179 · ص146 · ج8
وإن كان في غير ما وضعت له فهي مجاز"، فرأى أن معنى هذا أنّ المجاز لا حظّ له في الوضع العربي البتة. وإذا كان كذلك فالألفاظ المجازية ليست بعربية، وقد ثبت أن القرآن عربي، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عربي، وكل ما ثبت عن فصحاء العرب فهو عربي، فلا مجاز إذن في ذلك.
والقوم يثبتون للمجاز حظًّا في الوضع العربي، ولكنهم قسموا الوضع إلى تحقيقي كوضع "أسد" للسبع المعروف، ووضع "مضروب" لمن وقع عليه الضرب؛ وتأويلي وهو المجاز كوضع "أسد" للرجل الشجاع. قالوا: وأما إطلاقنا أنّ المجاز مستعمل فيما لم يوضع له، فمرادنا بالوضع هنا الوضع التحقيقي، وأطلقنا لأنّه المتبادر من كلمة الوضع ١.
قال عبد الرحمن: فظنّي أنّ الأستاذ لو وقف على هذا البيان لما كان عنده خلاف، والله أعلم. وأما الظاهرية ومن وافقهم فقد يكون حالهم كحال الأستاذ، فإن صحّ ما حكي عنهم [ص ٤] من قولهم: المجاز شبيه بالكذب، والاستعارة إنما يفزع إليها من عجز عن الحقيقة، فكأنهم يخصّون اسم المجاز بما فقدت قرينته أو ضعفت، أو فقدت علاقته أو ضعفت، أو لم يكن للعدول إليه فائدة لا تحصل بالحقيقة. فإن كان هذا فلا خلاف، فإن أهل العلم معهم على أن مثل هذا لم يقع في القرآن. وإنما الواقع فيه ما ظهرت قرينته، وقويت علاقته، وجلّت فائدته. فإن كانوا لا يسمّونه مجازًا فلا مشاحّة في الاصطلاح.
نعم، توسعت المبتدعة في دعوى المجاز، فحرّفوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، وزعموا أن نصوصهما لا تفيد إلا الظنّ. ويكفي في دحض
١ راجع: المطول (٤/ ١٢٢ و ١٣٦). [المؤلف].
180 · ص147 · ج8
شبهتهم بيان حقيقة المجاز وأنه لا بدّ فيه مع قوة العلاقة وحصول الفائدة من ظهور القرينة عند المخاطب، فإن المخاطب لا يجوز أن يلقى إليه مجاز ليست قرينته ظاهرة له، وإلا كان الكلام كذبًا. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن المجمل الذي له ظاهر لا يجوز تأخير بيانه عن وقت الخطاب، والباقون أجازوا التأخير إلى وقت الحاجة فقط. ولا خلاف عند التحقيق في النصوص التي ينبني عليها اعتقاد، فإن وقت الحاجة فيها هو وقت الخطاب. فهذا وحده كافٍ لدفع ضلالات المبتدعة، كيف ومعه حجج أخرى ليس هذا محل بسطها.
والمقصود أنه لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه، فإنه يخشى من ذلك ضرر أكبر مما يتراءى فيه من النفع، وذلك شأن كل باطل يتوصل به إلى دفع باطل آخر، والله أعلم.
[ص ٥] (٣) في وضع المضارع للحال أو للاستقبال أقوال ذكرها في الهمع، وفيه: "الثالث ــ وهو رأي الجمهور وسيبويه أنه صالح لهما حقيقة، فيكون مشتركًا بينهما، لأن إطلاقه على كل منهما لا يتوقف على مسوّغ وإن ركب، بخلاف إطلاقه على الماضي فإنه مجاز لتوقفه على مسوغ. الرابع: أنه حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال، وعليه الفارسي وابن أبي رُكَب. وهو المختار عندي بدليل حمله على الحال عند التجرد من القرائن، وهذا شأن الحقيقة. ودخول السين عليه لإفادة الاستقبال. ولا تدخل العلامة على الفروع كعلامات التثنية والجمع والتأنيث والنسب" ١.
١ الهمع (١/ ٧). [المؤلف]. ط عبد العال (١/ ١٧ - ١٨) وليس فيها كلمة "النسب".