23 · ص23
وأما صور المعقولات فقد يظن أن وجودها المعقول هو نفس وجودها المشار إليه، وأن كان المعقول منها غير الموجود فعلى جهة هي غير الجهة التي بها نقول في سائر الصور أن الموجود منها غير المعقول، إلا أنه أن كأن المعقول منها غير الموجود على أي وجه كان فهي كاذبة فاسدة، وأن كان المعقول منها هو الموجود فهي ضرورة مفارقة أو فيها شيء يفارق، إلا أنه ليس يلزم من وضعنا أن المعقول يخالف الموجود منها بجهة غير الجهة التي بها يخالف المعقول من سائر الصور الموجودة منها أن تكون مفارقة، إذ كان لم يتبين من هذا القول، أو انه ليس لها نسبة خاصة إلى الهيولى بل أنما تبين من ذلك أنه أن كان لها نسبة فهي غير النسبة التي لتلك الصور، ولعل تلك النسبة تخص بعض الصور الهيولانية.
ومما يباين أيضاً فيه هذه المعقولات سائر الصور النفسانية أن إدراكها غير متناه على ما تبين من أمر الكلي وسائر القوى إدراكها متناه.
وقد ظن أيضاً من هذا أنها غير هيولانية أصلاً، وليس في هذا كفاية في أنها أيضاً مفارقة بالكل، إذ كان التصور للقوة الناطقة غير الحكم والتصديق لكونهما فعلين متباينين، وذلك أن التصور بالعقل إنما هو تجريد الصورة من الهيولى، وإذا تحررت الصورة من الهيولى ارتفعت عنها الكثرة الشخصية، وليس يلزم عن ارتفاع الكثرة الشخصية الهيولانية ارتفاع الكثرة أصلاً. فإنه ممكن أن تبقى هنالك كثرة بوجه ما، لكن من جهة أنها تجرد الصور من كثرة محدودة ولحكم حكماً على كثرة غير متناهية، وقد يجب أن يكون هذا الفعل لقوة غير هيولانية، لأنه أن كان واجباً أن يكون إدراك الصور المفارقة لغير متناه وجب أن يكون إدراك الصور الهيولانية لمتناه وحكمها على متناه. وإذا كان حكم الصور الهيولانية على متناه فما هو حكم على غير، متناه فهو ضرورة غير هيولاني، إذ كان الحكم على الشيء إدراك له أو من قبل طبيعة مدركة له.
فمن هذا يظهر لعمري أن هذه القوة التي فينا غير هيولانية، إلا أنه لم يتبين بعد أن هذا الحكم هو لهذه المعقولات الكلية، بل لعلة لقوة أخرى تتنزل من هذه المعقولات منزلة الصورة.
ومما يخص أيضاً هذا الإدراك العقلي أن الإدراك فيه هو المدرك، ولذلك قبل أن العقل هو المعقول بعينه، والسبب في ذلك أن العقل عندما يجرد صورة الأشياء المعقولة من الهيولى ويقبلها قبولاً هيولانياً يعرض له أن يعقل ذاته، إذا كانت ليست تصير المعقولات في ذاته من حيث هو عاقل بها على نحو مباين لكونها معقولات أشياء خارج النفس. وليس الأمر في الحس كذلك، وإن كان يتشبه بالمحسوسات، فإنه ليس يمكن فيه أن يحس ذاته حتى يكون الحس هو المحسوس، إذ كان إدراكه للمعنى المحسوس إنما هو من حيث يقبله في هيولى. ولذلك يصير المعنى المنتزِع في القوة الحسية مغايراً بالوجود لوجوده في المحسوس، ومقابلاً له على ما شانه أنه يوجد عليه الأمور المتقابلة في باب المضاف.
وبين أن هذا إنما عرض له من جهة أن قبول المعقول لم يكن قبولاً هيولانياً شخصياً، لكن أن كان هاهنا العقل هو المعقول نفسه من جميع الوجوه على مثال على ما يظن به الأمر في المفارقات حتى لا تكون له نسبة إلى الهيولى بوجه من اوجه النسب بها، يتصور أن يكون العاقل غير المعقول بوجه ما كان ضرورة فعلاً دائماً، وبين أن هذا لم يتبين بعد مما وضع هاهنا من مباينة للحس.
ومما يخص هذه المعقولات أيضاً أن إدراكها ليس. يكون بانفعال كالحال في الحس، ولهذا متى أبصرنا محسوساً قوياً ثم انصرفنا عنه لم نقدر في الحين أن نبصر ما هو أضعف والمعقولات بخلاف ذلك.
والسبب في ذلك أن الحس لما كانت تبقى من صور المحسوسات فيه بعد انصرافها عنه آثار ما شبيهة بالصور الهيولانية لم يمكن فيه أن تقبل صورة أخرى حتى تمحى عنه تلك الصورة وتذهب، وهذا أيضاً إنما عرض له من جهة النسبة الشخصية.
24 · ص24
ومنها أن العقل يتزيد مع الشيخوخة وسائر قوى النفس بخلاف ذلك. وأكثر هذه الأحوال الخاصة بالمعقولات إذا تؤملت ظهر أن السبب في وجودها كون المعقولات عامة النسبة الشخصية التي توجد لسائر قوى النفس، وهي أن لا تكون للمعقول، منها في غاية المقابلة للموجود على ما عليه الأمر في الصور الشخصية، ولهذا متى استعملنا هذه الخواص دلائل لم تفض بنا إلى أكثر من هذه المعرفة. وأما متى أردنا أن نجعلها دلائل على وجود هذه المعقولات فعلاً محضاً ودائماً كنا قد استعملنا في ذلك المطلوب المتأخرات التي ليس يلزم عن وجودها وجود المتقدم، بمنزلة من قال أن الكواكب نار لأنها مضيئة. وذلك أن كل ما هو بالفعل دائماً قد عدم صورة النسبة الشخصية التي توجد لسائر قوى النفس، وليس ينعكس هذا حتى يلزم أن كل ما عدم هذه النسبة فهو موجود بإلفعل، وذلك بين لمن زاول صناعة المنطق.
فإذن الذي غلط من قال من هذه الأشياء بمفارقة المعقولات هو موضع اللاحق.
وإذا كان هذا هكذا وظهر أنه ليس في هذه الأمور الخاصة بالمعقولات ما تبين بها أنها موجودة دائماً فعلاً فلننظر هل تلحقها الأمور الخاصة بالصور الهيولانية بإطلاق أم لا، وقد قلنا أن ذلك شينان: أحدهما أن يكون وجود الصور تابعاً لتغير بالذات وبذلك تكون حادثة، والثاني أن تكون متكثرة بتكثر الموضوعات تكثراً ذاتياً لا تكثراً عرضياً، بل ما يتوهمه أصحاب التناسخ بأي وجه اتفق مات أوجه التكثر.
فنقول إنه إذا تؤمل كيف حصول هذه المعقولات لنا وبحاصة المعقولات التي تلتئم منها المقدمات التجربية ظهر أنا مضطرون في حصولها لها أن نحس أولاً ثم نتخيل، وحينئذ يمكننا أخذ الكلي. ولذلك من فاتته حاسة ما من الحواس فاته معقول ما. فإن الأكمه ليس يدرك معقول اللون أبداً، ولا يمكن فيه إدراكه، وأيضاً فإن من لم يحس أشخاص نوع ما لم يكن عنده معقولة، كالحال عندنا في الفيل. وليس هذا فقط بل يحتاج مع هاتين القوتين إلى قوة الحفظ وتكرر ذلك الإحساس مرة بعد مرة حتى ينقدح لنا الكلي. ولهذا صارت هذه المعقولات إنما تحصل لنا في زمان، وكذلك يشبه أن يكون الحال في الجنس الآخر من المعقولات التي لا ندري متى حصلت ولا كيف حصلت إلا أن تلك لما كانت أشخاصها مدركة لنا من أول الأمر لم نذكر متى اعترتنا فيها هذه الحال التي تعترينا في التجربية، وهذا ظاهر بنفسه. فإن هذه المعقولات ليست جنساً آخر من المعقولات مباين للتجربية، ولذلك ما يجب أن يكون حصولها بجهة واحدة.
وبالجملة فيظهر أن وجود هذه المعقولات تابعة للتغير الموجود في الحس والتخيل تباعداً ذاتياً على جهة ما تتبع الصور الهيولانية التغيرات المتقدمة عليها، وإلا أمكن أن نعقل أشياء كثيرة من غير أن نحسها، فكأن يكون التعلم تذكراً كما يقول أفلاطون.
وذلك أن هذه المعقولات متى فرضناها موجودة بالفعل دائماً، ونحن على الكمال الأخير من الاستعداد لقبولها، وذلك مثلاً في الكهولة، فما بالنا ليت شعري إلا يكون في تصور دائماً وتكون الأشياء كلها لنا معلومة بعلم أولي.
وغاية ما نقول في ذلك متى فأتنا منها معقول ما ثم أدركناه أن إدراكه تذكر لا حصول معرفة، لم تكن قبل بالفعل لنا حتى يكون تعلم الحكمة عبثاً، وهذا كله بين السقوط بنفسه، ولذا كان وجود هذه المعقولات تابعاً لتغير بالذات فهي ضرورة ذات هيولى، وموجودة أولاً بالقوة وثانياً بالفعل، وحادثة فاسدة، إذ كل حادث فاسد على ما تبين في آخر الأولى من السماء والعالم.
وقد يظهر أيضاً أنها متكثرة بتكثر الموضوعات ومتعددة بتعددها، وهو الأمر الأخر الذي تخص الصور الهيولانية بما هي هيولانية من أن هذه المعقولات إنما الوجود لها من حيث نستند إلى موضوعاتها خارج النفس، ولذلك ما كان هنا صادقاً كان له موضوع خارج النفس يستند كلية إلى صورته المتخيلة، وما لم يكن له موضوع كغزايل وعنقا مغرب كان كاذباً بالكون الصور المتخيلة منه كاذبة.