127 · ص128 · ج1
بأمثاله، ويعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه. ثم أكّد ذلك بأن أمرهم أن يقولوا: ءامنّا به كلّ من عند ربّنا [آل عمران: ٧] فدلّ ذلك كله على أن هذه الأحرف غير تلك الأحرف التي هي: اللغات والقراءات «١» وأنه صلى الله عليه وسلم أراد بذكر الأحرف في هذا الخبر التنبيه على فضل القرآن على سائر الكتب، وأن الله سبحانه قد جمع فيه من خلال الخير ما لم يجمعه فيها.
١٠٥ - فأما قوله في هذا الخبر: كان الكتاب الأول «٢» نزل من باب واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب، فمعناه: أن الكتاب الأول نزل خاليا من الحدود والأحكام والحلال والحرام، كزبور داود الذي هو تذكير ومواعظ، وإنجيل عيسى الذي هو تمجيد ومحامد وحضّ على الصّفح والإعراض دون غير ذلك من الأحكام والشرائع.
وكذلك ما أشبه ذلك من الكتب المنزّلة ببعض المعاني السبعة التي يحوي جميعها كتابنا الذي خصّ الله تعالى [به] «٣» نبيّنا وأمّته، فلم يكن المتعبّدون بإقامته يجدون لرضى الله مطلبا ينالون [به] «٤» الجنة ويستوجبون [به] «٥» منه القربة إلا من الوجه الواحد الذي نزل به كتابهم وذلك هو [الباب] «٦» الواحد من أبواب الجنة الذي نزل منه ذلك الكتاب.
١٠٦ - والوجه الثاني: أن السبعة الأحرف في هذا الخبر هي السبعة الأحرف المذكورة في الأخبار المتقدمة التي هي اللغات والقراءات، ويكون قوله:- «زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال» - تفسيرا للسبعة «٧» أبواب التي هي من الجنة لا تفسيرا للسبعة الأحرف؛ لأن العامل إذا عمل بها وانتهى إلى حدودها استوجب بذلك الجنة. وكلا «٨» الوجهين في تأويل الحديث بيّن ظاهر. وعلى الأول أكثر العلماء وبالله التوفيق.
(١) نقل أبو شامة في المرشد الوجيز/ ١٠٨ عن البيهقي من قوله في كتاب (المدخل) ما يؤيد هذا المعنى.
(٢) من هنا لى نهاية الفقرة أخذه المؤلف من مقدمة تفسير الطبري بنصه. انظر تفسير الطبري ١/ ٧١.
(٣) و (٤) و (٥) و (٦) زيادة من تفسير الطبري ١/ ٧١.
(٧) سقط من ت.
(٨) انظر تفسير الطبري ١/ ٤٧، والمرشد الوجيز/ ١٠٩، وقد ذكر أبو شامة وجها ثالثا نقله عن الأهوازي، وأبي العلاء الهمذاني، وهو أن قوله زاجر وآمر، الخ استئناف كلام آخر، أي هو كذلك، ولم يرد به تفسير الأحرف السبعة المرشد الوجيز/ ١٠٨.
128 · ص129 · ج1
[ما ينبغي اعتقاده في تاريخ المصحف]
١٠٧ - قال أبو عمرو: وجملة ما نعتقده من هذا الباب وغيره من إنزال القرآن وكتابته وجمعه وتأويله وقراءته ووجوهه ونذهب إليه ونختاره: أن القرآن منزّل على سبعة أحرف «١» كلها شاف كاف وحق وصواب وأن الله تعالى قد خيّر القرّاء في جميعها وصوّبهم إذا قرءوا بشيء منها، وأن هذه الأحرف السبعة المختلف معانيها تارة وألفاظها تارة مع اتفاق المعنى ليس فيها تضادّ ولا تناف للمعنى ولا إحالة ولا فساد، وإنّا لا ندري حقيقة أيّ هذه السبعة الأحرف كان آخر العرض أو آخر العرض كان ببعضها دون جميعها، وأن جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقّيها منه، ولم يكن شيء منها مشكوكا فيه ولا مرتابا به.
١٠٨ - وأن [٧/ ظ] أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ومن بالحضرة من جميع الصحابة قد أثبتوا جميع «٢» تلك الأحرف في المصاحف وأخبروا بصحتها وأعلموا بصوابها وخيّروا الناس فيها كما كان صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من هذه الأحرف حرف أبيّ بن كعب، وحرف عبد الله بن مسعود، وحرف زيد بن ثابت، وأن عثمان رحمه الله تعالى والجماعة إنما طرحوا حروفا وقراءات باطلة غير معروفة ولا ثابتة بل منقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم نقل الأحاديث التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها.
١٠٩ - وأن معنى إضافة كل حرف مما أنزل الله تعالى إلى من أضيف من
(١) سقطت (أحرف) من ت.
(٢) انظر قصة نسخ عثمان المصاحف في صحيح البخاري باب جمع القرآن من كتاب فضائل القرآن. وأما أن عثمان أثبت جميع الأحرف السبعة في المصاحف أو أثبت بعضها، أو أثبت حرفا واحدا منها. قضية خلافية مشهورة، قال بكل قول منها جماعة من العلماء: فذهب إلى القول الأول جماعات من العلماء، والمؤلف هو ممن قال بالأول. انظر النشر ١/ ٣١.
وذهب إلى الثاني ابن الجزري، ونسبة إلى جماهير العلماء من السلف والخلف النشر ١/ ٣١.
وممن قال بالثالث ابن جرير الطبري. انظر تفسير الطبري ١/ ٦٣.
وهذا الاختلاف هو فروع الاختلاف في المراد بالأحرف السبعة.
وسيأتي في الفقرة/ ٥٢٢ أن قراءة زيد هي التي جمع عثمان الناس عليها، وهو مخالف لرأي المؤلف هنا.