961 · ص202 · ج4
فَذهب قوم إِلَى انه تخفيفٌ بدلِيٌّ كَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي قَوْله: كأنْ لم تَرَى قبْلي أَسيراً يمَانِيا وَقد أبان أَبُو عَليّ وجهَ الْفساد هُنَاكَ فَلذَلِك نستغني عَن كشفه هُنَا وأشرح الْبَيْت لما فِيهِ من الْإِشْكَال الأَصْل فِي أُوْرا بهَا: أُوْرَاْ بهَا وَلَا يجوز الْهَمْز فِي الْبَيْت لِأَن القصيدة مُرْدَفة لَا بدَّ من ألف قبل حرف الرَّوِيِّ وَهُوَ الْبَاء وَلَو همز لم يجُزْ أَن تكون الْهمزَة رِدْفاً، وَمعنى قَوْله لم أُورا بهَا: لم أعلَمْ بهَا، قَالَ لبيد يصف النَّاقة: تَسْلُبُ الكانِسَ لم يؤْرا بهَا شُعْبَةَ السّاقِ إِذا الظِّلُّ عَقَلْ وَهَذَا الْبَيْت يجوز فِيهِ أَرْبَعَة أوجه، يجوز لم أُورأ بهَا مِثَال لم أُورَعْ بهَا مَعْنَاهُ لم يشْعر بهَا وَهُوَ من الوراءِ اشتقاقه كَأَنَّهُ قَالَ لم يشْعر بهَا من وَرَائه وَهَذَا على مَذْهَب من يَجْعَل الْهمزَة فِي وَرَاء أصلا وَيَقُول فِي تصغيره وُرَيِئّة تَقْدِيره وُرَيِعّة، وَتقول فِي تصريف الْفِعْل مِنْهَا وَرَّأْتْ بِكَذَا وَكَذَا كَأَنَّهُ قَالَ ساتَرْت بِكَذَا وَكَذَا وَمِنْه الحَدِيث: (أَن النبيَّ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم كَانَ إِذا أَرَادَ سفرا ورَّأَ بِغَيْرِهِ) وَأَصْحَاب الحَدِيث لم يضبطوا الْهَمْز فِيهِ، وَالْوَجْه الثَّانِي من هَذَا الْمَعْنى أَن تجعَلَ الهمزةَ غير أصليّة وتجعلها منقلبة من واوٍ أَو ياءٍ تَقول لم يُورَ بهَا وَتجْعَل وراءِ مثلَ عطاءِ والهمزة منقلبة، وَمن قَالَ هَذَا قَالَ فِي تَصْغِير وَراء وُرَيَّة وَأَصله وُرَيِّيَة وَتسقط وَاحِدَة مِنْهَا كَمَا قلت فِي عطاءٍ عُطَيٌّ وَالْأَصْل عُطَيِيٌّ وَفِي عَظاءةَ عُظَيَّة وَالْأَصْل عُظَيِيَّة وَتقول وَرَّيْت عَن كَذَا وَكَذَا بِغَيْر همز وَيجوز أَن يُقَال يوأَرْ بهَا تَقْدِيره يوعَرْ بهَا وَفَاء الْفِعْل مِنْهُ واوٌ وَمَعْنَاهُ لم يُذْعَرْ بهَا وَهُوَ مشتقٌّ من الإرَة والإرَة: النَّار وَهِي مثل عِدَّة وَأَصلهَا وِئْرَة وحذفت الْوَاو وأُبقِي كسرتها مَعَ الْهمزَة وَمَعْنَاهَا أَنه لم يُصبْه حَرُّ الذُّعْر وَيجوز أَن يُقَال تسلب الكانسَ لم يُؤَرْ بهَا تَقْدِيره لم يُعَرْ بهَا وَهُوَ مأخوذٌ من الأُوار: وَهُوَ حَرُّ الشَّمْس وَفَاء الْفِعْل من هَذَا همزَة وعينه أَو لامه راءٌ كَأَن فعله آرَ يَؤورُ وَمَا لم يُسَمَّ فَاعله إيرَ يُؤَار مثل قيل يُقَال فَهَذَا مَا سقط إليَّ من تَعْلِيل أبي عَليّ وَأبي سعيد رحمهمَا الله هَذَا شَيْء عرَضَ. قَالَ ابْن جني: فَأَما قَوْله: يُريدُ أَن يأخُذَ بالجِزاف فكانَ ذُو العَرْشِ بِنَا أَرافي فوجهه عِنْدِي أَنه أَرَادَ أرْأَفُ ثمَّ زَاد الياءَ على مَا نَحن بسبيله فَصَارَ أرْأفِيُّ ثمَّ خفَّف الْهمزَة على مَا تقدم فَصَارَ أرافِيُّ ثمَّ خفف الْيَاء كَمَا خفّفها الآخر فِي قَوْله: بَكِّي بعينِكِ واكِفَ القَطْر ابنَ الحَوارِي العاليَ الذِّكْرِ أَرَادَ الحواريَّ فَحذف الْيَاء الأولى لَا الْآخِرَة هَذَا الْوَجْه وَقد يُمكن أَن يكون حذف الثَّانِيَة وَالْأولَى أقوى وَبَقِي الْيَاء بعد الْفَاء وَصلا وإطلاقهما فَصَارَ أرافي ثمَّ نعود إِلَى الْبَاب وَأما قَوْلهم المَلَك فَإِن أَصله الهمزُ لِأَنَّهُ من الأَلُوك والمألُكَة: وَهِي الرسَالَة وَإِنَّمَا أَصله مَلأَك تخفيفه قياسيّ وَإِنَّمَا ذكرته لمُضارَعته مُضارعَ رَأَى فِي أنَّ اسْتِعْمَاله جَرى بتَرْك الْهَمْز فِي الْأَكْثَر والأغلب، وملَكٌ أَصله مألَك على نظم حُرُوف الأَلوك ثمَّ قلبت الْهمزَة الَّتِي هِيَ الْفَاء إِلَى مَوضِع الْعين.
وَمِمَّا هَمَزَه بعض الْعَرَب وَترك هَمْزَه بَعضهم وَالْأَكْثَر الْهم
ز قَالُوا عَظاءةٌ وعَظايَةٌ وصَلاءة وصلايَة وعباءَ ةٌ وعبايَةٌ وسَقّاءَ ةٌ وسقّايَةٌ وامرأةٌ رَثّايَة ورَثّاءَ ةٌ فَمن همز فعلى
962 · ص202 · ج5
وَأنْشد أَيْضا:
(مَضَى ثَلَاثُ سِنِين] مُنْذُ حُلَّ بهَا ... وَعامُ حُلَّتْ وَهَذَا التَّابِعُ الخامي)
يُرِيد الْخَامِس قَالَ أَبُو عَليّ: فِي الْعُقُود كلهَا هُوَ المُوَفِّي كَذَا وَهِي المُوَفِّيةُ كَذَا كَقَوْلِك المُوَفِّي عشْرين والمُوَفِّيَة عشْرين
١ - هَذَا بَاب الْمُؤَنَّث الَّذِي يَقع عل الْمُؤَنَّث والمذكر وَأَصله التَّأْنِيث
اعْلَم أَن الْمُذكر قد يعبر عَنهُ بِاللَّفْظِ الْمُؤَنَّث فَيجْرِي حكمُ اللَّفْظ على التَّأْنِيث وَإِن كَانَ الْمعبر عَنهُ مذكراً فِي الْحَقِيقَة وَيكون ذَلِك بعلامةِ التأنيثِ وَبِغير علامةٍ فَأَما مَا كَانَ بعلامة التَّأْنِيث فقولُك هَذَا شَاة وَإِن أردْت تَيْساً وَهَذِه بقرة وَإِن أردْت ثوراً وَهَذِه حمامة وَهَذِه بَطَّةٌ وَإِن أردْت الذَّكَر وَأما مَا كَانَ بِغَيْر عَلامَة فقولك عِنْدِي ثلاثٌ من الْغنم وثلاثٌ من الْإِبِل وَقد جعلت الْعَرَب الْإِبِل وَالْغنم مؤنثين وَجعلت الْوَاحِد مِنْهُمَا مؤنث اللَّفْظ كأّنَّ فِيهَا هَاء وَإِن كَانَ مذكراً فِي الْمَعْنى كَمَا جعلت الْعين وَالْأُذن وَالرجل مؤنثات بِغَيْر عَلامَة فَإِن قَالَ قَائِل فَلم لَا يُقَال هَذِه طلحةُ لرجل يُسمى طَلْحَة لتأنيث اللَّفْظ كَمَا قَالُوا هَذِه بقرة للثور فَالْجَوَاب أَن طَلْحَة لقب وَلَيْسَ باسم مَوْضُوع لَهُ فِي الأَصْل وأسماءُ الْأَجْنَاس مَوْضُوعَة لَهَا لَازِمَة [ ... ] فَرَقَتِ الْعَرَب بَينهمَا وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَاب أَشْيَاء مَحْمُولَة على الأَصْل الَّذِي ذكرته وَأَشْيَاء قريبَة مِنْهَا وَأَنا أسوق ذَلِك وأفسر مَا أحتاج مِنْهُ إِلَى تَفْسِيره قَالَ سيبوه: فَإِذا جئتَ بالأسماء الَّتِي تُبَيِّنُ بهَا العِدَّةُ أجريتَ الْبَاب على التَّأْنِيث فِي التَّثْلِيث إِلَى تسعَ عشرةَ وَذَلِكَ قَوْلك لَهُ ثلاثُ شياةٍ ذكورٌ وَله ثلاثةٌ من الشاءِ فأجريتَ ذَلِك على الأَصْل لِأَن الشَّاء أَصْلهَا التَّأْنِيث وَإِن وَقعت على الْمُذكر كَمَا أَنَّك تَقول هَذِه غَنم ذُكُور فالغنم مُؤَنّثَة وَقد تقع على الْمُذكر قَالَ أَبُو سعيد: يَعْنِي أَنَّهَا تقع على مَا فِيهَا من الْمُذكر من التيوس والكباش وَيُقَال هَذِه غَنَم وَإِن كَانَت كلُّها كِباشاً أَو تُيوساً وَكَذَلِكَ عِنْدِي ثَلَاث من الْغنم وَإِن كَانَت كباشاً أَو تيوساً لِأَنَّهُ جعل الْوَاحِد مِنْهَا كَأَن فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث كَمَا جعلت الْعين والرِجل كَأَن فيهمَا عَلامَة التَّأْنِيث وَقَالَ الْخَلِيل: قولُك هَذَا شاةُ بِمَنْزِلَة قَوْلك هَذَا رَحْمَة من رَبِّي قَالَ أَبُو سعيد: يُرِيد أَن تذكير هَذَا مَعَ تَأْنِيث شَاة كتذكير هَذَا مَعَ تَأْنِيث رَحْمَة والتأويل فِي ذَلِك كَأَنَّك قلت هَذَا الشَّيْء شاةٌ وَهَذَا الشَّيْء رحمةٌ من رَبِّي قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول لَهُ خمسٌ من الْإِبِل ذكورٌ وخمسٌ من الْغنم ذُكُور من قِبَلِ أَن الْإِبِل وَالْغنم اسمان مؤنثان كَمَا أَن مَا فِيهِ الْهَاء مؤنث الأَصْل وَإِن وَقع على الْمُذكر قَلما كَانَ الْإِبِل وَالْغنم كَذَلِك جَاءَ تثليثها على التَّأْنِيث لِأَنَّك إِنَّمَا أردْت التَّثْلِيث من اسْم مؤنث بِمَنْزِلَة قَدَم وَلم يكسر عَلَيْهِ مُذَكّر للْجمع فالتثليث مِنْهُ كتثليث مَا فِيهِ الْهَاء كَأَنَّك قلت هَذِه ثَلَاث غنم فَهَذَا يُوضح وَإِن كَانَ لَا يتَكَلَّم بِهِ كَمَا تَقول ثلاثُمائةٍ فتدع الْهَاء لِأَن الْمِائَة أُنْثَى قَالَ أَبُو سعيد: قَول سِيبَوَيْهٍ الْغنم وَالْإِبِل وَالشَّاء مؤنثات يُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهَا إِذا قرن بِمَنْزِلَة مؤنث فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث أَو مؤنث لَا عَلامَة فِيهِ كَقَوْلِك هَذِه ثلاثٌ من الْغنم وَلم تقل ثَلَاثَة وَإِن أردْت بهَا كباشاً أَو تيوساً وَكَذَلِكَ ثَلَاث من الْإِبِل وَإِن أردْت بهَا مذكراً أَو مؤنثاً وَقَوله بِمَنْزِلَة قَدَم لِأَن القَدَمَ أُنْثَى بِغَيْر عَلامَة وَكَذَلِكَ الثَّلَاث فقولك ثَلَاث من الْإِبِل وَالْغنم لَا يفرد لَهَا وَاحِد فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَقَوله: وَلم يكسر عَلَيْهِ مُذَكّر للْجمع يَعْنِي لم يقل ثَلَاثَة ذُكُور فَيكون ذُكُور جمعا مكسراً لذكر فَتذكر ثَلَاثَة من أجل ذَلِك وَقَوله كَأَنَّك قلت هَذِه ثَلَاث غنم يُرِيد كأنَّ غنما تكسير للْوَاحِد الْمُؤَنَّث