39 · ص39
وأما إذا كان فعل للامتداء وحرارة البطن فهو فعلان بسكون العين مثل: شبع فهو شبعان، وعطش فهو عطشان، وصدي فهو صديان، وروي فهو ريان وسكر فهو سكران. وأما الثالث فهو فعل بضم العين. فقد تقدم الكلام على اسم فاعله.
فهذه القاعدة في أبنية أسماء الفاعلين من الصيغ الثلاثة، لا ما ادعاه وأطلقه.
حول المعاظلة اللفظية
قال في المعاظلة اللفظية: ومن ذلك بعضهم:
وفبر حربٍ في مكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر
فهذه القافات والراءات كأنها سلسلة في تتابعها، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل.
وهكذا ورد قول الحريري في مقاماته فقال:
وازورّ من كان له زائرا ... وعاف عافي العرف عرفانه
أقول: أما البيت الذي ذكره أولا فهو معذور فيه، وكل أرباب المعاني والبيان ذكروه ونصوا عليه ولم يقرنوه بقول الحريري. وهذا من تعسفه وتعنته. فإن البيت الذي للحريري ما فيه غير كثرة الجناس، وهذه صناعة فكيف يعدها عيبا. وإن كان كذلك فكل جناس تردد في بيت أو فقرة يكون معاظلة على رأيه وليس كذلك. ولو لمح السر في ثقل ذلك البيت، لما قرنه بقول الحريري. وسبب الثقل في ذلك البيت، ما هو تكرار الحروف ولا بد فإن ذلك جزء علة، وإنما هو تقديم الحروف بعضا على بعض، مع التكرار في قوله: قرب قبر. حتى إن هذا البيت اشتهر بأن الأذكياء يمتحنون بإنشاده ثلاث مرات متواليات على نفس واحد، فما يكاد يسلم أحد من التخبيط فيه.
والسبب في ذلك تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيرها. وليس هذا مخصوصا بهذا البيت، بل بكل ما ترددت حروفه متقدمة ومتأخرة.
وهذا ابن سناء الملك من أرق المتأخرين شعرا وألطفهم قد جاء له مثل هذا في قوله:
وصفتك واللاّحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذرٍ وكان أبا جهل
له شاهدا زورٍ من النهي والنّهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدل
حبيبة هذا القلب من قبل خلقه ... يحبك قلبي قبل خلقك بل قبلي
انظر البيتين المتقدمين ما أرفهما وما أثقل هذا الثالث، وما سببه غير تقديم الحروف تارة، وتأخيرها تارة في قبلي وقلبي، وقلب وقبل. وأما بيت الحريري فما فيه غير تردد حروف جناسه، والتقديم والتأخير معدومان فيه. ألا ترى أن العين قبل الفاء في المرتين والعين قبل الراء والراء قبل الفاء في المرتين وهذا ظاهر.
وهذا شرف الدين ابن الفارض رحمه الله في تائيته يأتي بالجناس في البيت كثيراً مرددا كقوله:
أيا زاجرا حمر الأوراك تارك ال ... موارك من أكوارها كالأريكة
وليس فيه من التعاظل والثقل على اللسان ما في قوله:
ولا حلم لي في حمل ما فيك نالني ... يؤدي لحمدي أو لمدح مودّتي
وعاد دعاوي القيل والقال وانج من ... عوادي دعاوي صدقها قصد سمعة
وكلّفتها لا بل كفلت قيامها ... بتكليفها حتى كفلت بكلفتي
وما السبب في ذلك غير تقديم الحروف في هذا تارة، وتأخيرها تارة، وسردها على الترتيب في الأول من غير تقديم وتأخير فاعرف ذلك.
وأنا ما أنكر أن كثرة التجنيس المتردد في البيت أو الفقرة لا يخلو من ثقل ما، وإنما شاححته في كونه جعل قول الحريري من باب البيت الذي كأنه رقى العقرب، أو بعض العزائم الروحانية، وقد أكثر الناس من الاستشهاد به وصار في قلق الألفاظ مثلا. وتقعير الألفاظ معلوم وقد ذكره الناس. من ذلك أن عيسى بن عمر النحوي أو أبا علقمة النحوي سقط عن حماره وأغمي عليه، فلما أفاق ورأى اجتماع الناس عليه، قال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤ على ذي جنة، افرنقعوا عني يرحمكم الله فقال بعضهم: دعوه فإن عفريته يتكلم بالهندية.
ومن ذلك خبر أم الهيثم مع المرأة التي شكت إليها ألما في ظهرها، فسألتها عن السبب فقالت: كنت وحمى بدكة، فحضرت مأدبةً، فأكلت حيزبة من فراص هلعة فاعترتني زلخة. فقالت لها أم الهيثم: إنك لذات خزعبلات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون.
هذه الألفاظ كلها يراد بها المتنطعون في الكلام. فالثرثار من قولهم عين ثرثارة إذا كثر ماؤها، والمتفيهق من تفيهق الغدير إذا امتلأ، والمتشدق الذي يفتح شدقيه.
من أنواع المعاظلة
40 · ص40
قال في المعاظلة: القسم الخامس من المعاظلة أن ترد صفات متعددة على نحو واحد.
كقول أبي تمام وأنشد له أبياتا منها:
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزئلّه أجده
ثم قال: وهذا البيت من المعاظلة التي قلع الأضراس دونها.
أقول: ليس ثقل البيت من تعدد الصفات، وإنما هو من قوله تامكه ومحزئله، وليس في تعدد الصفات نفسها ثقل ولا معاظلة إذا وردت بألفاظ عذبة، كما تقول إذا وصفت قواما: قويمه، أهيفه، ناعمه، لدنه، ريانه. فإن حذفت الهاء زاد حسنا. ومثل ذلك قول القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان.
قسما بوجهك وهو بدرٌ طالعٌ ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في ... أخاطرها في الحب أصعد مركب
ويطيب مبسمك الشهي البارد ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب
ومما قلته في هذا النوع:
قسما بناضر قدك اللدن القوي ... م الأهيف المتعطف الرّيان
وبجفني الدامي القريح الهامع ال ... هامي الملث الهاطل الهتّان
مالي على ذل الجفا صبرٌ ولا ... جلدٌ يساعدني على الهجران
والحس يحكم بيننا وبين من يدعي أن هذا من باب المعاظلة اللفظية. وأما بيت أبي تمام فإنه من قصيدة جاء فيها مثله بيتان وهما:
مارنه لدنه مثقّفه ... عرّاصه في الأكفّ مسحسحه مطّرده
ثم قال:
مسفّه ثرّه مسححه ... وابله مستهلّه برده
قال وقد أورد قول أبي الطيب:
فلا يبّرم الأمر الذي هو حالل ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
رد التعصب
وبلغني عن أبي العلاء أنه كان يتعصب لأبي الطيب، حتى إنه كان يسميه الشاعر ويسمي غيره من الشعراء باسمه.
وزاد ابن الأثير في ذم المعري وقال: إن الله قد جمع له بين العمى في البصر والبصيرة.
أقول: إن المعري معذور في تفضيل المتنبي على غيره، وليس هو ببدع في ترجيحه على غيره من الشعراء فأكثر الناس على هذا المذهب. وما المعري ولا غيره ممن رجحه يعتقد أنه معصوم لا يقع في الخطأ. وإنما الرجل إذا أجاد لم يلحقه أحد، وما له عندي نظير غير القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، فإن الفاضل هكذا ينحط في بعض الأوقات إلى الحضيض، ثم يثب وثبة تكون الثريا لها ثرى، ويدع من اتبع أثره وقفا خطاه وقد رجع القهقرى. كقوله: وخواطري كليلة، وتصرفاتي قليلة، وحميتي كما يعرفها، والخلطة تخليط، فإن سمع سيدنا بابن شفة عني فهو لقيط.
وكذلك أبو الطيب، بينا تراه على عادة الشعراء من متوسط وردي، حتى يأتي بجيد ترك الناس ينفضون غبار سبقه من هواديهم، وجلس على أسرة الأفق مطمئنا والشعراء يهيمون في واديهم. كما قال:
فذي الدار أخدع من مومسٍ ... وأمكر من كفة الحابل
ثم أردفه بقوله:
تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل
وكما قال يرثي والدة سيف الدولة:
أتتهنّ المصيبة غافلات ... ودمع الحزن في دمع الدلال
ثم قال:
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ ... ولا التذكير فخر للهلال
وكما قال منها:
رأيتك في الذين أرى مملوكا ... كأنك مستقيمٌ في محال
ثم أردفه بقوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وكما قال في رثاء ابن سيف الدولة:
بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل ... فهذا الذي يضني كذاك الذي يبلي
ثم أردفه:
كأنك أبصرت الذي بي وخفته ... إذا متّ فاخترت الحمام على الثكل
وكما قال:
ليت المدائح تستوفي مناقبه ... فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول
ثم أردفه بقوله:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زجل
وكما قال:
نلومك يا عليّ لغير ذنبٍ ... لأنك قد زريت على العباد
ثم يقول بعد ذا:
كأنّ الهام في الهيجا عيونٌ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صنعت الأسنّة من همومٍ ... فما يخطرن إلا في فؤاد
وهذان البيتان وإن عدت سرقاتهما فما فيها ما له هذه الديباجة ولا فيه هذه الطلاوة.
وكما قال: