11 · ص11
فالقصص بما تحوي من الحوادث المتشابهة تساعد الإنسان على معرفة السنن الربانية التي لا تتخلف - إلا أن يشاء الله- وذلك بقياس الحاضر على الماضي، قال ابن تيمية -رحمه الله-: " ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس، واطراد فعله وسنته لم يصح الاعتبار بها، لأن الاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره كالأمثال المضروبة في القرآن" ١.
المبحث الخامس: استبانة سبيل المجرمين:
من أهم الأهداف، وأجل الغايات التي تحصل من دراسة الأديان معرفة سبيل المجرمين، قال تعالى عقب حديثه عن الرسل والرسالات: {(٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: ٥٥] ٢، والله قد بين في كتابه سبيل المؤمنين مفصلة، وسبيل المجرمين مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وعاقبة هؤلاء مفصلة، وأعمال هؤلاء، وأعمال هؤلاء، وأولياء هؤلاء، وأولياء هؤلاء، وخذلانه لهؤلاء، وتوفيقه لهؤلاء، والأسباب التي وفق بها هؤلاء، والأسباب التي خذل بها هؤلاء ... والعالمون بالله وكتابه، ودينه، عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان، كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده، والطريق الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق، وأنفعهم للناس، وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة، وبذلك برز الصحابة على جميع من أتى بعدهم إلى يوم القيامة، فإنهم نشأوا في سبيل الضلال، والكفر، والشرك، والسبل الموصلة إلى الهلاك، وعرفوها مفصلة، ثم جاءهم الرسول، فأخرجهم من تلك الظلمات إلى سبيل الهدى، وصراط الله المستقيم ٣.
"والله -سبحانه- يحب أن تُعرف سبيل أعدائه لتُجتنب، وتُبغض، كما يحب أن تُعرف سبل أوليائه، لتحب وتسلك، وفي هذه المعرفة من الفوائد، والأسرار ما لا يعلمه إلا الله .. " ٤.
إن تميز أهل الحق عن أهل الباطل من أهل الأهواء والبدع، ومن أهل الأديان والنحل الباطلة، قضية في غاية الأهمية، فقد حرص السلف -رضوان الله عليهم- ذلك، وما تسمية أهل الحق بألقاب "أهل السنة والجماعة" و"السلف" و"أهل الحديث" و"أهل الأثر" إلا من باب التمايز، وتبين سبيل الحق عن سبل أهل الضلال، وإذا كان التمايز عن أهل البدع الذين هم من أهل القبلة مطلوباً شرعاً فإن غيرهم من أهل الأديان والنحل الباطلة من باب الأولى ٥.
١ جامع الرسائل، لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم ص ٥٥، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة الأولى. وانظر: علم الملل ومناهج العلماء فيها ١٦٧ - ١٦٩.
٢ سورة الأنعام الآية: ٥٥.
٣ انظر: الفوائد لان القيم الجوزية، تحقيق محمد عثمان الخشب ص ١٦١، دار الكتاب العربي - بيروت، ط الرابعة ١٤١٠ هـ ١٩٩٠ م.
٤ المصدر السابق ص ١٦٤.
٥ انظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه ص ١٦٥ - ١٦٦.
12 · ص12
الفصل الثالث: الضوابط الشرعية لدراسة علم الأديان
إن لهذا العلم ضوابط ينبغي الالتزام بها، وهذه الضوابط ليست خاصة به، بل هي عامة في كل أمر يراد بحثه، فمن هذه الضوابط:
الضابط الأول: الإخلاص:
وهو أن يبتغي الإنسان بعلمه وعمله وجه الله تعالى، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠] فالعمل المتقبل من العبد ما كان موافقاً للشرع، مراداً به وجه الله وحده ١. وفي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" ٢. فمدار صحة الأعمال أو فسادها النية.
والقائم بالدفاع عن الحق، والدعوة إليه، والمجادلة من أجله أشد حاجة إلى الإخلاص من غيره. لذا فإن توفر سلامة النية، والقصد شرط أساسي لمن يشتغل بدراسة الأديان، فلا بد أن يكون قصده في هذا حراسة الدين، والذب عنه، ودلالة الناس على الهدى، وتثبيتهم عليه ٣، وألا يكون له أي غرض آخر.
قال إمام الحرمين الجويني موضحاً آداب الجدل: "فأول شيء فيه مما على الناظر أن يقصد التقرب إلى الله -سبحانه- وطلب مرضاته في امتثال أمره سبحانه فيما أمر به ويبالغ قدر طاقته في البيان والكشف، عن تحقيق الحق وتمحيق الباطل، ويتقي الله أن يقصد بنظره المباهاة وطلب الجاه والتكسب والممارة، والمحك، والرياء، ويحذر أليم عقاب الله -سبحانه- ولا يكن قصده الظفر بالخصم، والسرور بالغلبة، والقهر، فإنه من دأب الأنعام الفحولة، كالكباش، والديكة" ٤.
١ انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٠٣.
٢ أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ص ٢١، رقم الحديث ١.
٣ الرد على المخالف من أصول الإسلام بكر أبو زيد ص ٥٤.
٤ الكافية في الجدل، لإمام الحرمين الجويني، تحقيق د. فوقية حسين محمود ص ٥٢٩، طبع بمطبعة عيسى البابي، القاهرة ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م. انظر: علم الملل ومناهج العلماء فيه ص ٢٣٧ - ٢٣٩.