← المكتبة ▭ 1 page
الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة
عز الدين ابن شداد البلدان والرحلات 684 هـ
A− A+
77 · ص77
ولم تزل في يده إلى أن تسلمها الملك الصالح نجم الدين أيوب أبن الملك الكامل، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ولم تزل في يده إلى أن توفي في الخامس عشر من شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة. وولي بعده ولد الملك المعظم. ولم تزل في يد نوابه إلى أن قُتل في المحرم سنة ثمان وأربعين، وملك الناصر صاحب حلب دمشق، فبذل لنوابه مالاً حتى سلْموه له، وانعم على قاضيه بألفي دينار فلم يأخذها. وبقي الحصن في يده إلى أن استولى التتر على البلاد وانقضت دولة الناصر، وخرج من دمشق هارباً. فلما نزل التتر على الحصن عصي عليهم من فيه فوصل إليه الملك الناصر المذكور، ودخله، وسلمه إليهم، وذلك في رجب فاستولى على جميع حواصله وذخائره وكان به جوارٍ للملك الناصر فأنزلوهن منه حفاةً عراةً، وهدموا شراريف القلعة. ولم يزل في أيديهم إلى أن كسروا على " عين جالوت " في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمئة، فتسلمه الملك المظفر، وأمر بعمارته. ولما قتل الملك المظفر في ذي القعدة من السنة، واستولى الملك الظاهر على البلاد المصرية والشامية صار إليه بعد أن ملك دمشق في صفر سنة تسع وخمسين وستمائة، فجدّده وعمره، ونقل إليه الذخائر، وولّى فيه عز الدين أيبك العلائي. ولم يزل في يده إلى أن نقله قلعة صفد لما فتحها وولّى فيه الأمير سيف الدين وهو بها إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب. ثم لما توفي الملك الظاهر ثامن عشري محرم سنة ست وسبعين صار إلى ولده الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان، فاستمر بيده إلى أن خرج الملك عنه لأخيه الملك العادل سيف الدين سلامش ليلة الاثنين ثامن عشر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين، وولى أتابكيته الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي. فلم يزال في يد نواب الملك العادل إلى أن جلس السلطان الملك المنصور المذكور، على تخت الملك يوم الثلاثاء خامس عشري شهر رجب من سنة ثمان وسبعين، فسير إليه نوابه واستمر بيده ذكرُ ما في هذا الجند من البلادِ الساحلية وهي: عرقة - وجبيل - وصيدا - وبيروت - وأطرابلس فأما عرقة فمدينة قديمة في سفح جبل قليل العلوّ، والبحر منها على ثلاثة أميال. ولها في وسطها حصنٌ عالٍ حصين. وشرب أهلها من مياه تأتيهم من نهر يجري ملاصق لها، عليه أرحاء، وبها قصب السكر؛ وبناؤها بالجصّ والتراب. طولها ستّ درجة، وعرضها خمس وثلاثون درجة ودقيقتان. قال البلاذري: " أتى يزيد بن أبي سفيان بعد فتح دمشق - صيدا - وبيروت - وعرقة، وجبيل، وهي سواحل؛ وعلى مقدمته أخوه معاوية ففتحا فتحا يسيراً وأجلى كثيراً من أهلها. وتولى فتح عرقة معاوية بنفسه في ولاية يزيد. ثم إن الروم غلبوا على هذه السواحل في آخر خلافة عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - وأول ولاية عثمان، فقصدهم معاوية فأخرجهم عنها، ثم رمها وشحنها مقاتلة. قلتُ: ولم تزل ثغور الشام يتصرف فيها نواب من يلي الأجناد الشامية أيام بني أمية، وصدراً من أيام بني العباس إلى أن ملك العبيديون الشام، فاعتنوا بالثغور، فأفردوها، وولوا في كل ثغرٍ منها والياً من مصر، ورتبوا معه جنداً لحفظه من عدوٍ يقصده. ولم تزل " عرقة " يتصرف فيها نواب من يلي دمشق، إلى أن خرج ملك الروم " قانورا "، وقصد نواحي حلب وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة فاستولى على كثير من بلاد الشام ثم سار إلى عرقة فأخذها وسبى أهلها في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وذلك في أول مُلك المصريين الشام. ثم خرج عن البلاد، فعاد المسلمون إليها وسنوها، واستمرت في أيديهم إلى أن قصدها باسيل ملك الأرمن فملكها، وهدمها، وانصرف عنها إلى بلاده وذلك في سنة تسعين وثلاثمائة. ثم عاد المسلمون إليها فعمروها. ولم تزل بعد في يد نواب من يلي دمشق إلى أن تغلب عليها خلف بن ملاعب لما ملك حمص، والأمير يومئذ على دمشق معلىّ حيدرة بن منزو من قبل المستنصر صاحب مصر.
78 · ص78
ولم تزل في يده إلى أن أخذ منه حمص تاج الدولة تتش وذلك في سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. ولم تزل في يد تاج الدولة تتش، ثم في يد ولده شمس الملوك دقائق، من بعده، إلى أن نزل عليها الفرنج، وفيها نائب له فكتب إليه يستنجده، فبعث إليه ظهير الدين طغتكين الأتابك في عسكر، فالتقى بالفرنج وكانوا سمعوا بمجيئه فساروا إليه، ووقعتْ بينهما حرب كانت على الأتابك، فعاد إلى دمشق، ورجع الفرنج إلى " عرقة " فحاصروها، حتى نفذ قوت من فيها، وتسلّموها بالأمان. ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها الملك العادل نور الدين محمود سنة سبع وستين وخمسمائة. وبقيت في أيدي المسلمين إلى أن مات الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتخاذل أولاده بعضهم عن بعض، تغلب عليها البرنس صاحب أنطاكية وأطرابلس. ولم تزل في يده إلى أن قصدها السلطان الملك الظاهر ركن الدين، ففتحها عند فتحه " حصن الأكراد " في رجب سنة تسع وستين وستمائة. ولما وقعت بين السلطان الملك الظاهر وبين صاحب أطرابلس الهدنة على المناصفات في البلاد التي في يده، نزل له من " عرقة " ولم ينصفه عليها. وهي في يده في عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب. جُبيل وهي مدينة حسنة على البحر، لها سور من حجر حصين. وليس بها ماء جار. وإنما يشرب أهلها من الآبار. لم تزل في يد من يلي دمشق منذ فتحت إلى أن انتقلت إلى المصريين، وولوا فيها من قبلهم. وجرى الأمر فيها على ذلك إلى أن تغلب أمين الدولة أبو طالب بن عمار قاضي " طرابلس " عليها، فيما تغلب عليه من بلاد الشام. ثم صارت من بعده لفخر الملك أخيه ولم تزل في يده، إلى أن أخرج الفرنج لحصار " أطرابلس "، فنزلوا على حصن " جبيل " وضايقوه حتى ملكوه بالأمان من نواب فخر الملك، ثم غدروا بأهله، وأستأصلوا أموالهم بأنواع العقوبات في سنة سبع وتسعين " وأربعمائة ". وقرأت في تاريخ ابن الأثير: أنها أخذت بالأمان بعد أخذ أطرابلس، وكان ابن عمار بها في ذي الحجة من سنة ثلاث وخمسمائة، وخرج سالماً إلى دمشق. ولم تزل في أيديهم إلى أن فتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادي الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وبقي في أيدي المسلمين إلى أن باعته الاكراد للفرنج بستة آلاف دينار سنة تسعين وخمسمائة وهي في أيديهم إلى الآن. صيدا وهي على ساحل البحر. وعليها سور من حجارة تنسب لرجل من ولد كنعان بن حام. وكورتها كثيرة الأشجار، غزيرة الأنهار، لها أربعة أقاليم، متصلة بجبل لبنان، تشتمل على نيّف وستمائة ضيعة. وشربُ أهلها من ماء يجري إليها من جبلها في قناة. وبها عينُها المعروفة ينشأ بها في زمن الربيع سمكة على طُول الإصبع، منها الذكور وإناث، لها علامات يعرف بها النوعان، فإذا كان وقت سِفادها أخذت ثم جُففت، فإذا احتاج إليها منْ يريد أن يجمع ما شاء سُحقت بالماء وشُرب منه فلا يصيبه عجز ولا فتور. طالعها القوس والمشتري. لم يزال حكمها في الولايات حكم ما تقدمها من البلاد الجارية عند جند دمشق، إلى أن أخذها من نواب المستنصر تاج الدولة تتش صاحب دمشق، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة، فخرج إليها أمير الجيوش بدر المستنصري من مصر بعسكر فنازلها، وحاصرها حتى أخذها بالأمان، سنة اثنتين وسبعين، وأخرج منها نواب تاج الدّولة، وولّى فيها من قبله. ولم تزل في أيدي المصريين إلى أن نزل فيها بغدوين ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسمائة فسأله أهلها أن يُمهلهم مدةً عّينوها، فأجابهم بعد أن قرر عليهم ستة آلاف دينار مقاطعة. ثم رحل إلى القدس وعاد فملكها بالأمان بعد قتال سبعة وأربعين يوما. ولم تزل يد الفرنج إلى أن فتحها الملك الناصرُ صلاح الدين بالأمان بعد قتال شديد وحصار عتيد، في العشرين من جُمادى الأول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وبقيت في يده إلى أن صارت في يد ولده الملك الأفضل لماّ ملك دمشق فصارت إليه في سنة لثنتين وتسعين، فأقطعها لولده الملك المعظم، فأنعم بها على أخيه الملك المغيث. وبقيت في يده إلى أن استشعر الملك العادل من الفرنج نقض الهدنة التي كانت بينهم وبين الملك الناصر صلاح الدين لما غادروا على البلاد فبعث إليها من هدمها، وذلك في سنة ثلاث وتسعين..
→ prev 77–78 / 205 next ←