1 · ص1
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
قَالَ الإِمِامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
(٩٠) (بَابُ سُتْرَةِ الِإمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) أي هذا باب في بيان كون سترة الإمام الذي يصلِّي وليس بين يديه جدار ونحوه سترة لمن كان يصلِّي خلفه من المصلِّين، والسُّترة -بضمِّ السِّين- ما يستتر به، والمراد ههنا عكازة، أو عصا، أو عَنَزَة ونحو ذلك، وفي بعض النسخ قبل قوله: (بَابُ سُتْرَةِ الِإمَامِ) <أبوابُ سترةِ المُصَلِّي>؛ أي هذه أبواب في بيان أحكام سترة المصلِّي، وجه المناسبة بين هذه الأبواب الَّتي قبلها من حيث إنَّ الأبواب السَّابقة في أحكام المساجد بوجوهها، وهذه الأبواب في بيان أحكام المصلِّين في غيرها، وهي خمسة أبواب متناسقة.
٤٩٣ - قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْد الله بنِ عَبْدِ اللهِ بن عُتْبَة عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أنَّه قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلَامَ، وَرَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ).
مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة تستنبط من قوله: (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ)؛ لأنَّ هذا اللَّفظ مشعر بأنَّ ثمَّة سترة لأنَّ لفظة (غَيْرِ) تقع دائمًا صفة، وتقديره إلى شيءٍ غيرِ جدارٍ وهو أعمُّ من أن يكون عصًا أو عَنَزَة أو نحو ذلك. قال شيخنا: أورد في هذا الباب ثلاثة أحاديث الثَّاني والثالث منها مطابقان للترجمة لكونه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يأمر أصحابه أن يتَّخذوا سترة غير سترته، وأمَّا الأوَّل ـ وهو حديث ابن عبَّاس ـ ففي الاستدلال به نظر؛ لأنَّه ليس فيه أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى إلى سترة، وقد بوَّب عليه البَيْهَقي: باب من صلَّى إلى غير سترة، وقد تقدَّم في كتاب العلم في الكلام على هذا الحديث في باب متى يصحُّ سماع الصَّغير، قولُ الشَّافعي رحمه الله: أنَّ المراد بقول ابن عبَّاس: (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) أي إلى غير سترة. وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزَّار، وقال بعض المتأخِّرين: قوله (إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ) لا ينفي غير الجدار، إلَّا أنَّ إخبار ابن عبَّاس عن مروره بهم وعدم إنكارهم لذلك مشعر بحدوث أمر لم يُعهد، فلو فرض هناك سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا.
وكأنَّ البخاري رحمه الله حمل الأمر في ذلك على المألوف المعروف من عادته
2 · ص2
أنَّ ترك الإنكار حجَّة على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار وثبوت العلم بالاطِّلاع على الفعل، ولا يقال لا يلزم مما ذكر اطلاع النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الصفُّ حائلًا دون رؤية النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم له؛ لأنَّا نقول قد تقدَّم أنَّ في رواية المُصَنِّف فِي الحَجِّ أنَّه (مَرَّ بَيْنَ يَدَي بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ) فلم يكن هناك حائل دون الرؤية، ولو لم يرد شيء من ذلك لكان توفُّر دواعيهم عن سؤاله صلَّى الله عليه وسلَّم عمَّا يحدث لهم كافيًا في الدلالة على اطِّلاعه على ذلك، والله أعلم.
واستُدِلَّ به على أنَّ مرور الحمار لا يقطع الصَّلاة فيكون ناسخًا، لحديث أبي ذرٍّ الذي رواه مسلم في كون مرور الحمار يقطع الصَّلاة، وكذا المرأة والكلب الأسود، تُعُقِّب بأنَّ مرور الحمار متحقق في حال مرور ابن عبَّاس وهو راكبه، وقد تقدَّم أن ذلك لا يضرُّ لكون سترة الإمام سترة لمن خلفه وإنَّما مروره بعد أن نزل عنه فيحتاج إلى نقل، وقال ابن عبد البرِّ: حديث ابن عبَّاس هذا يخصُّ حديث أبي سعيد: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يصَلِّي فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ)) فإنَّ ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأمَّا المأموم فلا يضرُّه من مرَّ بين يديه، لحديث ابن عبَّاس هذا قال: وهذا كلُّه لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض الاتِّفاق على أنَّ المأمومين يصلُّون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام أو سترتهم الإمام نفسه. انتهى.
وفيه نظر لما رواه عبد الرزَّاق عن الحكم بن عَمْرو الغفاري الصحابي أنَّه صَلَّى بأصحابهِ في سفرٍ وبينَ يديهِ سُترَةٌ فمَرَّ حميرٌ بينَ يَدَي أصحابهِ فأعَادَ بهمُ الصَّلاة، وفي رواية أنَّه قالَ لَهُمْ: إنَّها لَمْ تَقْطَعْ صلاتِي ولكن قَطَعَتْ صلاتَكُمْ.
فهذا يُعَكِّر على ما نقل من الاتِّفاق، ولفظ ترجمة الباب وردت في حديث مرفوع رواه الطَّبَرَاني في «الأوسط» من طريق سُوَيد بن عبد العزيز عن عاصم عن أَنَس مرفوعًا: ((سُتْرَةُ الِإمَامِ سُترَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ)) وقال: تفرَّد به سُوَيد عن عاصم. انتهى.
وسويد ضعيف عندهم ووردت أيضًا في حديث موقوف على ابن عُمَر أخرجه عبد الرزَّاق ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مرَّ بين يدي الإمام أحد، فعلى قول من يقول إنَّ سترة الإمام سترة من خلفه يضرُّ صلاته وصلاتهم، وعلى من يقول أنَّ الإمام نفسه سترة من خلفه يضرُّ صلاته ولا يضرُّ صلاتهم.
٤٩٤ - قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال أبو علي الجَيَّاني: لم أجد إِسْحاق هذا منسوبًا من الرواة، وقال