← المكتبة ▭ 1 page
رسالة النفس
ابن رشد الحفيد علوم أخرى 595 هـ
A− A+
9 · ص9
فإذن إنما يتفق الأبصار بهذين الأسطقسين وبالضوء. لكن أما الجهة التي بها تخدم هذان الأسطقسان هذه القوة فقد تبينت وأما على أية جهة يفعل ذلك الضوء فقد ينبغي أن نبين ذلك بعد أن نلخص أولاً كم هي الأجسام المضيئة وما الضوء والمستضيئ. فنقول أما الأجسام المضيئة بالتقديم فنوعان: الجسم الإلهي والنار، إلا أن ذلك بالذات للجسم الإلهي وبالعرض للنار ولذلك لم تكن مضيئة في مكانها. وقد يقال المضيء أيضاً بتأخير على كل ما من شأنه أن يقبل الضوء من غيره ثم يضيء هو في نفسه. وأحرى ما قبل له مضيء من هذا ما كان بحيث يجعل غيره مرئياً ولم تكن صورة بانعكاس، كالحال في القمر. وأما التي تضيء في نفسها فقط وليست تجعل غير مرئية فكثير من الأصداف التي تضيء بالليل والماء الذي يظهر على المجاذيف. وليس ما قبل في هذه الأشياء أنها تضيء. من قبل أن لها طبيعة نارية بشيء كما حكى ذلك ثامسطيوس عن المعلم الاسكندر، لأن المضيِء إنما يوجد في الممتزج من جهة ما هو لون ولذلك ليست هذه ألواناً إلا باشتراك الاسم، وسنبين أكثر في كتاب الحس والمحسوس. وأيضاً فقد يظهر من أمر هذه أنها بخلاف الألوان، إذ كانت إنما تبصره في الظلمة والألوان في الضوء فقط، حتى قيل أن خاصة اللون أن يحرك للمشف بالفعل والأولى بهذه أن يظن أنها تضيء من جهة أنها تقبل الانعكاس لأنها في طبيعة المرئي، وأن كان ليس يمكن أن تضيء غيرها، وعلى هذه الجهة ترى عيون كثيرة من الحيوان تضيء في الظلام، أو نقول أنه يتحلل عنها في الظلام بخار شأنه أن يعرض عنه مثل هذه الرؤية. والفحص عن هذا ليس بلائق بهذا الموضع، فإن استقصاء القول في هذه الأشياء هو في كتاب الحس والمحسوس. وأما الضوء فإنه لما كان غير جسم أصلاً بدليل انه مشع بكلية في كلية الأجسام المشفة ويحدث في غير زمان، ولم يمكن فيما هذا شأنه أن يفارق لم يكن الضوء شيئاً غير كمال المشف بما هو مشف. والمستضيئ هو الذي يقبل الضوء، والضوء إنما يفعل الإضاءة في المستضيئ إذا كان منه ذا وضع محدود وقدر محدود. وهذا بين أن الإضاءة من الكمالات التي ليست منقسمة بانقسام الجسم، ولا حاصلة في زمان، لكن إذا كان هذا كله هكذا فعلى أي جهة ليت شعري يكون للضوء مدخل في تتميم هذا الإدراك. وذلك يمكن أن يتصور على أحد وجهين: إما أن يكون الضوء هو الذي يعطي الجسم المتوسط الاستعداد الذي به يمكن أن يقبل الألوان فقط حتى تؤديها إلى الحاسة وهو الإشفاف بالفعل حتى يكون اللون إنما يحرك المشف من جهة ما هو مشف بالفعل، وتكون الألوان على هذا موجودة بالفعل في الظلام. وبالقوة محركة للإبصار على جهة ما نقول في العالم إنه معلم بالقوة إذا لم يكن له متعلم أو تكون الألوان موجودة في الظلام بالقوة الحقيقية، حتى يكون الضوء هو المحرك لها من القوة إلى الفعل. فنقول إنه قد تبين في كتاب الحس والمحسوس أن اللون هو اختلاط الجسم المشف بالفعل، وهو النار مع الجسم الذي لا يمكن فيه أن يستشف وهو الأرض. وإذا كان كذلك فاللون ضوء ما وهو يستكمل ضرورة على نحو ما بالضوء الذي من خارج وتقوى. وقد يظهر ذلك من أنا متى نظرنا إلى الألوان الواحدة بعينها في الظل والشمس وعند مرور السحاب عليها وانكشافها رأيناها بألوان مختلفة في الزيادة والنقصان، وذلك مما يدل على أنها تستكمل بالضوء الذي من خارج استكمالاً ما، ولذلك ما قبل أن الضوء هو الفاعل للإبصار. فقد تبين من هذا القول ما هي هذه القوة وبأي شيء تدرك وكيف تدرك. وأما القول في مدركها وهي الألوان فأليق المواضع بذلك كتاب الحس والمحسوس٠ القول في السمع وهذه القوة هي الِقوة التي شأنها أن تستكمل معاني الآثار الحادثة في الهواء من مقارعة الأجسام بعضها بعضاً المسماة أصواتاً، وهذا كله بين مما تقدم. فإما بأي شيء يكون هذا الإدراك وعما يكون والنحو الذي به يكون فنحن نقول فيه.
10 · ص10
أما الذي عنه يكون فهي مقارعة الأجسام بعضها بعضاً، لكن ليس عن أي جسم أتفق يحدث الصوت ولا بأي نوع أتفق، بل يحتاج في أن يكون القارع والمقروع كلاهما صلدان، وأن تكون حركة القارع إلى المقروع أسرع من تشذب الهواء. فإنا إذا أدنينا جسماً في غاية الصلابة من جسم آخر في غاية من الصلابة أيضاً برفق وبمهل لم يحدث عن ذلك صحوت له قدر، وكذلك أيضاً أن لم تكن الأجسام القارعة والمقروعة صلدة. فإما أن لا يحدث صوت أصلاً، فأما أن حدث فبشدة حركة كما يعرض ذلك عن السياط التي يضرب بها، وقد تعين على حدوث الصوت أشكال المقروعات مثل أن تكون مجوفة أو عريضة، وسنبين سبب هذا كله. وأما ما به يكون هذا الإدراك فهو الماء والهواء، وذلك انه قد تبين أن هذا المحسوس هو ضرورة من المحسوسات التي تدرك بمتوسط إذ كانت غير ملاقية للحاس، إلا أن الجهة التي بها يخدم هذا المتوسط واحداً واحداً من هذه الحواس غير الجهة التي بها يخدم الأخرى، وهي كلها يجتمع في أن هذا المتوسط يخدمها من جهة ما هو عادم للمعاني التي يقبل منها فيؤديها، إذ هذه هي صفة القابل وأن كانت تختلف جهات ذلك. أما الجهة التي بها تخدم الأبصار فهو الإشفاف، وقد تبين ذلك. وأما الجهة التي بها تخدم هذا الإدراك الذي هو السمع فهو سرعة في له للحركة والتشكل بها وأن تبقى الحركة فيه، وقد كف المتحرك ويبقى ذلك الشكل الحادث عنها فيه زماناً كالحال التي تعرض للماء عندما يلقى فيه بالحجر، فإن هذه الحال بعينها تعرض للهواء من القرع. وقد قيل في غير هذا الموضع كيف تكون هذه الحركة في الماء والهواء. ولما كان المتوسط إنما يؤدي القرع بالحركة التي تعرض فيه وكانت كل حركة في زمان كان هذا الإدراك أيضاً في زمان بخلاف ما عليه الأمر في الأبصار. ولذلك ما يسمع الرعد بعد رؤية البرق والسبب الفاعل لهما واحد على ما تبين في الآثار. فأما العلة التي من أجلها يكون الصوت عن الأجسام الصلدة فلأنها إذا تلافت بسطوحها لم يتطامن بعضها عن بعض فيطفو الهواء عنها بشدة، ولذلك ما كان منها أعرض كان صوته أعظم لأنه يلقى من الهواء أكثر. وأما ذوات الأشكال المجوفة فالأمر في ذلك بين، وذلك أن الهواء يندفع من جوانبها مراراً كثيرة فيحدث هنالك الصوت طول لبث ومن هذا الجنس هو حدوث الصداء، وذلك أنه ليس شيئاً أكثر من انعكاس الهواء عن الجسم الذي يلقاه حافظاً لذلك الشكل الذي به عن القرع حتى يحرك الهواء المرتب في الأذنين الذي هو الآلة القريبة للسمع كما يقول أرسطو مرة ثانية، ومنزلة هذا الهواء من السمع منزله الرطوبة الجليدية من الإبصار، ويشبه أن يكون الأمر كما يقول ثامسطيوس انه ليس هاهنا قرع إلا ويحدث عنه انعكاس ما، ولولا ذلك لم يسمع الإنسان صوت نفسه، كما أنه ليس تحدث رؤية إلا عن انعكاس الشعاع. ولولا ذلك لم يبصر في الظل، لكن أليق المواضع بذكر هذه اللواحق وتفصيلها هو كتاب الحس والمحسوس. وكذلك أيضاً القول في ماهية التصويت الموجود للحيوان، وبأي شيء وجوده أليق المواضع بذكره هو ذلك الكتاب وكتاب الحيوان، وأن كان يظهر من قرب الفرق بينهما وبين الأصوات التي تحدث عن الأجسام، فإن التصويت وهو المسمى نغمة هو الذي يكون عن الحيوان بما هو حيوان، وذلك إنما يكون عن تخيل ما وشوق وبآلة محدودة وهي آلات التنفس. والدليل على أن التصويت يحدث عن قرع آلات التنفس الهواء الذي به يكون التنفس إنا لا نقدر أن نتنفس ونصوت معاً، ولكون النغمة لا تحدث إلا عن تخيل لا يسمى السعال نغمة. فأما الحيوانات التي تصوت وهي غير متنفسة كالحيوان المعروف بصرار الليل أو صرار الهواجر، فإنما يصوت بحرقة. فقد قلنا ما هي هذه القوة وما يدركها وبأي شيء يكون هذا الإدراك وكيف يكون. القول في الشم وهذه القوة هي القوة التي من شانها أن تقبل معاني الأمور المشمومة وهي الروائح، وليست فصول الروائح عندنا بينة كفصول الطعوم، وإنما نكاد أن نسميها من فصول الطعوم حتى نقول رائحة حلوة ورائحة طيبة، ولشبه أن تكون هذه الحاسة فينا اضعف منها في كثير من الحيوان كالنسر والنحل وما أشبههما من الحيوان القوي الشم.
→ prev 9–10 / 30 next ←