← المكتبة ▭ 1 page
الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة
عز الدين ابن شداد البلدان والرحلات 684 هـ
A− A+
1 · ص1
المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي يقول العبد الفقير إلى الله تعالى الغني به محمّد بن علي بن إبراهيم بن شدّاد بن خليفة بن شدّاد بن إبراهيم بن شدّاد: الحمد لله الَذي قصّ من أنباء الرسل ما ثبت به فؤاد رسوله وتلا عليه من أخبار الأمم ما بلغ به تصديقه غاية سؤاله جاعل الأيام دولاً والأنام ملوكاً وخولاً وملبس الزمان من تقلّب الدول قشيباً وسملاً محي الأموات ومميت الأحياء ومقدّر الأقوات ومجري الماء أحمده على تصرّف الأقدار وأشكره على تعاقب الأعصار وأصلّي على نبيه المبعوث بتغيير الملل وإقامة الدين ورفع منار الحق وقمع أباطيل الملحدين وعلى آله وصحبه الذين نسخوا ظلام الكفر بضياء الإيمان وجاهدوا في الله حق جهاده حتى علا دينه على سائر الأديان صلاةً زاكيةً دائمةً ما اختلف الملوان. وبعد فإنه لما حللت بمصر المحروسة وتبوّأتُ محالها المأنوسة وشملني من أنعام مولانا السلطان السيد الأجل المجاهد المابط رافع كلمة الإيمان وقامع عبدة الصلبان ملك العصاة الإسلامية حامي حوزة الملّة الحنفية إسكندر الزمان والبلاد الجزرية خادم الحَرمين الشريفين القائم بمتابعة الخليفتين مقر الإِسلام في نصابه ومعيد رونق الخلافة العباسية بعد مضيّه وذهابه الملك الظاهر الطاهر المقاصد الباهر المفاخر ركن الدين أبي الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين لا زالت ألويتهُ في الخافقَّين خافقة وسوابق جياده إلى ديار أعدائه لعزماته سابقة ومواقفه لما يرضي الله ويعزّ الدين موافقة ولا برح النصر مفروناً بأعلامه والدوام مصاحباً لأيامه والدهر مصرّفاً بين نقضه وإبرامه ما يعجز البليغ عن حصره ويستقي الطاقة في نشره ولا يبلغ كنه قدره. ورتعت في أنعامه بين روضة وغدير ورفلتُ من ملابس إحسانه فيما دونه الحرير وصاحبتُ زماني طلق المحياّ بعد عبوسه وعاد إليَّ معتذراً مما كان قد أخنى عليَّ من بؤسه وكان السبب في نجعتي عن بلاد بها عقّ تمائمي الشباب وفيها اتخذتُ الإخوان والأصحاب وقضيتُ الأوطار مع اللدات والأتراب ما لا ينسى ذكره على مرور الأيام ولا يبرح مكرّرّا بأفواه المحابر وألسن الأقلام من دخول التتر الخذولين البلاد وتفرقتهم بجموعهم لشمل من سكنها من العباد رأيت انتهاز الفرصة في شكر إنعامه العميم وإدراك البغية في وصف إكرامه الجسيم أن أضع كتاباً أذكر فيه ما سنى الله له من الفتوحات التي لم تكن تتوهمها الأطماع وملَّكه ما كان بأيدي الكفر من منيعات الحصون والقلاع وما وطئته سنابك خيوله واسترجعتْه مواضي لهاذمه ونصوله من البلاد التي يئست الأطماع من ردها وألزمت العيون مداومة سهدها وجرعت النفوس الصبر بعد شهدها مفصّلاً كل جند من أجناد الشام والجزيرة بأعماله وحدوده ومكانه من المعمور وأطواله وعروضه ومطالع سعوده ملتزماً في كل بلد ذكر من وليه من أوّل الفتوح وإلى الوقت الذي فُرغ فيه هذا الكتاب وأجري في ذلك طلق جهدي معتمداً فيه على ما صح عندي ولا أدعي الإحاطة فيما ذكرتُ ولا أقول إني أحرزتُ الغاية وما قصرتُ عن إدراكها بل جعلتُه دستوراً يسترجع به عارب الإنس ويُستفادُ منه ما حدث باليوم والأمس وأبدأ بذكر جند حلب لكونها مسقط رأسي ومحل أنسي وناسي وثدي الذي ارتضعتُ دَرَّه ويجري الذي تقلد نحري دُرّه وموضع نزهتي ووطني وبقعتي والمكان الذي حمدتُ به الأيام والمنزل الذي كنتُ به من الحوادث في ذمام والدار التي صحبتُ بها الشباب غضاٍّ جديداً وقطعتُ فيها بالدعة والسرور عيشاً حميداً وعاشرتُ من لم يزل للمحفل صدراً وللجحفل قلباً وعند النائبات " شعر ": أُحبُّ رُبّى فيها رُبيتُ مُكرَّماً ... وَيُعْجِبُني كُثْبانُها وَهِضابُها بِلادٌ بِها عَقَّ الشَبابُ تَمائِمي ... وَأَوَّلُ أرْضٍ مَسَّ جِسْمي تُرابَها ولله قول ابن الرومي حيث أفصح عن السبب في حب الأوطان والتأسف علي القطّان " شعر " وَحَبَّبَ أوْطانَ الرِجالِ إلَيْهِمُ ... مآرِبُ قَضّاها الشَبابث هُنالِكا إذا ذَكَروا أَوْطانَهُمْ ذَكَّرْتُهمُ ... عُهودَ الصِبا فيها فَحَنّوا لِذالكا
2 · ص2
وقد جاء في المنقول: حبّ الوطن من الإيمان. وعن علي كرّم الله وجهه: عمرت الدنيا بحب الأوطان. وعن إبراهيم بن أدهم رضه أنه قال: ما عالجت شيئاً أشدّ من منازعة النفس للوطن. وقال عبد الملك بن قريب الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحببه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه. ولولا ما عمتني من الإحسان الظاهري وأصّله الله تع ما أسلى عنها لذهبت نفسي شعاعاً لفقدها ولم تهنني الأيام من بعدها. لكن في إنعامه ما يُسلي الغريب عن أوطانه ويُعيد للمرء في أيّام المشيب شرخ شبابه وقديم زمانه فالله تع يعضده بالملائكة المقرّبين ويبقي دولته على تعاقب الأيّام والسنين وأَتوخّى في ترتيب ذلك أيّام الخلفاء الراشدين ومن خلفهم من بني أميّة والعبّاسييّن وعندما تمّ كتابي وكمل وارتدى بالفوائد واشتمل وسمّيتُه بالأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة راجياً أن يكون مرهفاً لغرمات من وُضع له وإن كانت مستغنيةً عن الأرهاف وسميراً يغنيه في أوقات خلواته عن ذي الإكرام والجلال مستوهباً منه موادّ التوفيق والإفضال إذ لا حول إلاّ به ولا معوّل إلاّ عليه ولا قوة إلاّ منه سائلاً من وقف على ما جمعتُه ولفقتُه ووضعتُه ونمقتُه من ذوي الأخذ والنقد وأولى الحلّ في المعارف والعقد إصلاح ما يرى فيه ممّا لا يقبله التمييز ويرتضيه من تقصير في العبارة أو تطويل في مكان الإشارة أو خلل وقع في الترتيب أو زلل أخلّ به مقتضى التهذيب ملتمساً منه أن يسبل عليه ستر المسامحة عالماً أنّ الاعتداد إنّما هو بالنيّة الصالحة متيقنّاً أن التأريخ معرض للتصديق والتكذيب وأنّ واضعه سائق نفسه إلى التعنيف والتثريب والله تع أسأل غفراً وآمل ستراً وأرغب أن يشرح لي صدراً ويبدل عسري يسراً وأصدر القول بالأهمّ من تكميل غرضي في هذا الكتاب وهو أربعة مقاصد. المقصد الأوّل في ذكر الشام واشتقاق اسمه حكى أبو الحسين أحمد بن فارس في كتاب اشتقاق أسماء البلاد قال: الشام فعل من اليد الشؤمي وهي اليسرى. يقال أخذ شأمةً أي على يساره وشأمت القوم ذهبت على شمالهم. وقال قوم: هو من مشؤوم الإبل وهي سودها وحضارها هي البيض. قال أبو ذؤيب: فما تُشْتَرى إلاّ بِرِبْحٍ سِباؤُها ... بَناتُ المَخاضِ شُؤْمُها وَحِضارُها وفي كتاب الله عزّ وجلّ في المعنى الأوّل) وَأَصْحابُ المَشْأَمَةِ (. قال الأعشى: عَلى أَثَرِ الأَدِلَّةِ وَالبُعايا ... وَخَفْقِ الناعِجاتِ مِنَ الشآمِ وقال أبو بكر محمّد " بن " القاسم الأنباريّ: في اشتقاق اسم الشأم وجهان أحدهما يجوز أن يكون مأخوذاً من اليد الشؤمى وهي اليسرى. قال الشاعر: وَأَنْجى عَلى شُؤْمَى يَدَيْهِ فَرادَها ... بأَظْماءَ مَرْفوعِ الذُؤَابَةِ أَسْحَما والثاني أن يكون فعلاً من الشؤم. وقال ابن المقفّع: سُمّيت الشام بسام بن نوح وسام اسمه بالسريانيّة شام وبالعبرانيّة شيم. وهشام بن محمّد المعروف بابن الكلبيّ ينكر هذا ويقول: إنّ ساماً لم ينزل هذه الأرض قطّ وإنّما سُمّيت الشام بشامات بها حمر وسود وبيض. وقال غيره: سُمّيت الشام لأنّها عن شمال الكعبة كما أنّ اليمن عن يمينه. وقال أيضاً هشام بن الكلبيّ: لمّا تفرّق الناس من أرض بابل بوقوع صرح النرود أخذ بعضهم يمنةً فسُميّت الأرض الّتي نزلوا بها يمناً لأنّها عن يمين البيت وأخذ آخرون شأمةً فسُميّت الأرض الّتي نزلوا بها شأماً لأنّها عن شأمة البيت أي شماله. المقصد الثاني في ذكر أوّل من نزل به
→ prev 1–2 / 205 next ←