← المكتبة ▭ 1 page
المحاسن والمساوئ
البيهقي، إبراهيم الأدب 320 هـ
A− A+
47 · ص47
عصيت الهوى وهجرت النساء ... وكنت دواءً فأصبحت داء وما أنْس لا أنْس حتى الممات ... نزيب الظباء تجيب الظباء دعيني وصبري على نائباتٍ ... فبالصبر نلت الثرى والثواء وإن يك دهري لوى رأسه ... فقد لقي الدهر مني التواء ليالي أروي صدور القنا ... وأروي بهن الصدور الظماء ونحن إذا كان شرب المدام ... شربنا على الصافنات الدماء بلغنا السماء بأنسابنا ... ولولا السماء لجزنا السماء فحسبك من سوددٍ أننا ... بحسن البلاء كشفنا البلاء يطيب الثناء لآبائنا ... وذكر عليٍ يزين الثناء إذا ذكر الناس كنا ملوكاً ... وكانوا عبيداً وكانوا إماء هجاني قومٌ ولم أهجهم ... أبى الله لي أن أقول الهجاء وقال غيره: وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيدٌ قام صاحبه نجوم السماء كلما انقض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه فلا توعدني يا شريح فإنني ... كليث عرينٍ فرّ عنه ثعالبه يمشي بأوصال الرجال إذا ستا ... قد احمرّ من نضخ الدماء مخالبه وقال آخر: حلماء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مقاولٌ لسن لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جواره فطن وأحسن من ذلك كله قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أتاه أعرابي فقال: بأبي أنت وأمي أكرم الناس حسباً! فقال: أحسنهم خلقاً وأفضلهم تقوى، فانصرف الأعرابي. فقال: ردوه، ثم قال: يا أعرابي لعلك أردت نسباً؟ قال: نعم. قال: يوسف صدّيق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله فأين مثل هؤلاء الآباء في جميع الدنيا! ما كان فيها مثلهم أبداً. وقال الشاعر: ولم أر كالأسباط أبناء والدٍ ... ولا كأبيهم والداً حين ينسب ودخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي، صلى الله عليه وسلم، فانتسب ثم قال: أنا ابن الأشياخ الأكارم، فقال، صلى الله عليه وسلم: أنت إذاً يوسف صدّيق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وقال، صلى الله عليه وسلم: خير البشر آدم، عليه السلام، وخير العرب محمد، صلى الله عليه وسلم، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، رحمهم الله أجمعين. مساوئ الافتخار روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا تفخروا بآبائكم في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده لما يُدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية. قيل: وكان الحسن البصري يقول: ابن آدم لم تفتخر وإنما خرجت من مسيل بولين نطفة مشجت بأقذار؟ وقال بعضهم لرجل يتبختر: يا هذا إن أولك نطفة قذرة وآخرك جيفة منتنة وأنت فيما بينهما وعاء عذرة فما هذه المشية؟ قال: وقيل لعامر بن قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما أقول فيمن إن جاع ضرع وإن شبع طغى. وروي عن ابن عباس أنه قال: يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والعتاق والجمال والهيئة والمنطق ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين، فأتقاهم أحسنهم يقيناً وأزكاهم عملاً وأرفعهم درجة أعقلهم، وقيل في ذلك: يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظوراً عليه مكاسبه يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت آباؤه ومناسبه وقال بعض الحكماء: لا يكون الشرف بالحسب والنسب، ألا ترى أن أخوين لأب وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر؟ ولو كان ذلك من قبل النسب لما كان لأحد منهم على الآخر فضلٌ لأن نسبهما واحد ولكن ذلك من قبل الأفعال لأن الشرف إنما هو فيه لا في النسب، وقال الشاعر في ذلك: أبوك أبي والجدّ لا شك واحدٌ ... ولكننا عودان آسٌ وخروع
48 · ص48
وبلغنا عن المدائني أنه قال: ليس السودد بالشرف وإنما ساد الأحنف بن قيس بحلمه وحضين بن المنذر برأيه ومالك بن مسمع بمحبته في العامة وسويد بن منجوف بعطفه على أرامل قومه، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال. قيل: وسمع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو خليفة صوتاً ولفظاً بالباب فقال لبعض من عنده: اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله. فخرج الرسول فأدخل بلالاً وصهيباً وسلمان، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في عصابة من قريش جلوساً بالباب فقال أبو سفيان: يا معشر قريش أنتم صناديد العرب وأشرافها وفرسانها بالباب ويدخل حبشيّ وفارسيّ وروميّ؟ فقال سهيل: يا أبا سفيان أنفسكم فلوموا ولا تلوموا أمير المؤمنين، دعا القوم فأجابوا ودعيتم فأبيتم وهم يوم القيامة أعظم درجات وأكثر تفضيلاً. فقال أبو سفيان: لا خير في مكان يكون فيه بلال شريفاً. مساوئ أصحاب الصناعات قال المأمون وذكر أصحاب الصناعات: السوقة سفل والصناع أنذال والتجار بخلاء والكتاب ملوك على الناس. وقال المأمون: الناس أربعة: ذو سيادة أو صناعة، أو تجارة أو زراعة، فمن لم يكن منهم كان عيالاً عليهم، وذكروا أن أبا طالب كان يعالج العطر والبزّ، وكان أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، بزّازاً، وكان عمر بن الخطاب بزازاً، وكان عبد الرحمن بن عوف بزازاً، وكان سعد بن أبي وقاص، رحمه الله، يأبر النخل، وكان أخوه عتبة، رحمه الله، نجاراً، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل بن هشام جزاراً، وكان الوليد بن المغيرة حداداً، وكان عقبة بن أبي معيط خمّاراً، وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطاً، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت والأدم، وكان أمية بن خلف يبيع البُرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاساً، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص يعالج الخيل والإبل، وكان جرير بن عمرو وقيس أبو الضحاك بن قيس ومعمر بن عثمان وسيرين أبو محمد بن سيرين كلهم حدادين، وكان المسيب أبو سعيد زياتاً، وكان ميمون بن مهران بزّازا، وكان مالك بن دينار ورّاقاً، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي خزّازاً، وكان مجمع الزاهد حائكاً. قيل: واتخذ يزيد بن المهلب بستاناً في داره بخراسان، فلما ولي الأمر قتيبة بن مسلم جعله لإبله، فقال له مرزبان مرو: هذا كان بستاناً وقد اتخذته لإبلك! فقال قتيبة: كان أبي أشتربان وكان أبو يزيد بستانبان فمنهما صار ذلك كذلك. محاسن النتاج ذكروا أن جرهم من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم وأن الملأك من الملائكة كان إذا عصى ربه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل في طبيعته ما في طبيعة بني آدم كما صنع بهاروت وماروت في خبرهما مع الزهرة حتى كان من شأنهما ما كان، فعصى بعض الملائكة ربنا جل ذكره فأهبطه إلى الأرض في صورة رجل فتزوج أم جرهم فولدت منه جرهم، فقال شاعرهم: لاهمّ إنّ جرهماً عبادكا ... الناس طرفٌ وهم تلادكا وكان ذو القرنين أمه قيرى آدمية وكان أبوه عيرى من الملائكة. وسمع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، رجلاً ينادي: يا ذا القرنين! فقال: فرغتم من أسماء الأنبياء فارتقيتم إلى أسماء الملائكة! وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله جل وعز: " وشاركهم في الأموال والأولاد ". ولأن الجنّيات إنما يعرضن لصرعى رجال الإنس على جهة العشق وطلب السفاد وكذلك رجال الجن لنساء بني آدم، ومن زعم أن الصرع من المرّة فقد رد قول الله عز وجل: إن الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، وقال جل ذكره: " وشاركهم في الأموال والأولاد "، وقال عز وتعالى: " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان "، وكان عبد الله بن هلال سبط إبليس من قبل أمهاته. وروى أبو زيد النحوي أن سعلاةً أقامت في بني تميم حتى ولدت فيهم ورأت ذات يوم برقاً من شق بلاد السعالي فحنّت إلى وطنها وطارت إليهم. وقد قيل إن الواقواق من نتاج ما بين بعض النبات وبعض الحيوان. وقد قيل إن الثعلب يسفد الهرة الوحشية فيخرج من بينهما ولد فيه مشابهة منهما، قال حسان بن ثابت: أبوك أبوك وأنت ابنه ... وبئس البنيُّ وبئس الأب وأمك سوداء نوبيةٌ ... كأن أناملها العنظب
→ prev 47–48 / 254 next ←