15 · ص15 · ج1
كتبته، ولا كتبته إلا وحفظته، ولا حفظته فنسيته" «١»، وهذا القول ليس فيه خيال، ولا تكثر بما لم يعطه، فكتب الرجل وآثاره ناطقة بواقعية ما قال وصدقه، وهذا ابن الجزري الإمام الثبت، يقول معقبا على قول الداني السابق:" ومن نظر كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتاح العليم، ولا سيما كتاب جامع البيان فيما رواه في القراءات السبع" «٢». وابن الجزري من أوثق الناس صلة بكتب الداني، ومعرفة بقيمتها.
ولو أتينا إلى كتاب جامع البيان، لوجدنا الداني يروي لنا القراءات السبع من أربعين رواية، ومائة وستين طريقا، حتى إذا أخذت تحصي أسانيده بالتفصيل وجدتها تزيد على الأربع مائة طريق، كل ذلك عن الأئمة السبعة فقط.
ولم يكن ذلك على كثرته ووفرته هو كل ما روى في القراءات، بل إن عنده في السبع وراء ذلك روايات وطرقا، لم يدخلها في جامع البيان. يقول الداني في جامع البيان، بعد أن فصّل أسانيده فيه:" فهذه الأسانيد التي أدت إلينا القراءة عن أئمة القراءة السبعة بالأمصار، من الروايات والطرق المذكورة في صدر الكتاب، قد ذكرناها على حسب ما انتهت إلينا رواية وتلاوة، وتركنا كثيرا منها؛ اكتفاء بما ذكرناه عما سواه، مع رغبتنا في الاختصار، وترك الإطالة والإكثار" «٣».
ولو عدنا إلى كتابه (الإشارة بلطيف العبارة، في القراءات المأثورات، بالروايات المشهورات) لوجدناه يضم فيه إلى السبع قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت ١٣٢)، وقراءة أبي محمد يعقوب بن إسحاق البصري (ت ٢٠٥)، وأبي محمد خلف بن هشام البزار الكوفي (ت ٢٢٩) وحتى في القراءات السبع، يذكر فيه روايات لم يدخلها في جامع البيان، مثل رواية العباس بن الفضل الأنصاري قاضي الموصل (ت ١٨٦)، وأبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي البصري عن أبي عمرو بن العلاء، وغيرهما عن غير أبي عمرو من السبعة.
وهكذا نرى أن أبا عمرو الداني قد جمع الكثير والكثير من الروايات في علم القراءة عن السبعة وغيرهم، بحيث يتبدى لك قول ابن الجزري عن جامع البيان
(١) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨٠، غاية النهاية ١/ ٥٠٤.
(٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٤.
(٣) انظر: جامع البيان الفقرة: ١٠٠٣.
16 · ص16 · ج1
" قيل: إنه جمع فيه كل ما يعلمه في هذا العلم" «١» وهذا القول غير مسلّم به، وإن كان جامع البيان قد حوى ما يعجب ويدهش، فالرجل قد أوتي حظا وافرا، ونصيبا كبيرا
من العلم، جعله يتبوأ في علوم القراءات مرتبة" الأستاذين، وشيخ مشايخ المقرئين" «٢» عن جدارة واستحقاق.
وكان وراء إبداع الداني في القراءات عدة عوامل منها:
١ - سعة الرواية وكثرتها:
بالأسانيد المتصلة في روايات القراءات ووجوهها، وفي تاريخ رواتها، وطبقاتهم، فتراه في جامع البيان، يوثّق كل معلومة بالإسناد المتصل إلى قائلها.
يقول: حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: سمعت أبي يقول: عاصم بن أبي النّجود هو عاصم بن بهدلة «٣».
وتوثيقا لعاصم يقول: أخبرنا سلمون بن داود، قال: حدثنا أبو علي بن الصوّاف، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال:
رجل صالح خيّر ثقة «٤».
ويمضي هكذا، حتى يورد لك سبعة عشر إسنادا، يوثق بها ترجمته لعاصم بن أبي النجود.
هذا، وللداني معرفة واسعة بتاريخ رواة القراءات، ودرجاتهم، وطبقاتهم، حتى أن له مصنفا في طبقات القراء في ثلاثة أسفار، ذكر فيه أحوال كل من قصد للإقراء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى سنة خمس وثلاثين وأربع مائة «٥».
٢ - الضبط التام:
بحيث يؤدي مسموعات ومروياته كما سمعها، وهذا الضبط هو الذي يعلي قدر العالم، ويرفع منزلته، وقد شهد النقّاد لأبي عمرو أنه قد بلغ في ذلك شأوا بعيدا.
(١) النشر ١/ ٦١.
(٢) غاية النهاية ١/ ٥٠٣.
(٣) انظر: جامع البيان الفقرة: ٢٩٠.
(٤) انظر: جامع البيان الفقرة: ٢٩٩.
(٥) انظر: روضات الجنات ٥/ ١٨٢.