121 · ص122 · ج1
٩٠ - وكذا قوله: وما هو على الغيب بضنين «١» [التكوير: ٢٤] بالظاء وبضنين وبالضاد؛ لأن المراد بهاتين القراءتين جميعا هو النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه كان غير ظنين على الغيب، أي: غير متّهم فيما أخبر به عن الله تعالى، وغير ضنين به، أي: غير بخيل بتعليم ما علمه الله وأنزله إليه، فقد انتفى عنه الأمران جميعا، فأخبر الله تعالى عنه بهما في القراءتين «٢»، وكذا ما أشبهه.
٩١ - وأما اختلاف اللفظ والمعنى جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما «٣» في شيء واحد لاستحالة اجتماعهما فيه، فكقراءة من قرأ: وظنّوا أنّهم قد كذبوا «٤» [يوسف: ١١٠] بالتشديد؛ لأن المعنى: وتيقن الرسل أن قومهم قد كذّبوهم، وقراءة من قرأ قد كذبوا بالتخفيف؛ لأن المعنى: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذّبوهم فيما أخبروهم به من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل العذاب بهم، فالظن في القراءة الأولى يقين والضمير الأول [للرسل، والثاني] «٥» للمرسل إليهم، والظن في القراءة الثانية شك، والضمير الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل «٦».
٩٢ - وكذا قراءة من قرأ لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلّا ربّ السّموت والأرض بصائر «٧» [الإسراء: ١٠٢] بضم التاء، وذلك أنه أسند هذا العلم إلى موسى عليه السلام حديثا منه لفرعون حيث قال: إنّ رسولكم الّذى أرسل إليكم لمجنون [الشعراء:
٢٧]، فقال له موسى عليه السلام عند ذلك: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلّا ربّ السّموت والأرض بصائر [الإسراء: ١٠٢] فأخبر عليه السلام عن نفسه بالعلم بذلك [أي] «٨» ليس بمجنون، وقراءة من قرأ لقد علمت بفتح التاء، وذلك أنه أسند هذا العلم إلى فرعون مخاطبة من موسى له بذلك على وجه التقريع والتوبيخ له على شدّة
(١) تقدم هذا الحرف في الفقرة/ ٦٠.
(٢) انظر الكشف ٢/ ٣٦٤، وحجة القراءات/ ٧٥٢.
(٣) في ت، م: (امتناعهما): وهو خطأ لا يستقيم به السياق.
(٤) انظرها في النشر ٢/ ٢٩٦، السبعة/ ٣٥١.
(٥) زيادة يقتضيها السياق.
(٦) في ت، م: (للمرسل): وهو خطأ، وانظر حجة القراءات/ ٣٦٦، والكشف لمكي ٢/ ١٥.
(٧) انظرها في النشر ٢/ ٣٠٩، السبعة/ ٣٨٥.
(٨) زيادة يقتضيها السياق.
122 · ص123 · ج1
معاندته للحق وجحوده له بعد علمه، ولذلك أخبر «١» تبارك وتعالى عنه وعن قومه فقال: فلمّا جاءتهم ءايتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين* وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوّا «٢» [النمل: ١٣، ١٤] الآية.
٩٣ - وكذلك ما ورد من هذا النوع من اختلاف القراءتين التي لا يصحّ أن يجتمعا في شيء واحد هذا سبيله؛ لأن كل قراءة منهما بمنزلة آية قائمة بنفسها لا يصحّ أن يجتمع مع آية أخرى تخالفها في شيء واحد لتضادهما وتنافيهما.
[الأحرف السبعة لا تجمعها رواية ولا قراءة واحدة]
٩٤ - أما هذه السبعة الأحرف فإنها ليست متفرّقة في القرآن كلّها ولا موجودة فيه في ختمة واحدة بل بعضها، فإذا قرأ القارئ بقراءة من قراءات الأئمة وبرواية من رواياتهم، فإنما قرأ ببعضها لا بكلّها «٣»، والدليل على ذلك أننا قد أوضحنا قبل أن المراد بالسبعة الأحرف سبعة أوجه من اللغات كنحو اختلاف الإعراب والحركات والسكون، والإظهار والإدغام، والمدّ والقصر، والفتح والإمالة، والزيادة للحرف ونقصانه، والتقديم والتأخير، وغير ذلك مما شرحناه ممثّلا قبل. وإذ كان «٤» هذا هكذا فمعلوم أن من قرأ بوجه من هذه الأوجه وقراءة من القراءات ورواية من الروايات لا يمكنه أن يحرّك الحرف ويسكّنه في حالة واحدة، أو يقدّمه ويؤخّره، أو يظهره ويدغمه، أو يمدّه ويقصره، أو يفتحه ويميله إلى ما أشبه هذا من اختلاف تلك الأوجه والقراءات والروايات في حالة واحدة، فدلّ على صحّة ما قلناه.
[الأحرف السبعة كلها صواب]
٩٥ - وهذه القراءات كلّها والأوجه بأسرها من اللغات هي التي أنزل القرآن عليها، وقرأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرأ بها وأباح الله تعالى لنبيّه القراءة بجميعها،
(١) في ت، م: (أخبره). وهو خطأ لا يستقيم به السياق.
(٢) انظر الكشف ٢/ ٥٢، وحجة القراءات/ ٤١١.
(٣) وذهب ابن الجزري إلى أنها متفرقة في القرآن، بل في كل رواية وقراءة باعتبار ما قرره في وجه كونها سبعة أحرف، انظر النشر ١/ ٣٠.
(٤) في ت، م: (إذا). وهو خطأ لا يستقيم به السياق.