7 · ص7
وهذا الرأي الذي قال به المستشرقون قد أورده عدد من كتاب الفرق في كتبهم كالبغدادي والشهرستاني، وأن كلمة (المعتزلة) لفظ أطلقه أعداؤهم من أهل السنة عليهم للتدليل على أنهم انفصلوا عنهم، وتركوا مشايخهم القدامى، واعتزلوا قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة، فهم بهذا الاعتبار اسم يتضمن نوعاً من الذم، واتهاماً واضحاً بالخروج على السنة والجماعة، فالمعتزلي هو المخالف والمنفصل ١.
ثالثاً: أنها من الوقوف على الحياد:
وهذا هو رأي المستشرق (نيللو) والمستشرق (دومينيك سورديل الفرنسي) من أن الاعتزال مأخوذ من الحياد، والسبب في ذلك؛ أن المعتزلة قد وقفوا على الحياد بين أهل السنة والجماعة وبين الخوارج.
لذا فإن مفهوم الاعتزال عندهم هو الوقوف على الحياد في مواجهة الفرق المتنازعة ٢، بل قال المستشرق (د: جمرت): أنه قد يطلق على بعض الصحابة الذين وقفوا على الحياد بين علي ومعاوية، كعبدالله بن عمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، إلا أنه ليس هناك أي صلة بينهم وبين حركة الاعتزال التي أسسها واصل بن عطاء ٣.
رابعاً: أن المعتزلة تطور من القدرية:
وهذا القول متداخل مع القول بأنها مأخوذة من الانفصال والانشقاق، إلا أنه يختلف عنه من خلال كون القائلين به جعلوا القدرية هي أصل المعتزلة ومبدأها، وأن أصول المعتزلة التاريخية تعود إلى معبد الجهني وغيلان الدمشقي، مع قولهم بأنها من الانفصال والانشقاق، وقد قال بهذا من المستشرقين (اشتيتر، فون كريمر، دي بوار الهولندي) ٤.
وهذا فيه موافقه للحقيقة من حيث أصل نشأة المذهب، إلا أنه ليست له علاقة بالتسمية، ذلك أن المعتزلة والقدرية، قد اتفقتا على إنكار القدر والقول بنسبة خلق الأفعال للعباد ٥، كما أن غيلان الدمشقي ذكره كتاب طبقات المعتزلة ضمن رجال الطبقة الرابعة ٦، مما يرجح أن أصول مذهب القدر كانت ممهدة لأصول الاعتزال من حيث توافق الأفكار في مسألة القدر.
١ انظر: دراسات في الفرق والعقائد الإسلامية: ٨٤.
٢ انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٣٠/ ٩٣٨٤، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، بحوث في المعتزلة (نيللو): ١٨١، ١٩٠، ١٩١.
٣ انظر: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، بحوث في المعتزلة (نيللو): ١٨٣ - ١٨٤.
٤ انظر: المرجع السابق: ١٧٧.
٥ انظر: المعتزلة بين القديم والحديث: ٦٠ - ٦١.
٦ انظر: طبقات المعتزلة لابن المرتضى: ٢٥، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ٢٢٩.
8 · ص8
المطلب الثاني: أسماء المعتزلة
أولاً: المعتزلة.
لقد غلب إطلاق اسم (المعتزلة) على هذه المدرسة العقدية، حتى غدا أشهر أسمائها وأعمّها ١، ولكن المستشرقين فيه على طرفي نقيض، فغالبية المستشرقين يطلقون عليهم اسم (المعتزلة) ٢ ولا خلاف بينهم إلا في أصل التسمية، ويرى المستشرق (هنري كوريان الفرنسي) أن المعتزلة -أنفسهم- كانوا يفخرون بهذا الاسم في كل مراحل تاريخهم، وليس في ذلك ما يدل على أن الاسم يدينهم بشيء ٣، ولم يطلقه عليهم أهل السنة مضمناً معنى الذم أو السخرية ٤.
بينما المستشرق (نيبرج السويدي) يعترض على هذه التسمية، ويرى أنها غير معقولة ولا وجه لها، وحجته في ذلك أنه قد ورد تسمية هذه المدرسة (بأهل الاعتزال) و (من قال بالاعتزال) فلو كان معنى الكلمة ما زعموه لما جازت هذه التسمية، كما أن لها عدة نظائر في عرف ذلك الزمان، كالمرجئة يرادفها أهل الإرجاء وهم الذين قالوا بالإرجاء، والرافضة التي يرادفها أهل الرفض ومن قال بالرفض.
ويؤيد اعتراضه ما أورده المسعودي من أن كلمة (اعتزال) في اصطلاح مذهب المعتزلة، هو القول بالمنزلة بين المنزلتين، أي باعتزال صاحب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين ٥.
ثانياً: القدرية:
يرى المستشرق (أشتيتر) أن المعتزلة في بدء أمرهم كانوا يسمون (القدرية) ثم لما أظهروا آراء مخالفة في مسائل عديدة، مثل صفات الله، وطبيعة القرآن، والوعد والوعيد بدت هذه التسمية (القدرية) غير كافية للدلالة عليهم، فاستبدلت بتسمية (المعتزلة) ٦.
ويقول المستشرق (فوكوك الإنجليزي): فإذا سمي المعتزلة باسم القدرية، فذلك للقدرة التي يقولون بوجودها في العباد، فيظهر أن اشتقاق هذا الاسم أتى من إسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم ٧، واستند في قوله هذا إلى نص ذكره الإيجي في المواقف حيث يقول: "ويلقبون بالقدرية لإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم" ٨.
١ انظر: المعتزلة زهدي جار الله: ١٠.
٢ انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٣٠/ ٩٣٨٤.
٣ انظر: تاريخ الفلسفة في الإسلام (هنري كوريان): ١٨٤.
٤ انظر: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية: ١٩٠.
٥ انظر: مروج الذهب ٦/ ٢٢، ٧/ ٢٣٤.
٦ انظر: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، بحوث في المعتزلة (نيللو): ١٧٦ - ١٧٧.
٧ انظر: المرجع السابق: ١٩٩.
٨ انظر: المواقف للإيجي: ٤١٥.