← المكتبة ▭ 1 page
جامع البيان في القراءات السبع
أبو عمرو الداني التجويد والقراءات 444 هـ
A− A+
43 · ص43 · ج1
المبحث الثالث قيمة الكتاب العلمية: الكتب المصنفة في القراءات كثيرة، وكثيرة جدا، سواء في السبع أو أكثر أو أقل «١»، واشتهر من المصنفات في السبع قبل الداني عدة كتب، أقدمها سبعة ابن مجاهد (ت ٣٢٤)، وهو أول هذه المصنفات، ثم إرشاد أبي الطيب عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون المصري (ت ٣٨٩)، وهادي محمد بن سفيان القيرواني (ت ٤١٥)، ومجتبى عبد الجبار الطرسوسي (ت ٤٢٠)، وروضة أبي عمر أحمد بن عبد الله الطلمنكي (ت ٤٢٩)، وهداية أبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت بعد ٤٣٠)، وتبصرة مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧). وكتاب جامع البيان يبرز بين كتب القراءات متفرّدا، في منزلة لا يدانيه فيها كتاب من كتب هذا العلم على كثرتها وتنوعها: حيث إن هذا الكتاب جمع ما تفرق فيها من صفات الحسن، ومزايا الكمال. فإن قيل إن ضبط الرواية، وتحرير أوجه الخلاف، والتمييز بين الطرق صفة امتازت بها كتب المحققين مثل سبعة ابن مجاهد، ونشر ابن الجزري، فأبو عمرو الداني إليه المنتهى في الضبط والتحرير، وكتابه جامع البيان قد اجتهد في تحريره وضبطه، فأعطاه حظا وافرا من عنايته، ونصيبا كاملا من درايته. وإن قيل إن علوّ الأسانيد وصحتها مع خبرة المؤلف برجالها، ميزة كتب المحدثين من القراء، مثل أبي العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن الهمذاني (ت ٥٦٩)، فأبو عمرو الداني أعرف الناس بأسانيد القراءات، وأقدرهم على نقدها وتمييزها، والقراء عيال عليه في تعديل رجال القراءات وتجريحهم، حتى أن إمام المتأخرين ابن الجزري كثيرا ما يترجم الراوي بمثل ما ورد ذكره في روايات جامع
(١) انظر قائمة تاريخية بالمصنفات في علم القراءات في لطائف الإشارات للقسطلاني ١/ ٨٥ - ٩١، وفي مقدمة تحقيق المبهج في القراءات لسبط الخياط إعداد وفاء عبد الله قزمار.
44 · ص44 · ج1
البيان، لا يزيد على ذلك شيئا، لأنه لم يتمكن من تحصيل علم بحاله زيادة على ما في جامع البيان «١». وإن قيل: إن سعة الرواية، وكثرة الطرق والأسانيد ميزة في بعض الكتب، مثل كامل الهذلي يوسف بن علي بن جبارة (ت ٤٦٥)، فجامع البيان جمع في القراءات السبع أربعين رواية، وأربع مائة طريق، مع البراءة من أغلاط الهذلي وأوهامه. وإن قيل: إن التعريف بالصحيح السائر من الروايات، والسقيم الدائر من الوجوه خصلة تعلي قدر الكتاب، وتزيد الثقة به، فلم يعتن كتاب بالتمييز بين الصحيح والشاذ، والسائر والفاز كما اعتنى بذلك جامع البيان. وإن قيل: إن تسلسل الأفكار، ووضوح العرض، مع التلخيص والتقريب، مما يحبب الكتاب إلى النفوس، ويسهل الانتفاع به، فجامع البيان اجتهد مؤلفه في إيضاحه وتهذيبه، وبالغ في تلخيصه وتقريبه، وشرح فيه المذاهب شرحا كافيا، وبين الاختلاف بيانا شافيا. وإن قيل: إن الموازنة بين مذاهب النحويين وآرائهم، وروايات القراء ووجوههم، ميزة كتب أهل اللغة من القراء مثل مكي بن أبي طالب، وغيره، فقد جاءك جامع البيان على ما تحب من ذلك، مع البراءة من تقديم اللغة والنحو على صحيح الرواية وثابت الأثر. وهكذا دواليك حتى إذا استغرقت محاسن جامع البيان ميزات كتب القراءات الأخرى أو كادت، تفرد جامع البيان بفضائل منها: أ- حسن التوفيق بين الروايات. ب- أنه يضع يديك على مجموعة كبيرة من كتب القراءات المفقودة، والتي لا تجد لها ذكرا في غيره.
(١) انظر على سبيل المثال ترجمة الحسن بن عبد الرحمن الكرخي الخياط في غاية النهاية ١/ ٢١٦، ووازنها بما جاء في الفقرة: ١٧٩ من جامع البيان، وترجمة أحمد بن نصر الترمذي في غاية النهاية ١/ ١٤٥، ووازنها بالفقرة: ٦٥٩ من جامع البيان، وترجمة محمد بن خالد الأصبهاني في غاية النهاية ٢/ ١٣٦، ووازنها بالفقرة: ٣٨٨ من جامع البيان.
→ prev 43–44 / 1867 next ←