بحيث لا يتركون الغرباء يتولون خدمته ولا يمكنون الأجانب من الوصول إليه خوفاً من إفسادهم العلاج وسعيهم في إتلافه أكثر مما صنعوه به فكثر صياح أهله وعلت أصواتهم بالعويل ووضعوا أيديهم على أكبادهم وتصبروا وابتدأوا يعملون بمشورة الأطباء ويبذلون الجهد في وقايته وصيانته من كل من كان من جنس مصيبيه. قال الراوي وينما أنا أبكي وأنوح مع هؤلاء المساكين وإذا بالمؤذن ينادي حي على الفلاح فقمت لأقضي الفرض وأعود لمباشرة الخدمة مع إخواني إذ لم أرَ قبل هذا اجتماع مجلس طبي على مصاب بالإفرنجي.
تذكار
ملخص من بداية القدماء
دلت التواريخ على أن المصريين من أقدم الأمم المتمدنة وكانت هذه المملكة من عهد الأنبياء زاهية بهية وزعم المتقدمون من أهلها أن أول من حكمها الآلهة وإن أولهم (بركان) حكمها تسعة آلاف سنة وإن كوكب الشمس
44 · ص40 · ج1
- ٧ -
المسمى (إزريس) وزوجته القمر المسماة (إزيس) وأخاها عطارد المسمى (هرمس) آلهة اخترعوا أصول الشرائع والفنون والعلوم وهذا من زعمهم ألوهية كل من اخترع أمراً غريباً كأرباب التصانيف العجيبة وهو أكبر سبب دعاهم لعبادة الأوثان وهي صور المخترعين.
(التبكيت) لا ننكر على المتقدمين ما كانوا يزعمون فقد كان الوجود فارغاً من العلوم خالياً من المعارف وكان الناس في همجية متمكنة وفطرة ساذجة لا يهتدون بها إلا إلى المآكل والمشارب وضروريات الإنسان أما وقد صرنا في زمن اتصلت فيه الممالك وكثر اختلاط المم ببعضها وانتشرت فيه المعارف فإنا نعجب من بقاء الخرافات والاعتقادات الفاسدة بعد وضوح الحق ووجود السنة الشرائع تتلو علينا من حكمها ما تتنور به الألباب غير أننا نوجه الآمال إلى حسن المستقبل وسعادة الأمة بالاجتهاد في تعميم التعليم حتى تذهب الخرافات ذهاب أمس.
وأول ملوك مصر (ظناً لا تحقيقاً) منيس المسمى مصرايم وكان حكمه في أعلى مراتب الأحكام فخراً وكان وجوده في تخت مصر قبل مولد عيسى عليه الصلاة والسلام بألفين وثلثمائة وثمان وأربعين سنة تقريباً وبعد مضي مدته تغلب على مصر ملوك من رعاة العرب بعد حروب كثيرة واستمروا بها عدة قرون مجهولة وأخيراً ظهر على كرسي المملكة الملك سزستريس الشهير بالفتوحات واختراع القوانين حتى قيل أن ملكه امتد إلى الهند وإلى تراس وبلاد الروملي وتاريخ مصر بالتحقيق لم يعلم إلا قبل ميلاد المسيح عليه السلام بستمائة وسبعين سنة عندما فتح ملكها ابزمبتكوس أبوابها للغرباء واختلط المصريون باليونانيين.
عربيٌّ تفرنج
ولد لأحد الفلاحين ولدٌ فسماه زعيط وتركه يلعب في التراب وينام في الوحل حتى صار يقدر على تسريح الجاموسة فسرّحه مع البهائم إلى الغيط يسوق الساقية ويحوّل الماء وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات وأربعة أمخاخ بصل وفي العيد كان يقدّم له اليخنى ليمتعه بأكل اللحم بالبصل وبينما هو يسوق الساقية وأبوه جالس عنده مرّ بهما أحد التجار فقال لأبيه لو أرسلتَ ابنك إلى المدرسة لتعلَّم وصار إنساناً فأخذه وسلمه إلى المدرسة فلما أتمَّ العلوم الابتدائية أرسلته الحكومة إلى أوروبا لتعلم فنٍّ عينته له فبعد أربع سنين ركب الوابور وجاء عائداً إلى بلاده فمن فرح أبيه حضر إلى إسكندرية ووقف برصيف الجمرك ينتظره فلما خرج من الفلوكة قرب أبوه ليحتضنه ويقبله شأن الوالد المحب لولده فدفعه في صدره وجرت بينهما هذه العبارة:
زعيط: سبحان الله عندكم يا مسلمين مسألة الحضن دي قبيحة جداً.
معيط: أمال يا بني نسلّم على بعض إزّاي
زعيط: قول بُونَر يفي وحط إيدك في