← المكتبة ▭ 1 page
جامع البيان في القراءات السبع
أبو عمرو الداني التجويد والقراءات 444 هـ
A− A+
19 · ص19 · ج1
٥ - حسن توفيقه بين الروايات التي ظاهرها التعارض: أوتي الداني في ذلك ملكة قوية، ورزق حنكة ودربة على التوفيق بين النصوص، بدلا من ضرب بعضها ببعض، وقبول بعض ورد بعضها الآخر، فانظر على سبيل المثال توفيقه بين الروايات التي يقول بعضها: إن إسماعيل بن جعفر قرأ على عيسى بن وردان، وأن عيسى قرأ على نافع. ويقول البعض الآخر: إن إسماعيل قرأ على نافع نفسه «١». وكذلك توفيقه بين الروايات التي يقول بعضها: إن الكسائي يقف على ما لهذا الكتاب [الكهف ٤٩] على رسم المصحف، وبعضها الآخر يقول: إنه يقف على ما «٢». هذه المزايا عند الداني رفعته إلى مقام الإمامة في علوم القراءات، حتى قال فيه الذهبي:" إلى أبي عمرو المنتهى في إتقان القراءات، والقراء خاضعون لتصانيفه، واثقون بنقله في القراءات، والرسم، والتجويد، والوقف والابتداء، وغير ذلك" «٣». وقال فيه ابن خلدون:" بلغ الغاية فيها، أي في القراءات، ووقفت عليه معرفتها، وانتهت إلى روايته أسانيدها، وتعددت تآليفه فيها، وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها" «٤». وقال الضبي عنه:" إمام وقته في الإقراء" «٥». هذا، وأبو عمرو يذهب إلى أن القراءات السبع متواترة وما وراءها شواذ، ينبيك عن ذلك أنه صنف كتابه" المحتوى في القراءات الشواذ" فأدخل فيها قراءة يعقوب وأبي جعفر «٦». ولم تقعد همة الداني به عند حدود القراءات، بل سمت إلى سائر علوم القرآن؛
(١) انظر الفقرات: ٥٥٩ - ٦٠٧ من جامع البيان. (٢) انظر الفقرات: ٢٥٠٠ - ٢٥٠٣ من جامع البيان. (٣) تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢١. (٤) مقدمة ابن خلدون ٣/ ٩٩٥. (٥) بغية الملتمس: ٤١١. (٦) انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨١.
20 · ص20 · ج1
حيث صنّف في كل فنّ منها، فأحسن وأجاد. وكان كما قال ابن بشكوال:" أحد الأئمة في علم القرآن، وروايته، وتفسيره، ومعانيه، وطرقه، وإعرابه" «١». ثانيا: الحديث لأبي عمرو الداني باع طويل في علوم السنة، رواية ودراية، فقد تلقى الحديث من مشايخ كثر، وبعض أسانيده عالية، فبينه وبين أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) ثلاثة رجال، فهو يروي عنه بوساطة شيخه خلف بن إبراهيم بن خاقان، عن أحمد بن محمد بن أبي الموت، عن علي بن عبد العزيز البغوي، عن أبي عبيد. وبينه وبين الإمام أحمد (ت ٢٤١) ثلاثة، حيث يروي عنه بوساطة شيخه سلمون بن داود، عن أبي علي بن الصواف، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن الإمام أحمد. وبينه وبين يحيى بن معين (ت ٢٢٣) ثلاثة، حيث يروي عنه بوساطة شيخه عبد الرحمن بن عثمان القشيري، عن قاسم بن أصبغ، عن أحمد بن زهير بن حرب، عن يحيى بن معين. هذا، وينبيك عن سعة رواية أبي عمرو الداني وكثرتها في السنّة، كتابه (السنن الواردة في الفتن). وهو كتاب كبير في مجلد، ذكر فيه مئات الأحاديث، والروايات في الفتن الكائنة في آخر الزمان، وبعضها قد لا تجده في غير هذا الكتاب، وهو كتاب خليق بأن يخدم ويحقق، يقول فيه الذهبي:" وكتاب الفتن الكائنة، مجلد يدل على تبحّره في الحديث" «٢»، وتراه في جامع البيان يروي الحديث الواحد بعدة أسانيد «٣»، وقد شرح كتاب منتقى ابن الجارود (ت ٣٠٧) وسماه (المرتقى في شرح المنتقى) «٤». واحتفال الداني بالأسانيد ليس مقصورا على الأحاديث المرفوعة، بل يشمل الآثار وكلام السلف أيضا،" كان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار، وكلام السلف،
(١) الصلة ٢/ ٣٨٦. (٢) سير أعلام النبلاء ١٨/ ٨١. (٣) انظر الفقرات: ١١٣، ١١٤، ١١٥ من جامع البيان. (٤) الرسالة المستطرفة: ٢٥.
→ prev 19–20 / 1867 next ←