65 · ص65
اختلف الفقهاء هل يجب على الزوج مجامعة امرأته فقالت طائفة لا يجب عليه ذلك لأنه حق له فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه بمنزلة من استأجر دار إن شاء سكنها وإن شاء تركها وهذا من أضعف الأقوال لأن القرآن والسنة والعرف والقياس يرده قال الله تعالى ولهن مثل الذي علين بالمعروف فإذا كان الجماع حق الزوج عليها فهو حق لها على الزوج بنص القرآن وقال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوته أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة ومن زعم أن هذا من المعروف كفاه طبعه في الرد عليه وقالت طائفة يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر وتخير المرأة بعد ذلك إن شاءت تقيم معه وإن شاءت تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهو أمثل القولين مع ما فيه وقالت طائفة يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشروها بالمعروف قالوا وعليه أن يشبعها وطأ إذا أمكنه كما عليه أن يشبعها قوتاً وكان ابن تميمة يرجح هذا القول ويختاره قال تلميذه ابن قيم الجوزية وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على استمعال هذا ورغب فيه وعلق عليه الأجر وجعله صدقة لفاعله فقال وفي بضع أحدكم صدقة ففي هذا كمال اللذة وكمال الإحسان وحصول الأجر وفرح النفس وذهاب أفكارها الرديئة عنها وخفة الروح وذهاب كثافتها وغلظها وخفة الجسم واعتدال المزاج وجلب الصحة ودفع المواد الردئية فإن صاف ذلك وجهاً حسناً وخلقاً دمثاً أي سهلاً وعشقاً وافراً ورغبة تامة واحتساء باللثواب فذلك اللذة التي لا يعادلها شيء ولا سيما إذا وافقت كمالها فإنها لا تكمل حتى يأخذ كل جزء من البدن بقسطه من اللذة فتلتذ العين بالنظر إلى المحبوب والأذن بسماع كلامه والأنف بشم رائحته والفم بتقبيله واليد بلمسه وتنعكف كل جارحة على ما تطلبه من لذاتها ويقابله المحبوب بنظير ذلك فإن فقد من ذلك شيء لم تزل النفس متطلعة إليه متقاضية له فلا تسكن كل السكون ولذلك تسمى المرأة سكناً لسكون النفس إليها ولذلك فضل جماع النهار على جماع الليل وله سبب آخر طبيعي وهو أن الليل وقت تبرد فيه الحواس وتطلب حظها من السكون والنهار محل انتشار الحركات فذلك قوله تعالى: " وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً " وكان محمد بن المنكدر يدعو في صلاته ويقول اللهم قوم لي ذكري فإن فيه صلاحاً لأهلي وقال عبد الله بن صالح كان الليث بن سعد إذا غشى أهله يقول اللهم شد لي أصله وارفع لي صدره وسهل على مدخله ومخرجه وارزقني لذته وهب لي ذرية صالحة تقتل في سبيلك قال وكان جهورياً فكان يسمع ذلك منه وقال علي بن عاصم حدثناً خالد الحذاء قال لما خلق الله آدم وخلق حواء قال يا آدم اسكن إلى زوجك فقالت حواء يا آدم ما أطيب هذا زدنا منه.
الباب الثامن عشر
تعنت المعشوق
على الصب المشوق وغير ذلك من أقسام الهجر
وصبر القابض فيه على الجمر
أقول هذا باب عقدناه لذكر الجني وقول المحبوب إليك عني فهو باب لمن مر به حلو المذاق عطر الخلاق بالاتفاق لا يعرف طعمه إلا من ذاقه وعرف وصل الحبيب وفرقه ولم تزل العشاق تستحلي تجني الحبيب وتقول:
ضرب الحبيب زبيب ... شرط المحبة عند أرباب الهوى
إن المليح على التجني يعشق لا يصدهم حد ولا يقفون من سيوف اللحاظ عند حد فكم رأوا جور الحبيب عدلاً وقالوا لخده إذا أقبل أهلاً وسهلاً لا يأخذهم فيه لومة لائم ولا يعدون جور بارد الظلم من المظالم:
من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه ... حلواً فقد جهل المحبة وادعى
والعلم المشهور في هذا الباب قول عليه بنت المهدي:
جبل الحب على الجور فلو ... أنصف المحبوب فيه لسمج
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج
كأنها ذهبت في البيت الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذي ... تروع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسل والكتب
وقد زاد النميري على هذا فقال: راحتي في مقالة العذال.
وشفائي في قولهم لا تغال لا يطيب الهوى ولا يحسن الحب لصب لصب إلا بخمس خصال:
66 · ص66
بسماع الأذى وعذل نصيح ... وعتاب وكاشح ومطال
وقال جميل بن معمر:
لا خير في الحب وقفاً لا تحركه ... عوارض اليأس او يرتاحه الطمع
لو كان لي صبرها أو عندها جرعى ... لكنت أملك ماآتى وما أدع
ومن أبلغ ما قيل في عنت الأحباب قول بعض الأعراب في محبوبته:
شكوت فقلت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي
فلما كتمت الوجد قالت تعنتا ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب
وأدنو فتقصيني فأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي
فشكواي تؤذيها أو صبري يسوءها وتجزع من بعدي وتنفر من قربي فيا قوم هل من حيلة تعرفونها أشيروا بها واستوجبوا الأجر من ربي: وقد قسموا الهجر على أربعة أقسام فقالوا هجر دلال وهجر ملال وهجر مكافأة على الذنب وهجر يوجبه البغض المتمكن في الصدور فأما هجر الدلال فهو ألذ كثير من الوصال وعليه عقدت هذا الباب قال كشاجم:
لولا أطراد الصيد لم تك لذة ... فتطاردي لي بالوصال قليلا
هذا الشراب أخو الحياة وما له ... من لذة حتى تصيب غليلا
وقال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يخشى ويتقي
وقال أيضاً:
زيدي أذى مهجتي أزدك هوى ... فأجهل الناس عاشق حاقد
وقال آخر:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
ويستحب لمن وسم بالجمال وأخذ بقلوب النساء والرجال أن يكون كثير التذلل قليل التبذل.
فقد قال ابن وكيع:
قالوا عشقت كثير التيه ممتنعاً ... فقلت هيهات عنكم غاب أطيبه
لو جاد هان وقلت الجو دعاته ... وإنما عزّ لما عز مطلبه
فإذا تبذل وأجاب كل من دعاه صار عرضة للظنون لأن النفس الحرة لا تنفك عن غيره وقد قال العباس ابن الأحنف:
يا قوم لم أهجركم لملالة ... مني ولا لمقال واش حاسد
لكنني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
وأما هجر الملال فيثبطه مرور الأيام والليالي أما بتنائي الدار أو بطول الاختبار.
حكي أن متيم الهاشمية لما اشتراها على ابن هشام حظيت عنده واحبها حباً شديداً فاتفق أنها غضبت عليه في وقت من الأوقات وتمادت في غضبها فترضاها فلم ترض فكتب إليها الإدلال يدعو إلى الملال ورب هجر دعا إلى الصبر وإنما سمى القلب قلباً لتقلبه وقد صدق عندي قول العباس بن الأحنف:
ما أراني إلا سأهجر من ليس ... يراني أقوى على الهجران
ملني واتقى بحسن إخاء ... ما أضر الإخاء بالإنسان
فلما قرأت الرقعة خرجت إليه من وقتها ورضيت وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب فالتوبة تزيله من القلب عند الاعتراف بالذنب ولا سيما إذا كان المحبوب.
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
يتقي الله في المحب وقد أفل ... ح من كان همه الاتقاء
وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي فهو الذي لا دواء له قال الحصري وهذا لا يصح بين ذوي الإخلاص وذوي الاختصاص إذ حقيقة المشاكلة تمنعه وصحة المناسبة تدفعه والذي أقوله أنا أيضاً أن هذا القسم مرضه مما لا يمكن علاجه ولا يعذب أجاجه فالمحبوب فيه لا يلام ومحبته كمن يرقص في الظلام ويسلم على من لا يرد عليه السلام:
أحبابه كم يفعلون بقلبه ... ما ليس يفعله به أعداؤه
أخذه الأرجاني فقال:
أأحبابنا لم تجرحونا بهجركم ... فؤاداً يبيت الدهر بالهم مكمدا
إذا أردتوا قتلي وأنتم أحبة ... فلا فرق ما بين الأحبة والعدا
وقال آخر:
يطالبني قلبي بكم كل ساعة ... إذا أفلس المديون لج المطالب
ويشتاقكم شوق الذي مس الظما ... وقد منعت ظلماً عليه المشارب
إذا أردتوا قتلي وأنتم أحبة ... إذاًفالأعادي واحد والحبائب
الباب التاسع عشر
الدعاء على المحبوب
وما فيه من الفقه المقلوب
كقولي:
دعوت من الحبيب بعشق ظبي ... أقاسي منه أنواع الجفاء