79 · ص79
والبلور على أنواع الجزع بالقياس إلى القطب لا يخالفه ويجلب من جزائر الزنج والدبيجات إلى البصرة ويتخذ بها منه الأواني وغيرها وفى موضع العمل هناك مقدر يوضع عنده القطع الكبار والصغار فيرى فيها ويهندس احسن ما يمكن أن يعمل منها وأوفقه للنحت ويكتب على كل واحد منها ثمل تحمل إلى سائر الصناع فيعملون بقوله ويأخذ من الأجرة أضعاف أجورهم بكنه الفرق بين العلم والعمل - هذا البلور يكون في رقة الهواء وصفاء الماء فان اتفق فيه موصع منعقد ناقص الشفاف بغيم أو ثقب اخفى بنقش ناتئ أو كتابة بحسب اللباقة فى الصناعة والاقتدار على التقدير - فان فشا فيه هذا التعقد حتى أبطل شفافه سمى ريم بلور أى وسخه - ويجلب من كشمير بلور إما قطاع غير منحوتة واما منحوت منها أوان وأقداح وتماثيل الشطرنج وكلاب النرد وخرز بقدر البندق لكنه يتخلف من حسن الزنجي في الصفاء والنقاء ولا صنيعهم لها في لطافة صنعة أهل البصرة - ويوجد فى الجبال منه قطاع وتكثر في حدود وخان وبدخشان ولكنها لا تقصد للجلب - قال الكندي - أجود البلور الأعرابي يلقط من براريهم من بين حصاها وقد غشى بغشاء رقيق عكر ويوجد منه ما يوازن الرطلين كما يلقط أيضا بسرنديب وهو دون الأعرابي في الصفاء - ومنه ما يخرج من بطن الأرض فان كان في ارض العرب كان أجود - قال - ورأيت منه قطعة زادت على مائتي رطل وإنما كانت كثيرة الغيم والثقوب - وله معدن بأرمينية وآخر ببدْ ليس من تخومها يضرب لونه إلى الصفرة - وأما نصر فانه قسمه إلى أربعة أنواع أولها الأعرابي وقد وصفها بصفات الكندي إياه وزاد عليه إن ضياء الشمس إذا وقع عليه رؤى منه ألوان قوس قزح - وكان واجبا عليه ان يشترط فان ذلك فى المنكسر دون المجرود وذلك انه مشابه للجمد وفى مكاسرة المضطربة ترى هذه الألوان أيضا - والثاني يسمى على وجه التشبيه غيميا - والثالث السرنديبى قريب من الأعرابي مخلف الصفاء عنه والرابع مستنبط من بطن إلارض وهو يفوق الأعرابى - قال - ومنه لون أصابته رائحة النار والدخان وهو أرداه - وفى كتاب الأحجار ان البلور صنف من الزجاج يصاب في معدنه مجتمع الجسم وان الزجاج يصاب متفرق الجسم فيجتمع بالمغنيسيا - وتبعه قوم وقالوا في كتبهم ان البلور نوع من الزجاج معدني والزجاج نوع من الزجاج صناعي - وقال حمزة - البلور مناسب الزجاج في بعض الجهات ولم يبن عنه وكأنه عنى الشفاف والنَمّ بما فى جوفه فانهما متباينان بالإذابة لانقياد الزجاج لها وامتناع البلور عنها على ما نذكر فانى لم أشاهدها ولم امتحنها فيها وقال بعضهم فى البلور - انه ماء جامد منعقد وبهذا اقول كما سأذكر - وبسبب مشابهته للماء الصافي شبه حجارة الماء ونفاخاته - وقال ابن المعتز -
أما رأيت حباب الماء حين بدا ... كأنه قحف بلور إذا انقلبا
وقال العوفى -
كأنما القطر على مياهها ... إذا انتشى يطلع من حيث هبط
باب در حولها وصائف ... في رفعهن يرتمين باللّيط
والنفاخات إذا كانت من در لم يشف ولم ير ما فيها ولا ما وراءها وأما تشبيهها بالبلور فهو المستحسن - قال أبو الحسن الموصلى -
كأن حباب الماء فيها غُدَيّة ... قوارير بلّور لدينا تّدهدّه
وقال -
وينداح فوق الماء قطر مدور ... كما طلعت فى وجه السجنجل تنكه
والعجب ما تفق في البلور من الأشكال خلقه - فقد ذكر الحكاك المذكور انه وجد خلال الحصى من التفتيش بناحية ورزفنج معدن اللعل كاعلام النرد وبياذق الشطرنج مثمنة ومسدسة كالمنحوتة بالصناعة - قال الصنوبرى فى بركة -
والسحب ينظمن فوقها سبحا ... نظام مَعنيّة بسبحتها
فواقع قد عدت بياذق الش ... طرنج صفوفا في وسط رقعتها
والرسم في بياذق الشطرنج ان تكون مسدسة النحت وفى كلاب النرد أن تكون مدورة الخرط ثم اصطفافها يكون في حاشية الرقعة المعرضة فان اتفق في وسطها فهو بارد عجيب -
في ذكر أخبار البلور
80 · ص80
ذكر افلوطرخس فى كتاب الغضب أن يارون ملك رومية أهدى له قبة بلور مسدسة عجيبة الصنعة غالية الثمن ولم يذكر فى الحكاية سعتها وهل كانت قطعة واحدة أو قطاعاتهندم وقت نصبها فعظم تبجحه بها وقال لفيلسوف لما حضر مجلسه، ما تقول فيها - قال، انه ليسوءنى امرها فإنها إذا فقدتها لم تأمن ان يعوزك الفوز بمثلها فيبدو فقرك اليها وإذا عارضها آفا عارضتك مصيبة بحسبها - وكان كما قال فانه خرج إلى الجزائر متنزها فى ايام الربيع وحمل القبة فى قارب وهو جنيبة مركبه وغرقت الريح القارب فرسبت القبة وبقى الملك حزينا فتذكر قول الفيلسوف وتسلى به وإلا كان يبقى متحسرا عليها أيام حياته - ومن طالع حديث الخاتم إلاسماعيلى تعجب من عجز ايارون عن اخراج القبة مع ما كان معه من متقدمى المهندسين وأصحاب الحيل المسماة مخانيقونات - وقد ذكر مانإلأوس في كتابه في معرفة أوزان الأجرام المختلطة من غير تمييز بعضها عن بعض انه اهدى إلى ايارون ملك رومية وصقلية اكليل من ذهب مرصع بالجواهر بديع الصنعة وانه ذهب بالحملان ولم تطاوعه نفسه بنقصه فاستخرج له ارشميدس طريق معرفة خلوص ذهبه واختلاطه بشوب وغش - وارشميدس هو الذي احرق بالمرايا سفن الواردين إلى جزيرة من البربر والفرس فقد قيل ذلك فى كليهما - وعن مثل اسف ايارون احترس إلاسكندر لما اهدى اليه أوانى بلور نفيسة فاستحسنها ثم امر بكسرها وقيل له فى ذلك فأجاب، بأنى علمت إنها ستنكسر على ايدى خدمى واحدة بعد اخرى وكل مرة يهيجنى الغضب فارحت نفسى من تلك المرات بواحدة وارحتهم منى - وكان العبادى تنبه من ذلك فانه كان يسوق حمارا موقرا زجاجا فة قفص وانه سئل عما معه فقال، ان عثر الحمار فلا شيء - بل ما احسن قول يعقوب بن الليث حيث ركض إلى نيسابور وغافص محمد بن طاهر وإلى خراسان غير متسرول وكان يطوف به فى الخزائن ويوقفه على ما فيها حتى انتهى إلى خزانة الطرائف وعدد محمد عليه اموال اثمان ما فيها من البلور المخروط والمجرود فأمر غلامه بكسرها بالعمود ورضها ثم استسقى فى مشربته وكانت في إلاسفيذرويه فى غلظ الخنصر وحين شرب منها طرحها على الأرض حتى طنت وتدحرجت وقال لمحمد؟ يا ابن الفاعلة وهل نفعك تضييع الأموال في تلك الأواني وصرفي الشرب بغيرها هلا استأجرت بأثمانها رجالا يدفعونني عنك - ثم حبسه في صندوق وحمله إلى العراق معه وما خلصه من يدها لا انهزامه من الموفق وليعقوب في سيره ما يعلم منه ان هاديه اليه كان شباب دولته وأقبال شأنه يعرفكه حاله اخيه عمر ولما ملك بعده دفع إلى معتمده النهض إلى بغداد اموإلا وتقدم اليه يصرفها في أثمان أواني بلور واقترحها وان الرجل روى في مثل ذلك ما تقدم فلم يسمح قبله بافساد الذهب وصاغ منع أوانى وجامات وصواني ولما انصرف بها شق على عمرو مخالفة امره وامر بسقيه فى المجلس بواحد منها على وجه الإكرام ورسم للسلقي إرسال حية صليبية تسد الجام ففعل ومن دأبها الوثوب إلى رأس الإنسان فوثبت اليه ولسعت ارنبة أنفه فسقط لحينه ولم يكن عمرو مترعرعا فى نعمة بل حالة منحطة عن حال يعقوي لكن بعزم الدوله وادبار إلامر علماه ما ورد به موارد التلف وكان يحمل إلى بغداد مستوثقا به فبلغ قنطرة فى بعض المراحل بخراسان واسغرب ضحكا فسأله عديله عن سببه فقال؟ اتفق لى على هذه القنطرة اجتياز ثلاث دفعات احداها مع حمار موقر من الصفر وانه عثر عليها وسقط واحتجت في أزعاجه إلى معين وانسدت الطريق فلم يأتني فيها سابل استعين به إلى ان مضى اكثر النهار - والثانية فى أوائل العام الماضي مع خمسين ألف عنان وهذه الثانية نأتي اثنين في العمارية وأتمنا فيها حالي في أولاها والله المستعان