الحوالة
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
وَالثَّانِي الْإِبْرَاءُ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فَإِذَا أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْكَفِيلَ أَوْ الْأَصِيلَ خَرَجَ عَنْ الْكَفَالَةِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَ الْكَفِيلَ لَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَإِذَا أَبْرَأَ الْأَصِيلَ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْأَصِيلِ لَا عَلَى الْكَفِيلِ إنَّمَا عَلَيْهِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ فَكَانَ إبْرَاءُ الْأَصِيلِ إسْقَاطَ الدَّيْنِ عَنْ ذِمَّتِهِ فَإِذَا سَقَطَ الدَّيِّنُ عَنْ ذِمَّتِهِ يَسْقُطُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ ضَرُورَةً لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالدَّيْنِ وَلَا دَيْنَ مُحَالٌ فَأُمًّا إبْرَاءُ الْكَفِيلِ فَإِبْرَاؤُهُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ لَا عَنْ الدِّينِ إذْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ إسْقَاطِ حَقِّ الْمُطَالَبَةِ عَنْ الْكَفِيلِ سُقُوطِ أَصْلِ الدَّيْنِ عَنْ الْأَصِيلِ لَكِنْ يَخْرُجُ الْكَفِيلُ عَنْ الْكَفَالَةِ لِأَنَّ حُكْمَ الْكَفَالَةِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ عَنْ الْكَفِيلِ فَإِذَا سَقَطَ تَنْتَهِي إلَّا أَنَّ إبْرَاءَ الْأَصِيلِ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَكَذَا الْهِبَةُ مِنْهُ أَوْ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ وَإِبْرَاءُ الْكَفِيلِ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَالْهِبَةِ مِنْهُ وَالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا ارْتَدَّتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بِرَدِّ الْأَصِيلِ عَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّتِهِ وَهَلْ تَعُودُ الْمُطَالَبَةُ بِالدَّيْنِ إلَى الْكَفِيلِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ وَلَوْ أَبْرَأَ الْأَصِيلُ أَوْ وَهَبَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَرَدَّ وَرَثَتُهُ يَرْتَدُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَرْتَدُّ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ حَالَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الرَّدِّ وَهُنَاكَ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْوَرَثَةِ فَكَذَا هَذَا وَلَهُمَا أَنَّ إبْرَاءَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إبْرَاءٌ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِدَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِبْرَاءُ الْوَرَثَةِ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِدَيْنِهِ بِوَجْهٍ فَاقْتَصَرَ حُكْمُ الْإِبْرَاءِ عَلَيْهِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْوَرَثَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْتُ إلَيَّ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ بِالْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ غَايَةً لِبَرَاءَتِهِ وَالْبَرَاءَةُ الَّتِي هِيَ غَايَتُهَا 12 نَفْسُهُ هِيَ بَرَاءَةُ الْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَبَرِئَا جَمِيعًا لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ يُوجِبُ بَرَاءَتَهُمَا جَمِيعًا فَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالَ بَرِئْتُ مِنْ الْمَالِ وَلَمْ يَقُلْ إلَيَّ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا .
وَقَوْلُهُ بَرِئْتُ إلَيَّ سَوَاءٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ دُونَ الْأَصِيلِ وَهَذَا .
وَقَوْلُهُ أَبْرَأْتُكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْمَالِ قَدْ تَكُونُ بِالْأَدَاءِ وَقَدْ تَكُونُ بِالْإِبْرَاءِ فَلَا تُحْمَلُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ إلَيَّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى الْأَدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا فَتُحْمَلُ عَلَى الْإِبْرَاءِ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ حُكْمُ الْإِبْرَاءِ فِي الْأَصْلِ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُضَافَةَ إلَى الْمَالِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدَاءِ عُرْفًا وَعَادَةً فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَالتَّمْلِيكُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ .
وَلَوْ أَحَالَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ بِمَالِ الْكَفَالَةِ عَلَى رَجُلٍ وَقَبِلَهُ الطَّالِبُ فَالْمُحْتَالُ عَلَيْهِ يَخْرُجُ عَنْ الْكَفَالَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَكَذَا إذَا أَحَالَهُ الْمَطْلُوبُ بِمَالِ الْكَفَالَةِ عَلَى رَجُلٍ وَقَبِلَهُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ جَمِيعًا عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ مُبَرِّئَةٌ عَنْ الْمُطَالَبَةِ وَإِبْرَاءُ الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ مُخْرِجٌ عَنْ الْكَفَالَةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَخْرُجُ الْكَفِيلُ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالْحَوَالَةِ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُبَرِّئَةٍ أَصْلًا لِمَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ يَخْرُجُ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالصُّلْحِ كَمَا يَخْرُجُ بِالْحَوَالَةِ بِأَنْ يُصَالِحَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى جِنْسِ الْمُدَّعَى إسْقَاطُ بَعْضِ الْحَقِّ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِبْرَاءِ وَعَلَى خِلَافِ الْجِنْسِ مُعَاوَضَةٌ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْإِبْرَاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ الْكَفَالَةِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَالَيْنِ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ جَمِيعًا وَفِي حَالٍ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ دُونَ الْأَصِيلِ .
( أَمَّا ) الْحَالَتَانِ اللَّتَانِ بَرِئَ فِيهِمَا الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ جَمِيعًا إحْدَاهُمَا أَنْ يَقُولَ الْكَفِيلُ لِلطَّالِبِ صَالَحْتُكَ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنِّي وَالْمَكْفُولُ مِنْهُ بَرِئَانِ مِنْ الْخَمْسمِائَةِ الْبَاقِيَةِ وَيَكُونُ الطَّالِبُ فِي الْخَمْسمِائَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الصُّلْحُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا مِنْ الْكَفِيلِ ثُمَّ الْكَفِيلُ يَرْفَعُ بِهَا عَلَى الْأَصِيلِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا مِنْ الْأَصِيلِ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ صَالِحَتُكَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ الْمُضَافَ إلَى الْمَالِ الْمُجَرَّدِ عَنْ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ الْمُضَافَةِ إلَى الْكَفِيلِ إبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ وَاحِدٌ فَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْأَصِيلِ سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ عَنْ الْكَفِيلِ .
( وَأَمَّا ) الْحَوَالَةُ الَّتِي يَبْرَأُ الْكَفِيلُ فِيهَا دُونَ الْأَصِيلِ فَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْكَفِيلُ لِلطَّالِبِ صَالَحْتُك عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْخَمْسمِائَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ مِنْ قَبْلُ وَالطَّالِبُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ الْأَصِيلِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْكَفِيلِ خَمْسِمِائَةٍ وَمِنْ الْأَصِيلِ خَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِمَا أَدَّى إنْ كَانَ الصُّلْحُ بِأَمْرِهِ .
( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَبْرَأَهُ حَالَ حَيَاتِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الرَّدِّ وَهُنَاكَ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْوَرَثَةِ فَكَذَا هَذَا وَلَهُمَا أَنَّ إبْرَاءَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إبْرَاءٌ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِدَيْنِهِ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِبْرَاءُ الْوَرَثَةِ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُمْ لَا يُطَالَبُونَ بِدَيْنِهِ بِوَجْهٍ فَاقْتَصَرَ حُكْمُ الْإِبْرَاءِ عَلَيْهِ فَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْوَرَثَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْتُ إلَيَّ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّ هَذَا إقْرَارٌ بِالْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ غَايَةً لِبَرَاءَتِهِ وَالْبَرَاءَةُ الَّتِي هِيَ غَايَتُهَا 12 نَفْسُهُ هِيَ بَرَاءَةُ الْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَبَرِئَا جَمِيعًا لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ يُوجِبُ بَرَاءَتَهُمَا جَمِيعًا فَيَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالَ بَرِئْتُ مِنْ الْمَالِ وَلَمْ يَقُلْ إلَيَّ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَهَذَا .
وَقَوْلُهُ بَرِئْتُ إلَيَّ سَوَاءٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ دُونَ الْأَصِيلِ وَهَذَا .
وَقَوْلُهُ أَبْرَأْتُكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْمَالِ قَدْ تَكُونُ بِالْأَدَاءِ وَقَدْ تَكُونُ بِالْإِبْرَاءِ فَلَا تُحْمَلُ عَلَى الْأَدَاءِ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ إلَيَّ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ مَعْنَى الْأَدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا فَتُحْمَلُ عَلَى الْإِبْرَاءِ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ حُكْمُ الْإِبْرَاءِ فِي الْأَصْلِ .
( وَجْهُ ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُضَافَةَ إلَى الْمَالِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدَاءِ عُرْفًا وَعَادَةً فَتُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ فِيهَا مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَالتَّمْلِيكُ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ .
وَلَوْ أَحَالَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ بِمَالِ الْكَفَالَةِ عَلَى رَجُلٍ وَقَبِلَهُ الطَّالِبُ فَالْمُحْتَالُ عَلَيْهِ يَخْرُجُ عَنْ الْكَفَالَةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ وَكَذَا إذَا أَحَالَهُ الْمَطْلُوبُ بِمَالِ الْكَفَالَةِ عَلَى رَجُلٍ وَقَبِلَهُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُبَرِّئَةٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ جَمِيعًا عِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ مُبَرِّئَةٌ عَنْ الْمُطَالَبَةِ وَإِبْرَاءُ الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ مُخْرِجٌ عَنْ الْكَفَالَةِ لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَخْرُجُ الْكَفِيلُ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالْحَوَالَةِ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِمُبَرِّئَةٍ أَصْلًا لِمَا يَأْتِي فِي كِتَابِ الْحَوَالَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْكَفِيلُ يَخْرُجُ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالصُّلْحِ كَمَا يَخْرُجُ بِالْحَوَالَةِ بِأَنْ يُصَالِحَ الْكَفِيلُ الطَّالِبَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى لِأَنَّ الصُّلْحَ عَلَى جِنْسِ الْمُدَّعَى إسْقَاطُ بَعْضِ الْحَقِّ فَكَانَ فِيهِ مَعْنَى الْإِبْرَاءِ وَعَلَى خِلَافِ الْجِنْسِ مُعَاوَضَةٌ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْإِبْرَاءِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ الْكَفَالَةِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَالَيْنِ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ جَمِيعًا وَفِي حَالٍ يَبْرَأُ الْكَفِيلُ دُونَ الْأَصِيلِ .
( أَمَّا ) الْحَالَتَانِ اللَّتَانِ بَرِئَ فِيهِمَا الْكَفِيلُ وَالْأَصِيلُ جَمِيعًا إحْدَاهُمَا أَنْ يَقُولَ الْكَفِيلُ لِلطَّالِبِ صَالَحْتُكَ مِنْ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ عَلَى أَنِّي وَالْمَكْفُولُ مِنْهُ بَرِئَانِ مِنْ الْخَمْسمِائَةِ الْبَاقِيَةِ وَيَكُونُ الطَّالِبُ فِي الْخَمْسمِائَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا الصُّلْحُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَهَا مِنْ الْكَفِيلِ ثُمَّ الْكَفِيلُ يَرْفَعُ بِهَا عَلَى الْأَصِيلِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا مِنْ الْأَصِيلِ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ صَالِحَتُكَ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْإِبْرَاءَ الْمُضَافَ إلَى الْمَالِ الْمُجَرَّدِ عَنْ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ الْمُضَافَةِ إلَى الْكَفِيلِ إبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ وَاحِدٌ فَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْأَصِيلِ سَقَطَتْ الْمُطَالَبَةُ عَنْ الْكَفِيلِ .
( وَأَمَّا ) الْحَوَالَةُ الَّتِي يَبْرَأُ الْكَفِيلُ فِيهَا دُونَ الْأَصِيلِ فَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْكَفِيلُ لِلطَّالِبِ صَالَحْتُك عَلَى أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْخَمْسمِائَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ مِنْ قَبْلُ وَالطَّالِبُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ الْأَصِيلِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْكَفِيلِ خَمْسِمِائَةٍ وَمِنْ الْأَصِيلِ خَمْسِمِائَةٍ ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِمَا أَدَّى إنْ كَانَ الصُّلْحُ بِأَمْرِهِ .
المبسوط
اقرأ →
بَابُ الْحَوَالَةِ
( قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ) ذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ : إذَا أَفْلَسَ فَلَا تَوًى عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ مَالَ الطَّالِبِ يَعُودُ فَدَلِيلُهُمَا أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِفْلَاسِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ . قَالَ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَحَالَهُ بِهَا فَقَدْ بَرِئَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا . وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيهِ وَوَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ ( فَفِي الْكِتَابِ ) 53 أَشَارَ إلَى حُرُوفٍ فَإِنَّكَ لَا تَكْتُبُ : ذِكْرُ حَقِّ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ أَحَالَهُ بِهَا عَلَى فُلَانٍ . فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْسُنُ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي الْكَلَامِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ وَقَدْ حَوَّلَهَا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَحْسُنُ فِي الضَّمَانِ أَنْ يَقُولَ : لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَدْ ضَمِنَهَا عَنْهُ فُلَانٌ ( ثُمَّ وُجُوهُ التَّوَى ) قَدْ بَيَّنَّاهَا فِيمَا سَبَقَ .
( وَالْجَوَابُ ) بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبِ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ الدُّيُونِ مِنْ التِّجَارَاتِ وَالْمَهْرِ وَالْجِنَايَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ تَحْوِيلُ الْحَقِّ مِنْ الذِّمَّةِ الْأُولَى إلَى الذِّمَّةِ الثَّانِيَةِ فَيَسْتَدْعِي وُجُوبَ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ الْأُولَى ; لِيَصِحَّ التَّحْوِيلُ . وَلَوْ أَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ أَحَالَهُ بِالْمَالِ عَلَى غَيْرِهِ ; كَانَ جَائِزًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا تَحَوَّلَ الْمَالُ إلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ الْتَحَقَ بِمَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَكَمَا يَصِحُّ التَّحْوِيلُ مِنْ الذِّمَّةِ الْأُولَى إلَى ذِمَّتِهِ ; يَصِحُّ التَّحْوِيلُ مِنْ ذِمَّتِهِ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَوَالَةِ وَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصِيلَ بِالْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَلَكِنْ يُعَامِلُهُ بِحَسَبِ مَا يُعَامَلُ بِهِ مِنْ الْمُلَازَمَةِ وَالْحَبْسِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي فَصْلِ الْكَفِيلِ ( وَفِي هَذَا نَوْعُ إشْكَالٍ ) فَإِنَّ فِي الْكَفَالَةِ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ عَلَى الْأَصِيلِ بَاقِيَةٌ ، فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ مَا لَمْ يُؤَدِّ ، وَبَعْدَ الْحَوَالَةِ لَا تَبْقَى مُطَالَبَةُ الْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ .
وَلَكِنَّا نَقُولُ : مَا سَقَطَتْ مُطَالَبَةُ الطَّالِبِ عَنْ الْمُحِيلِ عَلَى الثَّبَاتِ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا ، فَكَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَعْنَى التَّأْجِيلِ . أَوْ لَمَّا كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِغَرَضِ أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ جُعِلَ كَالْمُتَوَجَّهِ فِي الْحَالِ بِمَعْنَى الْكَفَالَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُوَكِّلِ مُطَالَبَةٌ بِالثَّمَنِ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي ثَانِي الْحَالِ بَلْ مُطَالَبَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ فَكَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ قَضَى الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ فَعَمِلَ بِهِ وَرَبِحَ ; كَانَ رِبْحُهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ قَدْ اسْتَوْجَبَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَكِنَّهُ مُؤَجِّلٌ لِأَدَائِهِ .
وَمَنْ اسْتَعْجَلَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَرَبِحَ ; كَانَ الرِّبْحُ لَهُ ; لِأَنَّهُ اسْتَرْبَحَ عَلَى مِلْكٍ صَحِيحٍ
( قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ) ذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَوَالَةِ : إذَا أَفْلَسَ فَلَا تَوًى عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ مَالَ الطَّالِبِ يَعُودُ فَدَلِيلُهُمَا أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِفْلَاسِ تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ . قَالَ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَحَالَهُ بِهَا فَقَدْ بَرِئَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا . وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِيهِ وَوَجْهَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ ( فَفِي الْكِتَابِ ) 53 أَشَارَ إلَى حُرُوفٍ فَإِنَّكَ لَا تَكْتُبُ : ذِكْرُ حَقِّ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ أَحَالَهُ بِهَا عَلَى فُلَانٍ . فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْسُنُ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي الْكَلَامِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ وَقَدْ حَوَّلَهَا عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَحْسُنُ فِي الضَّمَانِ أَنْ يَقُولَ : لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقَدْ ضَمِنَهَا عَنْهُ فُلَانٌ ( ثُمَّ وُجُوهُ التَّوَى ) قَدْ بَيَّنَّاهَا فِيمَا سَبَقَ .
( وَالْجَوَابُ ) بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبِ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِ الدُّيُونِ مِنْ التِّجَارَاتِ وَالْمَهْرِ وَالْجِنَايَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ جَائِزٌ ; لِأَنَّهُ تَحْوِيلُ الْحَقِّ مِنْ الذِّمَّةِ الْأُولَى إلَى الذِّمَّةِ الثَّانِيَةِ فَيَسْتَدْعِي وُجُوبَ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ الْأُولَى ; لِيَصِحَّ التَّحْوِيلُ . وَلَوْ أَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ أَحَالَهُ بِالْمَالِ عَلَى غَيْرِهِ ; كَانَ جَائِزًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا تَحَوَّلَ الْمَالُ إلَيْهِ بِالْحَوَالَةِ الْتَحَقَ بِمَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَكَمَا يَصِحُّ التَّحْوِيلُ مِنْ الذِّمَّةِ الْأُولَى إلَى ذِمَّتِهِ ; يَصِحُّ التَّحْوِيلُ مِنْ ذِمَّتِهِ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى بِالْحَوَالَةِ وَلَيْسَ لِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصِيلَ بِالْمَالِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَلَكِنْ يُعَامِلُهُ بِحَسَبِ مَا يُعَامَلُ بِهِ مِنْ الْمُلَازَمَةِ وَالْحَبْسِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي فَصْلِ الْكَفِيلِ ( وَفِي هَذَا نَوْعُ إشْكَالٍ ) فَإِنَّ فِي الْكَفَالَةِ مُطَالَبَةَ الطَّالِبِ عَلَى الْأَصِيلِ بَاقِيَةٌ ، فَلَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْكَفِيلِ مَا لَمْ يُؤَدِّ ، وَبَعْدَ الْحَوَالَةِ لَا تَبْقَى مُطَالَبَةُ الْمَالِ عَلَى الْأَصِيلِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ .
وَلَكِنَّا نَقُولُ : مَا سَقَطَتْ مُطَالَبَةُ الطَّالِبِ عَنْ الْمُحِيلِ عَلَى الثَّبَاتِ بَلْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا ، فَكَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَعْنَى التَّأْجِيلِ . أَوْ لَمَّا كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِغَرَضِ أَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ جُعِلَ كَالْمُتَوَجَّهِ فِي الْحَالِ بِمَعْنَى الْكَفَالَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُوَكِّلِ مُطَالَبَةٌ بِالثَّمَنِ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي ثَانِي الْحَالِ بَلْ مُطَالَبَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَكِيلِ فَكَانَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَلَوْ قَضَى الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ فَعَمِلَ بِهِ وَرَبِحَ ; كَانَ رِبْحُهُ لَهُ ; لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْحَوَالَةِ قَدْ اسْتَوْجَبَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَكِنَّهُ مُؤَجِّلٌ لِأَدَائِهِ .
وَمَنْ اسْتَعْجَلَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ وَتَصَرَّفَ فِيهِ وَرَبِحَ ; كَانَ الرِّبْحُ لَهُ ; لِأَنَّهُ اسْتَرْبَحَ عَلَى مِلْكٍ صَحِيحٍ
فتح القدير
اقرأ →
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
340 كِتَابُ الْحَوَالَةِ ( هِيَ ) لُغَةً النَّقْلُ ، وَشَرْعًا : ( نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ ) وَهَلْ تُوجِبُ الْبَرَاءَةَ مِنْ الدَّيْنِ الْمُصَحَّحِ نَعَمْ فَتْحٌ .
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
كتاب الحوالة
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
447 كِتَابُ الْكَفَالَةِ
( وَهِيَ ) فِي اللُّغَةِ : الضَّمُّ ، قَالَ تَعَالَى ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) أَيْ ضَمَّهَا إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ " أَيِ الَّذِي يَضُمُّهُ إِلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ ، وَيُسَمَّى النَّصِيبُ كِفْلًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ .
وَفِي الشَّرْعِ : ( ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ ) هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلِهَذَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهِيَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ وَغَرَامَةٍ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ وُصُولُ الْمَكْفُولِ لَهُ إِلَى إِحْيَاءِ حَقِّهِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ أَوَّلُهَا مَلَامَةً وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةً وَآخِرُهَا غَرَامَةً دَلَّ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " أَيِ الْكَفِيلُ ضَامِنٌ ، وَبُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يَتَكَفَّلُونَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .
وَرُكْنُهَا قَوْلُ الْكَفِيلِ : كَفَلْتُ لَكَ بِمَالِكَ عَلَى فُلَانٍ ، وَقَوْلُ الْمَكْفُولِ لَهُ : قَبِلْتُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الْتِزَامُ مُطَالَبَةٍ لِلْحَالِ لَا غَيْرُ . وَعِنْدَهُمَا الْمُطَالَبَةُ لِلْحَالِ وَإِيجَابُ الْمِلْكِ فِي الْمُؤَدَّى عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ ، وَشَرْطُهَا : كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ لِلْكَفِيلِ لِيَصِحَّ الِالْتِزَامُ بِالْمُطَالَبَةِ وَيُفِيدَ فَائِدَتَهَا ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا 448 وَجَبَ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْعَبْدِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْعِتْقِ .
وَحُكْمُهَا : صَيْرُورَةُ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مَضْمُومَةً إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لِمَا مَرَّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْكَفِيلِ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ وَهُوَ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُوَكِّلَ عَنِ الثَّمَنِ جَازَ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنِ الْوَكِيلِ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ تَبَرُّعًا .
( وَتَجُوزُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ) لِمَا رُوِّينَا وَذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ .
أَمَّا الْمَالُ فَلِوِلَايَتِهِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ . وَأَمَّا النَّفْسُ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ بِمَكَانِهِ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُمَا وَبِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي فَيَصِحُّ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ .
قَالَ : ( وَتَنْعَقِدُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ وَبِكُلِّ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ .
( وَبِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالْخُمُسِ وَالْعُشْرِ ) لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَجَزَّأُ ، فَذِكْرُ الْبَعْضِ ذِكْرُ الْكُلِّ .
( وَبِقَوْلِهِ ضَمِنْتُهُ ) لِأَنَّهُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
( وَبِقَوْلِهِ : عَلَيَّ ، وَإِلَيَّ ) لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ " أَيْ عَلَيَّ ( وَمَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هُمَا عَلَيَّ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ .
( وَ ) بِقَوْلِهِ . ( أَنَا زَعِيمٌ ) لِلنَّصِّ . ( أَوْ قَبِيلٌ ) لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْكَفِيلِ لُغَةً وَعُرْفًا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : أَنَا 449 ضَمِينٌ ، أَوْ لَكَ عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُوَفِّيَكَ بِهِ ، أَوْ أَنْ أَلْقَاكَ بِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
قَالَ : ( وَالْوَاجِبُ إِحْضَارُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي مَكَانٍ يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ) لِيُفِيدَ تَسْلِيمَهُ .
( فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَلَ مَقْصُودُ الْمَكْفُولِ لَهُ; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي السَّوَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بِهَا; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي السُّوقِ بَرِئَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْمُسْلِمِينَ; وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ فِي زَمَانِنَا لِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ عَادَةً .
( وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ بَرِئَ ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِيهِ ، وَقَالَ : لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ شُهُودَهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ فِيهِ ، قُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُونَ فِيهِ .
قَالَ : ( فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ فِيهِ إِذَا طَلَبَهُ مِنْهُ ) إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَ .
( فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ ) لِأَنَّهُ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ الْحَقَّ ، وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ ظُلْمُهُ; وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ حَاضِرًا; فَلَوْ كَانَ غَائِبًا أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ .
( فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ ) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ .
( وَإِذَا حَبَسَهُ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي عَجْزُهُ عَنْ إِحْضَارِهِ خَلَّى سَبِيلَهُ ) وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الَّذِي حَبَسَهُ ، وَإِنْ شَاءَ لَازَمَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُلَازَمَتِهِ تَفْوِيتُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُخَلِّيهِ .
( وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ ) لِعَجْزِهِ عَنْ إِحْضَارِهِ فَصَارَ كَالْمَوْتِ ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمَوْتِ تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ أَصْلًا لِلتَّيَقُّنِ بِالْعَجْزِ ، وَهُنَا لَا لِاحْتِمَالِ الْقُدْرَةِ بِالْعِلْمِ بِمَكَانِهِ ، وَلَوِ ارْتَدَّ الْمَكْفُولُ بِهِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إِنْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُمْكِنُهُ دُخُولُ دَارِ الْحَرْبِ وَإِحْضَارُهُ فَهُوَ كَالْغَيْبَةِ الْمَعْلُومَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ فَكَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَلَا تَبْطُلُ الْكَفَاءَةُ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالتَّوْبَةِ ، وَالرُّجُوعُ مُمْكِنٌ ، فَيُمْكِنُ الْكَفِيلُ إِحْضَارَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ كَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ .
قَالَ : ( وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولِ بِهِ دُونَ الْمَكْفُولِ لَهُ ) أَمَّا الْكَفِيلُ فَلِعَجْزِهِ ، وَالْوَرَثَةُ لَمْ 450 يَتَكَفَّلُوهُ وَإِنَّمَا يَخْلُفُونَهُ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْمَكْفُولُ بِهِ فَلِمَا مَرَّ ، بِخِلَافِ الْمَكْفُولِ لَهُ ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ غَيْرُ عَاجِزٍ وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَ الْمَكْفُولَ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ " .
قَالَ : ( وَإِنْ تَكَفَّلَ بِهِ إِلَى شَهْرٍ فَسَلَّمَهُ قَبْلَ الشَّهْرِ بَرَأَ ) لِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقُّهُ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : إِنْ لَمْ أُوَفِّكَ بِهِ فَعَلَيَّ الْأَلْفُ الَّتِي عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَفِّ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ ) لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ .
( وَالْكَفَالَةُ بَاقِيَةٌ ) لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَفَالَتَيْنِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ آخَرُ غَيْرُ الْأَلْفِ; وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ : لَا حَقَّ لِي قِبَلَ الْمَكْفُولِ بِهِ فَعَلَى الْكَفِيلِ تَسْلِيمُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَصِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ لَمْ يَبْرَأِ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ ، وَإِذَا سَلَّمَهُ الْكَفِيلُ إِلَيْهِ بَرَأَ وَإِذْ لَمْ يَقْبَلْهُ الطَّالِبُ كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ وَكِيلُهُ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ كَفَالَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْخُصُومَةِ فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْهُ كَالْمَكْفُولِ بِالْمَالِ .
قَالَ : ( وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحُّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَالسِّعَايَةِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ) لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ ، أَوْ بِمَا يُدْرِكُكَ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ فَتُحْتَمَلُ فِيهَا هَذِهِ الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ .
( وَإِذَا صَحَّتِ الْكَفَالَةُ فَالْمَكْفُولُ لَهُ ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الْكَفِيلِ ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلِ ) لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الضَّمِّ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا جَمْعًا وَتَفْرِيقًا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الضَّمِّ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ إِذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبِينَ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَقَدْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِلْآخَرِ .
451 قَالَ : ( وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ فَهِيَ حَوَالَةٌ ) لِوُجُودِ مَعْنَاهَا .
( كَمَا إِذَا شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ تَكُونُ كَفَالَةً ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْكَفَالَةِ ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ ) لِأَنَّهُ إِلْزَامٌ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ ضَرَرٌ .
( فَإِنْ كَانَتْ بِأَمْرِهِ فَأَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ .
( وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ .
( قَالَ : وَإِذَا طُولِبَ الْكَفِيلُ وَلُوزِمَ طَالَبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ وَلَازَمَهُ ) وَيَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيْهِ ، وَلَا يَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيَّ ، وَكَذَا يَحْبِسُهُ إِذَا حَبَسَهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَهُ بِسَبَبِهِ فَيَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مَا لَزِمَهُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ .
قَالَ : ( وَإِنْ أَدَّى الْأَصِيلُ أَوْ أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ بَرَأَ الْكَفِيلُ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ وَلَا دَيْنَ مُحَالٌ .
( وَإِنْ أُبْرِئَ الْكَفِيلُ لَمْ يَبْرَأِ الْأَصِيلُ ) لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْأَصِيلِ ، وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِ بِدُونِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ جَائِزٌ .
( وَإِنْ أَخَّرَ عَنِ الْأَصِيلِ تَأَخَّرَ عَنِ الْكَفِيلِ وَبِالْعَكْسِ لَا ) لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُطْلَقِ; فَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ رَبَّ الدَّيْنِ مِنَ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ بَرِئَ هُوَ وَالْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ كَمَا أَضَافَهُ إِلَى الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى الْأَصِيلِ بَرِئَ الْأَصِيلُ فَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِخَمْسِمِائَةٍ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ ، وَلَوْ صَالَحَ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ رَجَعَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَمَّا اسْتَوْجَبَ بِالْكَفَالَةِ لَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ لَهُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَالِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْبَرَاءَةَ إِلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَدَاءِ فَيَرْجِعُ .
452 ( وَإِنْ قَالَ : أَبْرَأْتُكَ لَمْ يَرْجِعْ ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ حَتَّى لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ; وَلَوْ قَالَ : بَرِئْتُ رَجَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ ابْتِدَاؤُهَا مِنَ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ بِالْإِيفَاءِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَرْجِعُ بِالشَّكِّ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا غَابَ الطَّالِبُ أَمَّا إِذَا كَانَ حَاضِرًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمَلُ .
قَالَ : ( وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا بِشَرْطٍ ) كَمَا فِي سَائِرِ الْبَرَاءَاتِ; وَقِيلَ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إِنَّمَا عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ إِبْرَاؤُهُ بِالرَّدِّ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِبْرَاءَاتِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَا تَصِحُّ مَعَ التَّعْلِيقِ . وَبِخِلَافِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ حَتَّى تَرْتَدَّ بِالرَّدِّ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْمَبِيعِ فَاسِدًا ، لِأَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ حَالَ بَقَائِهِ ، وَقِيمَتِهِ حَالَ هَلَاكِهِ ، فَكَانَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ فَيَصِحُّ .
( وَلَا تَصِحُّ بِالْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ وَالْمَرْهُونِ ) لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَتَبْطُلُ بِالْهَلَاكِ لِلْقُدْرَةِ قَبْلَ الْهَلَاكِ وَالْعَجْزِ بَعْدَهُ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ : يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ .
وَفِي رِوَايَةٍ : يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الطَّالِبِ فَيَسْتَبِدُّ الْكَفِيلُ بِهِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ لِانْضِمَامِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ . وَلَهُمَا أَنَّهُ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ .
قَالَ : ( إِلَّا إِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ تَكَفَّلْ بِمَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ ، فَتَكَفَّلَ وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ فَيَصِحُّ ) ثُمَّ قِيلَ هُوَ وَصِيَّةٌ حَتَّى لَا تَصِحَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَقِيلَ تَصِحُّ لِحَاجَتِهِ إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَقَامَ مَقَامَ الطَّالِبِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ .
453 ( وَلَوْ قَالَ ) ذَلِكَ . ( لِأَجْنَبِيٍّ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ) .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ ) وَقَالَا : تَصِحُّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ وَجَبَ لِلطَّالِبِ وَلَمْ يُسْقِطْهُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ كَانَ كَفِيلًا بِهِ لَا يَسْقُطُ; وَكَذَا لَوْ تَبَرَّعَ إِنْسَانٌ بِهِ صَحَّ ، وَلَوْ سَقَطَ بِالْمَوْتِ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ . وَلَهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُطَالَبَةِ وَهِيَ فِعْلٌ ، وَلِهَذَا تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ ، إِلَّا أَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْمَالِ وَقَدْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ وَخَلَفِهِ فَيَسْقُطُ ضَرُورَةَ فَوَاتِ عَاقِبَةِ الِاسْتِيفَاءِ . أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ بِهِ كَفِيلٌ فَهُوَ قَادِرٌ بِخَلَفِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْأَدَاءِ فَلَا تَفُوتُ الْعَاقِبَةُ ، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَعْتَمِدُ بَقَاءَ الدَّيْنِ .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ كَشَرْطِ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَا بَايَعْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا ذَابَ لَكَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا غَصَبَكَ فَعَلَيَّ ، أَوْ بِشَرْطِ إِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَعَلَيَّ وَهُوَ مَكْفُولٌ عَنْهُ ، أَوْ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ غَابَ فَعَلَيَّ ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشُّرُوطِ .
( وَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ : إِنْ هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ جَاءَ الْمَطَرُ ) لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ .
( فَلَوْ جَعَلَهُمَا أَجَلًا بِأَنْ قَالَ : كَفَلْتُهُ إِلَى مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوْ إِلَى هُبُوبِ الرِّيحِ لَا يَصِحُّ ) الْأَجَلُ .
( وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ; وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْكَفَالَةِ جَائِزٌ ، وَهِيَ أَقْبَلُ لِلْخِيَارِ مِنَ الْبَيْعِ حَتَّى يُقْبَلَ الْخِيَارُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَوْلَى; فَلَوْ أَقَرَّ بِكَفَالَةٍ مُؤَجَّلَةٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْأَجَلِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الطَّالِبِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .
454 قَالَ : ( فَإِنْ قَالَ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ ) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالْمُعَايَنِ حُكْمًا ( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ .
( وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْأَصِيلِ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَيَلْزَمُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِمَا عُرِفَ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا ، وَتَصِحُّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا ) لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ شَاءَ ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ ، لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ تَكَفَّلَ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِخِيَاطَةِ خَيَّاطٍ بِيَدِهِ ؛ لَأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَكَفَّلَ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ أَوِ الْخَيَّاطِ أَوْ بِفِعْلِ الْخِيَاطَةِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مُطْلَقُ الْخِيَاطَةِ ، فَأَيُّ خِيَاطَةٍ وُجِدَتْ حَصَلَ الْمَكْفُولُ بِهِ; وَلَوْ ضَمِنَ لِامْرَأَةٍ عَنْ زَوْجِهَا بِنَفَقَةِ كُلِّ شَهْرٍ جَازَ ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الضَّمَانِ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ; وَلَوْ ضَمِنَ أُجْرَةَ كُلِّ شَهْرٍ فِي الْإِجَارَةِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّفَقَةِ لَمْ يَتَجَدَّدْ عَنْ رَأْسِ الشَّهْرِ بَلْ تَجِبُ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَسَبَبُ الْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ شَهْرٍ لِتَجَدُّدِ الْعَقْدِ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْكَفَالَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ .
قَالَ : ( عَلَيْهِمَا دَيْنٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ فَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ ) لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي النِّصْفِ كَفِيلٌ فِي النِّصْفِ ، وَالْكَفَالَةُ تَبَعٌ فَتَقَعُ عَنِ الْأَصِيلِ إِذْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَهَمُّ ، ثُمَّ مَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَنِ الْكَفَالَةِ لِتَعَيُّنِهَا فَيَرْجِعُ بِهِ لِمَا مَرَّ .
قَالَ : ( فَإِنْ تَكَفَّلَا عَنْ رَجُلٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى الْآخَرِ ) لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا لَزِمَهُ بِالْكَفَالَةِ لِأَنَّهُ كَفَلَ عَنْ شَرِيكِهِ بِالْجَمِيعِ وَعَنِ الْأَصِيلِ بِالْجَمِيعِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا وَقَعَ شَائِعًا عَنْهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، إِذِ الْكُلُّ كَفَالَةٌ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُوْلَى ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَصِيلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ بِنَائِبِهِ .
455 قَالَ : ( وَإِنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ خَرَاجَهُ وَقِسْمَتَهُ وَنَوَائِبَهُ جَازَ إِنْ كَانَتِ النَّوَائِبُ بِحَقٍّ ، كَكَرْيِ النَّهْرِ ، وَأُجْرَةِ الْحَارِسِ ، وَتَجْهِيزِ الْجَيْشِ ، وَفِدَاءِ الْأُسَارَى ) أَمَّا الْخَرَاجُ فَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُطَالَبٌ بِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ فَيَصِحُّ : وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنَ النَّوَائِبِ فَقَدْ صَارَتْ كَالدَّيْنِ . وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَهِيَ حِصَّةٌ مِنَ النَّوَائِبِ الَّتِي صَارَتْ مَعْلُومَةً لَهُمْ مُوَظَّفَةً عَلَيْهِمْ كَالدُّيُونِ ، وَبَاقِي النَّوَائِبِ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ .
( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِحَقٍّ كَالْجِبَايَاتِ قَالُوا : تَصِحُّ فِي زَمَانِنَا ) لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالدُّيُونِ حَتَّى قَالُوا : لَوْ أُخِذَ مِنَ الْمُزَارِعِ جَبْرًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ . وَالْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ جَائِزَةٌ ، وَهُوَ الْتِزَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَأْكِيدُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَتَقْرِيرُهَا ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ لَمْ يُؤْخَذِ الْكَفِيلُ حَتَّى يُقْضَى عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُنْتَقَضُ إِلَّا بِالْقَضَاءِ ، فَلَعَلَّ الْمُسْتَحِقَّ يُجِيزُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ نَقْدُ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ ، وَلَوْ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ عَنْهُ ، فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ; وَالضَّمَانُ بِالْعُهْدَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ تَحْتَمِلُ الدَّرْكَ وَغَيْرَهُ فَكَانَ مَجْهُولًا . أَمَّا الدَّرْسُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي ضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعُهْدَةَ كَالدَّرْكِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ اسْتِعْمَالُهَا فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ عَادَةً وَعُرْفًا .
تَمَّ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ " الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ "
وَيَلِيهِ :
الْجُزْءُ الثَّالِثُ ، وَأَوَّلُهُ : كِتَابُ الْحَوَالَةِ
( وَهِيَ ) فِي اللُّغَةِ : الضَّمُّ ، قَالَ تَعَالَى ( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) أَيْ ضَمَّهَا إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ " أَيِ الَّذِي يَضُمُّهُ إِلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ ، وَيُسَمَّى النَّصِيبُ كِفْلًا لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ .
وَفِي الشَّرْعِ : ( ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ ) هُوَ الصَّحِيحُ ، وَلِهَذَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِبَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمُطَالَبَةِ ، وَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ لِبَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ ، وَهِيَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ وَغَرَامَةٍ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ وُصُولُ الْمَكْفُولِ لَهُ إِلَى إِحْيَاءِ حَقِّهِ ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ أَوَّلُهَا مَلَامَةً وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةً وَآخِرُهَا غَرَامَةً دَلَّ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الزَّعِيمُ غَارِمٌ " أَيِ الْكَفِيلُ ضَامِنٌ ، وَبُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ يَتَكَفَّلُونَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ لَدُنِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ .
وَرُكْنُهَا قَوْلُ الْكَفِيلِ : كَفَلْتُ لَكَ بِمَالِكَ عَلَى فُلَانٍ ، وَقَوْلُ الْمَكْفُولِ لَهُ : قَبِلْتُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : الْقَبُولُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا الْتِزَامُ مُطَالَبَةٍ لِلْحَالِ لَا غَيْرُ . وَعِنْدَهُمَا الْمُطَالَبَةُ لِلْحَالِ وَإِيجَابُ الْمِلْكِ فِي الْمُؤَدَّى عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ ، وَشَرْطُهَا : كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ لِلْكَفِيلِ لِيَصِحَّ الِالْتِزَامُ بِالْمُطَالَبَةِ وَيُفِيدَ فَائِدَتَهَا ، وَأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا 448 وَجَبَ ضَرُورَةَ صِحَّةِ الْكِتَابَةِ نَظَرًا لِلْعَبْدِ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْعِتْقِ .
وَحُكْمُهَا : صَيْرُورَةُ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ مَضْمُومَةً إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي حَقِّ الْمُطَالَبَةِ دُونَ أَصْلِ الدَّيْنِ لِمَا مَرَّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لُزُومِ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْكَفِيلِ وُجُوبُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ وَهُوَ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَوْ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُوَكِّلَ عَنِ الثَّمَنِ جَازَ وَسَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ عَنِ الْوَكِيلِ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَكَانَ تَبَرُّعًا .
( وَتَجُوزُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ ) لِمَا رُوِّينَا وَذَكَرْنَا مِنَ الْحَاجَةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ .
أَمَّا الْمَالُ فَلِوِلَايَتِهِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ . وَأَمَّا النَّفْسُ بِأَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ بِمَكَانِهِ وَيُخَلِّيَ بَيْنَهُمَا وَبِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي فَيَصِحُّ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ .
قَالَ : ( وَتَنْعَقِدُ بِالنَّفْسِ بِقَوْلِهِ تَكَفَّلْتُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرَقَبَتِهِ وَبِكُلِّ عُضْوٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْبَدَنِ ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ .
( وَبِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالْخُمُسِ وَالْعُشْرِ ) لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تَتَجَزَّأُ ، فَذِكْرُ الْبَعْضِ ذِكْرُ الْكُلِّ .
( وَبِقَوْلِهِ ضَمِنْتُهُ ) لِأَنَّهُ مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
( وَبِقَوْلِهِ : عَلَيَّ ، وَإِلَيَّ ) لِأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " مَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ " أَيْ عَلَيَّ ( وَمَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دِينَارَانِ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : هُمَا عَلَيَّ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ .
( وَ ) بِقَوْلِهِ . ( أَنَا زَعِيمٌ ) لِلنَّصِّ . ( أَوْ قَبِيلٌ ) لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْكَفِيلِ لُغَةً وَعُرْفًا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : أَنَا 449 ضَمِينٌ ، أَوْ لَكَ عِنْدِي هَذَا الرَّجُلُ ، أَوْ عَلَيَّ أَنْ أُوَفِّيَكَ بِهِ ، أَوْ أَنْ أَلْقَاكَ بِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعْنَى الْكَفَالَةِ .
قَالَ : ( وَالْوَاجِبُ إِحْضَارُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي مَكَانٍ يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ) لِيُفِيدَ تَسْلِيمَهُ .
( فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَرِئَ ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَلَ مَقْصُودُ الْمَكْفُولِ لَهُ; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ لَا يَبْرَأُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ ، وَكَذَلِكَ فِي السَّوَادِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاكِمَ بِهَا; وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي الْمِصْرِ أَوْ فِي السُّوقِ بَرِئَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَالْمُسْلِمِينَ; وَقِيلَ لَا يَبْرَأُ فِي زَمَانِنَا لِمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ عَادَةً .
( وَلَوْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ بَرِئَ ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ فِيهِ ، وَقَالَ : لَا يَبْرَأُ ؛ لِأَنَّ شُهُودَهُ قَدْ لَا يَكُونُونَ فِيهِ ، قُلْنَا : وَقَدْ يَكُونُونَ فِيهِ .
قَالَ : ( فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ إِحْضَارُهُ فِيهِ إِذَا طَلَبَهُ مِنْهُ ) إِلْزَامًا لَهُ بِمَا الْتَزَمَ .
( فَإِنْ أَحْضَرَهُ وَإِلَّا حَبَسَهُ الْحَاكِمُ ) لِأَنَّهُ صَارَ ظَالِمًا بِمَنْعِهِ الْحَقَّ ، وَقِيلَ لَا يُحْبَسُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ مَا ظَهَرَ ظُلْمُهُ; وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ حَاضِرًا; فَلَوْ كَانَ غَائِبًا أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ .
( فَإِذَا مَضَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ ) لِامْتِنَاعِهِ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ .
( وَإِذَا حَبَسَهُ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي عَجْزُهُ عَنْ إِحْضَارِهِ خَلَّى سَبِيلَهُ ) وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الَّذِي حَبَسَهُ ، وَإِنْ شَاءَ لَازَمَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُلَازَمَتِهِ تَفْوِيتُ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا بِنَفْسِهِ وَيُخَلِّيهِ .
( وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ ) لِعَجْزِهِ عَنْ إِحْضَارِهِ فَصَارَ كَالْمَوْتِ ، إِلَّا أَنَّ فِي الْمَوْتِ تَبْطُلُ الْكَفَالَةُ أَصْلًا لِلتَّيَقُّنِ بِالْعَجْزِ ، وَهُنَا لَا لِاحْتِمَالِ الْقُدْرَةِ بِالْعِلْمِ بِمَكَانِهِ ، وَلَوِ ارْتَدَّ الْمَكْفُولُ بِهِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ إِنْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُمْكِنُهُ دُخُولُ دَارِ الْحَرْبِ وَإِحْضَارُهُ فَهُوَ كَالْغَيْبَةِ الْمَعْلُومَةِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ فَكَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ ، وَلَا تَبْطُلُ الْكَفَاءَةُ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِالتَّوْبَةِ ، وَالرُّجُوعُ مُمْكِنٌ ، فَيُمْكِنُ الْكَفِيلُ إِحْضَارَهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ كَالْغَيْبَةِ الْمَجْهُولَةِ .
قَالَ : ( وَتَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَالْمَكْفُولِ بِهِ دُونَ الْمَكْفُولِ لَهُ ) أَمَّا الْكَفِيلُ فَلِعَجْزِهِ ، وَالْوَرَثَةُ لَمْ 450 يَتَكَفَّلُوهُ وَإِنَّمَا يَخْلُفُونَهُ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْمَكْفُولُ بِهِ فَلِمَا مَرَّ ، بِخِلَافِ الْمَكْفُولِ لَهُ ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ غَيْرُ عَاجِزٍ وَالْوَرَثَةُ يَخْلُفُونَ الْمَكْفُولَ لَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَنْ تَرَكَ مَالًا أَوْ حَقًّا فَلِوَرَثَتِهِ " .
قَالَ : ( وَإِنْ تَكَفَّلَ بِهِ إِلَى شَهْرٍ فَسَلَّمَهُ قَبْلَ الشَّهْرِ بَرَأَ ) لِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهَذَا لِأَنَّ التَّأْجِيلَ حَقُّهُ فَلَهُ إِسْقَاطُهُ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ : إِنْ لَمْ أُوَفِّكَ بِهِ فَعَلَيَّ الْأَلْفُ الَّتِي عَلَيْهِ فَلَمْ يُوَفِّ بِهِ فَعَلَيْهِ الْأَلْفُ ) لِصِحَّةِ التَّعْلِيقِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ .
( وَالْكَفَالَةُ بَاقِيَةٌ ) لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْكَفَالَتَيْنِ ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَقٌّ آخَرُ غَيْرُ الْأَلْفِ; وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ : لَا حَقَّ لِي قِبَلَ الْمَكْفُولِ بِهِ فَعَلَى الْكَفِيلِ تَسْلِيمُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَصِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا آخَرَ لَمْ يَبْرَأِ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ ، وَإِذَا سَلَّمَهُ الْكَفِيلُ إِلَيْهِ بَرَأَ وَإِذْ لَمْ يَقْبَلْهُ الطَّالِبُ كَإِيفَاءِ الدَّيْنِ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَهُ وَكِيلُهُ أَوْ رَسُولُهُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ ، وَكَذَا إِذَا سَلَّمَ الْمَكْفُولُ بِهِ نَفْسَهُ عَنْ كَفَالَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْخُصُومَةِ فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْهُ كَالْمَكْفُولِ بِالْمَالِ .
قَالَ : ( وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا حَتَّى لَا تَصِحُّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ وَالسِّعَايَةِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ ) لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا كَقَوْلِهِ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ ، أَوْ بِمَا يُدْرِكُكَ ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوَسُّعِ فَتُحْتَمَلُ فِيهَا هَذِهِ الْجَهَالَةُ الْيَسِيرَةُ .
( وَإِذَا صَحَّتِ الْكَفَالَةُ فَالْمَكْفُولُ لَهُ ، إِنْ شَاءَ طَالَبَ الْكَفِيلِ ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلِ ) لِمَا بَيَّنَّا مِنَ الضَّمِّ ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُمَا جَمْعًا وَتَفْرِيقًا لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الضَّمِّ ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ إِذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ أَحَدِ الْغَاصِبِينَ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَقَدْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُمَلِّكَهَا لِلْآخَرِ .
451 قَالَ : ( وَلَوْ شَرَطَ عَدَمَ مُطَالَبَةِ الْأَصِيلِ فَهِيَ حَوَالَةٌ ) لِوُجُودِ مَعْنَاهَا .
( كَمَا إِذَا شَرَطَ فِي الْحَوَالَةِ مُطَالَبَةُ الْمُحِيلِ تَكُونُ كَفَالَةً ) لِوُجُودِ مَعْنَى الْكَفَالَةِ ، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي .
قَالَ : ( وَتَجُوزُ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبِغَيْرِ أَمْرِهِ ) لِأَنَّهُ إِلْزَامٌ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ ضَرَرٌ .
( فَإِنْ كَانَتْ بِأَمْرِهِ فَأَدَّى رَجَعَ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ .
( وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ .
( قَالَ : وَإِذَا طُولِبَ الْكَفِيلُ وَلُوزِمَ طَالَبَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ وَلَازَمَهُ ) وَيَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيْهِ ، وَلَا يَقُولُ لَهُ أَدِّ إِلَيَّ ، وَكَذَا يَحْبِسُهُ إِذَا حَبَسَهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَحِقَهُ بِسَبَبِهِ فَيَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ مَا لَزِمَهُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ .
قَالَ : ( وَإِنْ أَدَّى الْأَصِيلُ أَوْ أَبْرَأَهُ رَبُّ الدَّيْنِ بَرَأَ الْكَفِيلُ ) لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَلِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالدَّيْنِ وَلَا دَيْنَ مُحَالٌ .
( وَإِنْ أُبْرِئَ الْكَفِيلُ لَمْ يَبْرَأِ الْأَصِيلُ ) لِأَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الْأَصِيلِ ، وَبَقَاؤُهُ عَلَيْهِ بِدُونِ مُطَالَبَةِ الْكَفِيلِ جَائِزٌ .
( وَإِنْ أَخَّرَ عَنِ الْأَصِيلِ تَأَخَّرَ عَنِ الْكَفِيلِ وَبِالْعَكْسِ لَا ) لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ مُؤَقَّتٌ فَيُعْتَبَرُ بِالْإِبْرَاءِ الْمُطْلَقِ; فَإِنْ صَالَحَ الْكَفِيلُ رَبَّ الدَّيْنِ مِنَ الْأَلْفِ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ بَرِئَ هُوَ وَالْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ كَمَا أَضَافَهُ إِلَى الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى الْأَصِيلِ بَرِئَ الْأَصِيلُ فَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ بِخَمْسِمِائَةٍ إِنْ كَانَتِ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ ، وَلَوْ صَالَحَ بِخِلَافِ جِنْسِ الدَّيْنِ رَجَعَ بِجَمِيعِ الْأَلْفِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ ، وَلَوْ صَالَحَهُ عَمَّا اسْتَوْجَبَ بِالْكَفَالَةِ لَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ ، لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ لَهُ عَنِ الْمُطَالَبَةِ .
قَالَ : ( وَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بَرِئْتَ إِلَيَّ مِنَ الْمَالِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْأَصِيلِ ) لِأَنَّهُ أَضَافَ الْبَرَاءَةَ إِلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَدَاءِ فَيَرْجِعُ .
452 ( وَإِنْ قَالَ : أَبْرَأْتُكَ لَمْ يَرْجِعْ ) لِأَنَّهُ إِسْقَاطٌ حَتَّى لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ; وَلَوْ قَالَ : بَرِئْتُ رَجَعَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ ابْتِدَاؤُهَا مِنَ الْمَطْلُوبِ وَذَلِكَ بِالْإِيفَاءِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَرْجِعُ بِالشَّكِّ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا غَابَ الطَّالِبُ أَمَّا إِذَا كَانَ حَاضِرًا يَرْجِعُ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمَلُ .
قَالَ : ( وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا بِشَرْطٍ ) كَمَا فِي سَائِرِ الْبَرَاءَاتِ; وَقِيلَ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إِنَّمَا عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ إِبْرَاؤُهُ بِالرَّدِّ ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْإِبْرَاءَاتِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ فَلَا تَصِحُّ مَعَ التَّعْلِيقِ . وَبِخِلَافِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ حَتَّى تَرْتَدَّ بِالرَّدِّ .
قَالَ : ( وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْمَبِيعِ فَاسِدًا ، لِأَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ عَيْنِهِ حَالَ بَقَائِهِ ، وَقِيمَتِهِ حَالَ هَلَاكِهِ ، فَكَانَ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ فَيَصِحُّ .
( وَلَا تَصِحُّ بِالْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْمَبِيعِ وَالْمَرْهُونِ ) لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ، وَقِيلَ يَصِحُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَتَبْطُلُ بِالْهَلَاكِ لِلْقُدْرَةِ قَبْلَ الْهَلَاكِ وَالْعَجْزِ بَعْدَهُ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِقَبُولِ الْمَكْفُولِ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ : فِي رِوَايَةٍ : يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ .
وَفِي رِوَايَةٍ : يَجُوزُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الطَّالِبِ فَيَسْتَبِدُّ الْكَفِيلُ بِهِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ لِانْضِمَامِ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ إِلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فِي الْمُطَالَبَةِ . وَلَهُمَا أَنَّهُ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ كَمَا فِي سَائِرِ التَّمْلِيكَاتِ .
قَالَ : ( إِلَّا إِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ تَكَفَّلْ بِمَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ ، فَتَكَفَّلَ وَالْغَرِيمُ غَائِبٌ فَيَصِحُّ ) ثُمَّ قِيلَ هُوَ وَصِيَّةٌ حَتَّى لَا تَصِحَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَقِيلَ تَصِحُّ لِحَاجَتِهِ إِلَى إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ فَقَامَ مَقَامَ الطَّالِبِ ، وَفِيهِ نَفْعٌ لِلطَّالِبِ .
453 ( وَلَوْ قَالَ ) ذَلِكَ . ( لِأَجْنَبِيٍّ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ) .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ ) وَقَالَا : تَصِحُّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ وَجَبَ لِلطَّالِبِ وَلَمْ يُسْقِطْهُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ كَانَ كَفِيلًا بِهِ لَا يَسْقُطُ; وَكَذَا لَوْ تَبَرَّعَ إِنْسَانٌ بِهِ صَحَّ ، وَلَوْ سَقَطَ بِالْمَوْتِ لَمَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ . وَلَهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُطَالَبَةِ وَهِيَ فِعْلٌ ، وَلِهَذَا تُوصَفُ بِالْوُجُوبِ ، إِلَّا أَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْمَالِ وَقَدْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ وَخَلَفِهِ فَيَسْقُطُ ضَرُورَةَ فَوَاتِ عَاقِبَةِ الِاسْتِيفَاءِ . أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ بِهِ كَفِيلٌ فَهُوَ قَادِرٌ بِخَلَفِهِ ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الْأَدَاءِ فَلَا تَفُوتُ الْعَاقِبَةُ ، وَالتَّبَرُّعُ لَا يَعْتَمِدُ بَقَاءَ الدَّيْنِ .
قَالَ : ( وَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ كَشَرْطِ وُجُوبِ الْحَقِّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : مَا بَايَعْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا ذَابَ لَكَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ ، أَوْ مَا غَصَبَكَ فَعَلَيَّ ، أَوْ بِشَرْطِ إِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَعَلَيَّ وَهُوَ مَكْفُولٌ عَنْهُ ، أَوْ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ كَقَوْلِهِ : إِنْ غَابَ فَعَلَيَّ ) وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ) وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الدَّرْكِ ، وَأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الشُّرُوطِ .
( وَلَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ : إِنْ هَبَّتِ الرِّيحُ أَوْ جَاءَ الْمَطَرُ ) لِأَنَّهَا جَهَالَةٌ فَاحِشَةٌ .
( فَلَوْ جَعَلَهُمَا أَجَلًا بِأَنْ قَالَ : كَفَلْتُهُ إِلَى مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوْ إِلَى هُبُوبِ الرِّيحِ لَا يَصِحُّ ) الْأَجَلُ .
( وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ; وَشَرْطُ الْخِيَارِ فِي الْكَفَالَةِ جَائِزٌ ، وَهِيَ أَقْبَلُ لِلْخِيَارِ مِنَ الْبَيْعِ حَتَّى يُقْبَلَ الْخِيَارُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، لِأَنَّهُ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَوْلَى; فَلَوْ أَقَرَّ بِكَفَالَةٍ مُؤَجَّلَةٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الْأَجَلِ إِلَّا بِتَصْدِيقِ الطَّالِبِ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ .
454 قَالَ : ( فَإِنْ قَالَ : تَكَفَّلْتُ بِمَا لَكَ عَلَيْهِ فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ ) لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالْمُعَايَنِ حُكْمًا ( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَفِيلِ ) لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ .
( وَلَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْأَصِيلِ عَلَيْهِ ) لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ وَيَلْزَمُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِمَا عُرِفَ .
قَالَ : ( وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِالْحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ بِعَيْنِهَا ، وَتَصِحُّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا ) لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ شَاءَ ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنَةِ ، لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا لَوْ تَكَفَّلَ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ بِخِيَاطَةِ خَيَّاطٍ بِيَدِهِ ؛ لَأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ تَكَفَّلَ بِتَسْلِيمِ الْعَبْدِ أَوِ الْخَيَّاطِ أَوْ بِفِعْلِ الْخِيَاطَةِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ لَهُ ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ مُطْلَقُ الْخِيَاطَةِ ، فَأَيُّ خِيَاطَةٍ وُجِدَتْ حَصَلَ الْمَكْفُولُ بِهِ; وَلَوْ ضَمِنَ لِامْرَأَةٍ عَنْ زَوْجِهَا بِنَفَقَةِ كُلِّ شَهْرٍ جَازَ ، وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الضَّمَانِ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ; وَلَوْ ضَمِنَ أُجْرَةَ كُلِّ شَهْرٍ فِي الْإِجَارَةِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّفَقَةِ لَمْ يَتَجَدَّدْ عَنْ رَأْسِ الشَّهْرِ بَلْ تَجِبُ فِي الشُّهُورِ كُلِّهَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ ، وَسَبَبُ الْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ شَهْرٍ لِتَجَدُّدِ الْعَقْدِ ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْكَفَالَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ .
قَالَ : ( عَلَيْهِمَا دَيْنٌ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ فَيَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ ) لِأَنَّهُ أَصِيلٌ فِي النِّصْفِ كَفِيلٌ فِي النِّصْفِ ، وَالْكَفَالَةُ تَبَعٌ فَتَقَعُ عَنِ الْأَصِيلِ إِذْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَهَمُّ ، ثُمَّ مَا يُؤَدِّيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ عَنِ الْكَفَالَةِ لِتَعَيُّنِهَا فَيَرْجِعُ بِهِ لِمَا مَرَّ .
قَالَ : ( فَإِنْ تَكَفَّلَا عَنْ رَجُلٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلٌ عَنِ الْآخَرِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى الْآخَرِ ) لِأَنَّ مَا يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا لَزِمَهُ بِالْكَفَالَةِ لِأَنَّهُ كَفَلَ عَنْ شَرِيكِهِ بِالْجَمِيعِ وَعَنِ الْأَصِيلِ بِالْجَمِيعِ ، فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا وَقَعَ شَائِعًا عَنْهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، إِذِ الْكُلُّ كَفَالَةٌ ، بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُوْلَى ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَصِيلِ ؛ لِأَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْهُ بِأَمْرِهِ ، أَحَدُهُمَا بِنَفْسِهِ وَالْآخَرُ بِنَائِبِهِ .
455 قَالَ : ( وَإِنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ خَرَاجَهُ وَقِسْمَتَهُ وَنَوَائِبَهُ جَازَ إِنْ كَانَتِ النَّوَائِبُ بِحَقٍّ ، كَكَرْيِ النَّهْرِ ، وَأُجْرَةِ الْحَارِسِ ، وَتَجْهِيزِ الْجَيْشِ ، وَفِدَاءِ الْأُسَارَى ) أَمَّا الْخَرَاجُ فَلِأَنَّهُ دَيْنٌ مُطَالَبٌ بِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ فَيَصِحُّ : وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنَ النَّوَائِبِ فَقَدْ صَارَتْ كَالدَّيْنِ . وَأَمَّا الْقِسْمَةُ فَهِيَ حِصَّةٌ مِنَ النَّوَائِبِ الَّتِي صَارَتْ مَعْلُومَةً لَهُمْ مُوَظَّفَةً عَلَيْهِمْ كَالدُّيُونِ ، وَبَاقِي النَّوَائِبِ مَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ .
( وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِحَقٍّ كَالْجِبَايَاتِ قَالُوا : تَصِحُّ فِي زَمَانِنَا ) لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالدُّيُونِ حَتَّى قَالُوا : لَوْ أُخِذَ مِنَ الْمُزَارِعِ جَبْرًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَالِكِ . وَالْكَفَالَةُ بِالدَّرْكِ جَائِزَةٌ ، وَهُوَ الْتِزَامُ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَأْكِيدُ أَحْكَامِ الْبَيْعِ وَتَقْرِيرُهَا ، وَلَوِ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ لَمْ يُؤْخَذِ الْكَفِيلُ حَتَّى يُقْضَى عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُنْتَقَضُ إِلَّا بِالْقَضَاءِ ، فَلَعَلَّ الْمُسْتَحِقَّ يُجِيزُهُ فَلَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ نَقْدُ الثَّمَنِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ ، وَلَوْ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِالِاسْتِحْقَاقِ فَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْبَائِعِ ؛ لِأَنَّهُ خَصْمٌ عَنْهُ ، فَيُؤْخَذُ الْكَفِيلُ; وَالضَّمَانُ بِالْعُهْدَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْعُهْدَةَ تَحْتَمِلُ الدَّرْكَ وَغَيْرَهُ فَكَانَ مَجْهُولًا . أَمَّا الدَّرْسُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي ضَمَانِ الِاسْتِحْقَاقِ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْعُهْدَةَ كَالدَّرْكِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ اسْتِعْمَالُهَا فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ عَادَةً وَعُرْفًا .
تَمَّ الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ " الِاخْتِيَارِ لِتَعْلِيلِ الْمُخْتَارِ "
وَيَلِيهِ :
الْجُزْءُ الثَّالِثُ ، وَأَوَّلُهُ : كِتَابُ الْحَوَالَةِ
المالكية
المدونة
اقرأ →
126 كِتَابُ الْحَوَالَةِ مَاتَ الْمُحْتَالِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَرَادَ الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِحَقِّهِ قُلْتُ : أَرَأَيْت الْحَوَالَةَ ، أَيَكُونُ لِلَّذِي احْتَالَ بِحَقِّهِ عَلَى رَجُلٍ إنْ مَاتَ هَذَا الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا ، أَيَكُونُ لِلَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِحَقِّهِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتْ إحَالَةُ الَّذِي أَحَالَهُ وَلَهُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَلَمْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ عَلَيْهِ مِنْ غَرِيمِهِ الَّذِي أَحَالَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ .
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَ غَرَّهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا أَحَالَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنَّمَا هِيَ حَمَالَةٌ . ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ } ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَحَالَ الرَّجُلُ رَجُلًا بِحَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، فَرَضِيَ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ إنْ أَفْلَسَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ قِبَلَ الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ . ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ - فِي رَجُلٍ أَحَالَ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَحِلَّ الْحَقُّ حَتَّى أَفْلَسَ - : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ إذَا أَحَالَهُ فَأَبْرَأَهُ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ مَلِيًّا .
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إنْ كَانَتْ إحَالَةُ الَّذِي أَحَالَهُ وَلَهُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَلَمْ يَغُرَّهُ مِنْ فَلَسٍ عَلَيْهِ مِنْ غَرِيمِهِ الَّذِي أَحَالَهُ عَلَيْهِ ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ .
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَإِنْ كَانَ غَرَّهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا أَحَالَهُ ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنَّمَا هِيَ حَمَالَةٌ . ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ } ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَحَالَ الرَّجُلُ رَجُلًا بِحَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، فَرَضِيَ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ لَهُ إنْ أَفْلَسَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ قِبَلَ الَّذِي أَحَالَهُ شَيْءٌ . ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ - فِي رَجُلٍ أَحَالَ عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ يَحِلَّ الْحَقُّ حَتَّى أَفْلَسَ - : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ إذَا أَحَالَهُ فَأَبْرَأَهُ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مُفْلِسًا كَانَ أَوْ مَلِيًّا .
الذخيرة
اقرأ →
كتاب الحوالة
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
226 بَابُ الْحَوَالَةِ ) هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا لُغَةً التَّحَوُّلُ وَالِانْتِقَالُ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَقْتَضِي تَحَوُّلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى هَذَا الِانْتِقَالِ نَفْسُهُ وَأَصْلُهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ أَيْ بِالْهَمْزِ فَلْيَتْبَعْ } أَيْ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ أَوْ سُكُونِهَا وَتُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ { وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ } أَنَّ الظِّلَّ كَبِيرَةٌ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ ظُلْمًا فَهُوَ كَالْغَصْبِ فَيَفْسُقُ بِمَرَّةٍ مِنْهُ قَالَهُ السُّبْكِيُّ مُخَالِفًا لِلْمُصَنِّفِ فِي اشْتِرَاطِهِ تَكَرُّرَهُ نَقْلًا عَنْ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وَأَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِتَفْسِيرِ الْأَزْهَرِيِّ لِلْمَطْلِ بِأَنَّهُ إطَالَةُ الْمُدَافَعَةِ أَيْ فَالْمَرَّةُ لَا تُسَمَّى مَطْلًا وَيَخْدِشُهُ حِكَايَةُ الْمُصَنِّفِ اخْتِلَافُ الْمَالِكِيَّةِ هَلْ يَفْسُقُ بِمَرَّةٍ مِنْهُ أَوْ لَا فَاقْتَضَى اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَسْمِيَتِهِ مَطْلًا تَكَرُّرُهُ وَإِلَّا لَمْ يَتَأَتَّ اخْتِلَافُهُمْ وَقَدْ يُؤَيِّدُ هَذَا تَفْسِيرُ الْقَامُوسِ لَهُ بِأَنَّهُ التَّسْوِيفُ بِالدَّيْنِ وَبِهِ يَتَأَيَّدُ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ وَصَرَاحَةُ مَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْحَوَالَةِ لِأَنَّهُ رَدِيفُهَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّ كُلًّا مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلُ فَكَانَ الْمُحِيلُ بَاعَ الْمُحْتَالَ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا لِلْمُحْتَالِ فِي ذِمَّتِهِ أَيْ الْغَالِبِ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَضِيَّةُ كَوْنِهَا بَيْعًا صِحَّةُ الْإِقَالَةِ فِيهَا وَبِهِ أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ أَخَذَا مِنْ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيِّ وَرَدَ بِتَصْرِيحِ الرَّافِعِيِّ أَوَّلَ الْفَلَسِ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلٍ 227 بِامْتِنَاعِهَا فِيهَا وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إسْنَادِهَا لِجُمْلَةِ الْمُخَاطَبِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ وَإِنْ كَانَتْ لِمَحْجُورِهِ مَثَلًا كَأَحَلْتُكَ لِبِنْتِك عَلَى ذِمَّتِك بِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيَّ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا عَلَى مَبْلَغٍ فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِ أَحَلْتُ ابْنَتَك بِكَذَا إلَى آخِرِهِ كَبِعْت مُوَكِّلَك وَشَرَطَ فِي صِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَصْلَحَةٌ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنْ يَعْلَمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصْرِفُ عَلَيْهَا مَنْ لَزِمَهُ لَهَا بِالْحَوَالَةِ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
421 كِتَابُ الْحَوَالَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا مِنْ التَّحَوُّلِ وَالِانْتِقَالِ .
وَفِي الشَّرْعِ : عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى انْتِقَالِهِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى .
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } وَتُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ { وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صَرَاحَةُ مَا فِي الْخَبَرِ فِي الْحَوَالَةِ ; إذْ هُوَ رَدِيفُهَا ، وَهِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّ كُلًّا مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلُ ، فَكَأَنَّ الْمُحِيلَ بَاعَ الْمُحْتَالُ مَالَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا لِلْمُحْتَالِ فِي ذِمَّتِهِ : أَيْ الْغَالِبِ عَلَيْهَا ، وَمُقْتَضَى كَوْنِهَا 422 بَيْعًا صِحَّةُ الْإِقَالَةِ فِيهَا ، وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيَّ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ الرَّافِعِيِّ أَوَّلَ الْفَلَسِ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلٍ بِامْتِنَاعِهَا فِيهَا ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُتَوَلِّي وَالْقَمُولِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَمُقْتَضَاهُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ إسْنَادِهَا لِجُمْلَةِ الْمُخَاطَبِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الْبَيْعِ وَلَوْ لِمَحْجُورِهِ مَثَلًا كَأَحَلْتُك لِابْنَتِك عَلَى ذِمَّتِك بِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيَّ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَبْلَغٍ فِي ذِمَّتِهِ مَثَلًا ، بِخِلَافِ أَحَلْت ابْنَتَك بِكَذَا إلَى آخِرِهِ كَ بِعْت مُوَكِّلَك ، وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ غَيْرِهِ وُجُودُ مَصْلَحَتِهَا فِيهَا ، وَالْعِلْمُ بِقَدْرِ مَا لَزِمَهُ لَهَا بِهَا .
وَلَهَا أَرْكَانٌ مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ وَمُحَالٌ عَلَيْهِ وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَإِيجَابٌ وَقَبُولٌ ، كَأَحَلْتُك عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَك عَلَيَّ وَلَمْ يَنْوِهِ فَهُوَ صَرِيحٌ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ مِنْ تَصْدِيقِ نَافِي إرَادَةِ الْحَوَالَةِ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ يَقْبَلُ الصَّرْفَ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَوَالَةِ بَلْ يَكْفِي مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا كَ نَقَلْت حَقَّك إلَى فُلَانٍ أَوْ جَعَلْت مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلَانٍ لَك أَوْ مَلَّكْتُك الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّك ، وَلَوْ قَالَ : أَحِلْنِي فَكَقَوْلِهِ : بِعْنِي وَلَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَلَوْ نَوَاهَا 423 عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ إذْ الِاعْتِبَارُ فِي الْعُقُودِ بِاللَّفْظِ لَا بِالْمَعْنَى ( يُشْتَرَطُ لَهَا ) أَيْ لِصِحَّتِهَا ( رِضَا الْمُحِيلِ ) لِأَنَّ لَهُ إيفَاءَ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِقَضَائِهِ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ ( وَالْمُحْتَالِ ) ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِتَفَاوُتِ الذِّمَمِ ، وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لِلِاسْتِحْبَابِ ، وَصَرْفُهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَيُعْتَبَرُ لِاسْتِحْبَابِ قَبُولُهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَلِيءٍ وَفِيٍّ ، وَكَوْنُ مَالِهِ طَيِّبًا لِيَخْرُجَ الْمُمَاطَلُ ، وَمَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ
وَمُرَادُهُ بِالرِّضَا مَا مَرَّ مِنْ الصِّيغَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُحْتَالِ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ( لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ) فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالرَّقِيقِ الْمَبِيعِ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ
وَفِي الشَّرْعِ : عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى انْتِقَالِهِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى .
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } وَتُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ { وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صَرَاحَةُ مَا فِي الْخَبَرِ فِي الْحَوَالَةِ ; إذْ هُوَ رَدِيفُهَا ، وَهِيَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّ كُلًّا مَلَكَ بِهَا مَا لَمْ يَمْلِكْهُ قَبْلُ ، فَكَأَنَّ الْمُحِيلَ بَاعَ الْمُحْتَالُ مَالَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا لِلْمُحْتَالِ فِي ذِمَّتِهِ : أَيْ الْغَالِبِ عَلَيْهَا ، وَمُقْتَضَى كَوْنِهَا 422 بَيْعًا صِحَّةُ الْإِقَالَةِ فِيهَا ، وَهُوَ مَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ الْخُوَارِزْمِيَّ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِتَصْرِيحِ الرَّافِعِيِّ أَوَّلَ الْفَلَسِ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلٍ بِامْتِنَاعِهَا فِيهَا ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُتَوَلِّي وَالْقَمُولِيُّ وَالسُّبْكِيُّ وَمُقْتَضَاهُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ إسْنَادِهَا لِجُمْلَةِ الْمُخَاطَبِ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الْبَيْعِ وَلَوْ لِمَحْجُورِهِ مَثَلًا كَأَحَلْتُك لِابْنَتِك عَلَى ذِمَّتِك بِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيَّ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مَبْلَغٍ فِي ذِمَّتِهِ مَثَلًا ، بِخِلَافِ أَحَلْت ابْنَتَك بِكَذَا إلَى آخِرِهِ كَ بِعْت مُوَكِّلَك ، وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَى أَبِيهَا أَوْ غَيْرِهِ وُجُودُ مَصْلَحَتِهَا فِيهَا ، وَالْعِلْمُ بِقَدْرِ مَا لَزِمَهُ لَهَا بِهَا .
وَلَهَا أَرْكَانٌ مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ وَمُحَالٌ عَلَيْهِ وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَلِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَإِيجَابٌ وَقَبُولٌ ، كَأَحَلْتُك عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي لَك عَلَيَّ وَلَمْ يَنْوِهِ فَهُوَ صَرِيحٌ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي آخِرَ الْبَابِ مِنْ تَصْدِيقِ نَافِي إرَادَةِ الْحَوَالَةِ ; لِأَنَّهُ صَرِيحٌ يَقْبَلُ الصَّرْفَ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَوَالَةِ بَلْ يَكْفِي مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهَا كَ نَقَلْت حَقَّك إلَى فُلَانٍ أَوْ جَعَلْت مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَى فُلَانٍ لَك أَوْ مَلَّكْتُك الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّك ، وَلَوْ قَالَ : أَحِلْنِي فَكَقَوْلِهِ : بِعْنِي وَلَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَلَوْ نَوَاهَا 423 عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ إذْ الِاعْتِبَارُ فِي الْعُقُودِ بِاللَّفْظِ لَا بِالْمَعْنَى ( يُشْتَرَطُ لَهَا ) أَيْ لِصِحَّتِهَا ( رِضَا الْمُحِيلِ ) لِأَنَّ لَهُ إيفَاءَ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ لِكَوْنِهِ مُرْسَلًا فِي ذِمَّتِهِ ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِقَضَائِهِ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ ( وَالْمُحْتَالِ ) ; لِأَنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِتَفَاوُتِ الذِّمَمِ ، وَالْخَبَرُ الْمَذْكُورُ لِلِاسْتِحْبَابِ ، وَصَرْفُهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَيُعْتَبَرُ لِاسْتِحْبَابِ قَبُولُهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَلِيءٍ وَفِيٍّ ، وَكَوْنُ مَالِهِ طَيِّبًا لِيَخْرُجَ الْمُمَاطَلُ ، وَمَنْ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ
وَمُرَادُهُ بِالرِّضَا مَا مَرَّ مِنْ الصِّيغَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمُحْتَالِ وَتَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ( لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ ) فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالرَّقِيقِ الْمَبِيعِ ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِيفَاؤُهُ بِنَفْسِهِ كَمَا لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ
الأم
اقرأ →
باب الحوالة
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
417 كِتَابُ الْحَوَالَةِ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْحَوَالَةِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .
فَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْهَا طَرِيقَيْنِ وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ الثَّالِثَ .
أَحَدُهَا : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ .
وَالثَّانِي : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ .
وَالثَّالِثُ : تَفَرَّدَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ ، فَرَوَاهُ أَبُو بِشْرِ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فِيمَا نَحْكِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَا بَعْدُ .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْحَوَالَةِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ .
فَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَرْوِيَّةٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ رَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْهَا طَرِيقَيْنِ وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ الثَّالِثَ .
أَحَدُهَا : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ .
وَالثَّانِي : مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ .
وَالثَّالِثُ : تَفَرَّدَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ ، فَرَوَاهُ أَبُو بِشْرِ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فِيمَا نَحْكِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِيمَا بَعْدُ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
كتاب الحوالة
الحنابلة
المغني
اقرأ →
336 كِتَابُ الْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ الْحَوَالَةُ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ . أَمَّا السُّنَّةُ ، فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ { مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ الْحَوَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَاشْتِقَاقِهَا مِنْ تَحْوِيلِ الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهَا بَيْعٌ ، فَإِنَّ الْمُحِيلَ يَشْتَرِي مَا فِي ذِمَّتِهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَجَازَ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ رُخْصَةً ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الرِّفْقِ ، فَيَدْخُلُهَا خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِذَلِكَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَقْدُ إرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ ، لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا جَازَتْ ، لِكَوْنِهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَّا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِ الرَّبَّا بِجِنْسِهِ . وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَلَجَازَتْ بَيْنَ جِنْسَيْنِ ، كَالْبَيْعِ كُلِّهِ .
وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ لَا بِالْبَيْعِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ . وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ . وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَى الْمُحِيلِ ، بِلَا خِلَافٍ ; فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةُ قَضَائِهِ . وَأَمَّا الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا عَقْدُ إرْفَاقٍ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ ، لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلَى غَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَمَا جَازَتْ ، لِكَوْنِهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَّا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهُ بَيْعُ مَالِ الرَّبَّا بِجِنْسِهِ . وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ ، وَلَجَازَتْ بَيْنَ جِنْسَيْنِ ، كَالْبَيْعِ كُلِّهِ .
وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ لَا بِالْبَيْعِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ ، وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولِهِ . وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُحِيلٍ وَمُحْتَالٍ وَمُحَالٍ عَلَيْهِ . وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا رِضَى الْمُحِيلِ ، بِلَا خِلَافٍ ; فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ جِهَةُ قَضَائِهِ . وَأَمَّا الْمُحْتَالُ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
بَابُ الْحَوَالَةِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ التَّحَوُّلِ ; لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى قَالَ فِي الْمُبْدِعِ : وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْأَصَمِّ وَسَنَدُهُ : السُّنَّةُ 383 الصَّحِيحَةُ فَمِنْهَا : مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ وَفِي لَفْظٍ مَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ } .
( وَهِيَ عَقْدُ إرْفَاقٍ ) مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُحَوَّلًا عَلَى غَيْرِهِ ( لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَيْسَتْ ) الْحَوَالَةُ ( بَيْعًا ) ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْع ، وَبَيْنَ جِنْسَيْنِ كَالْبَيْعِ كُلِّهِ وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ وَلَيْسَتْ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ ; لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا ( بَلْ ) الْحَوَالَةُ ( تَنْقُلُ الْمَالَ ) الْمُحَالَ بِهِ ( مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ) لِمَا سَبَقَ ، مِنْ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ أَوْ التَّحْوِيلِ وَفِيهَا شَبَهٌ بِالْمُعَاوَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَشَبَهٌ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ حَيْثُ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ بِهَا ، وَلِتَرَدُّدِهَا بَيْنَهُمَا أَلْحَقَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِالْمُعَاوَضَةِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالِاسْتِيفَاءِ .
( وَهِيَ عَقْدُ إرْفَاقٍ ) مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مُحَوَّلًا عَلَى غَيْرِهِ ( لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَيْسَتْ ) الْحَوَالَةُ ( بَيْعًا ) ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَكَانَتْ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَلَمَا جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ ; لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ وَلَجَازَتْ بِلَفْظِ الْبَيْع ، وَبَيْنَ جِنْسَيْنِ كَالْبَيْعِ كُلِّهِ وَلِأَنَّ لَفْظَهَا يُشْعِرُ بِالتَّحَوُّلِ وَلَيْسَتْ أَيْضًا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ ; لِعَدَمِ الْعَيْنِ فِيهَا ( بَلْ ) الْحَوَالَةُ ( تَنْقُلُ الْمَالَ ) الْمُحَالَ بِهِ ( مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ) لِمَا سَبَقَ ، مِنْ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ أَوْ التَّحْوِيلِ وَفِيهَا شَبَهٌ بِالْمُعَاوَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَشَبَهٌ بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ حَيْثُ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ بِهَا ، وَلِتَرَدُّدِهَا بَيْنَهُمَا أَلْحَقَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ بِالْمُعَاوَضَةِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالِاسْتِيفَاءِ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
بَابُ الْحَوَالَةِ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَفِي لَفْظٍ " وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ " وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ ; لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهِيَ ( عَقْدُ إرْفَاقٍ ) مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا خِيَارَ فِيهَا وَلَيْسَتْ بَيْعًا وَإِلَّا لَدَخَلَهَا الْخِيَارُ وَجَازَتْ بِلَفْظِهِ ، وَبَيْنَ جِنْسَيْنِ كَبَاقِي الْبُيُوعِ ، وَلَمَّا جَازَ 135 التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضٍ ; لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ بَلْ تُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ ; لِأَنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ ، وَتُشْبِهُ الِاسْتِيفَاءَ لِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ بِهَا وَ ( هِيَ ) أَيْ الْحَوَالَةُ شَرْعًا ( انْتِقَالُ مَالٍ مِنْ ذِمَّةِ ) الْمُحَالِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا رُجُوعَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَالٍ ، إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا ; لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ أَشْبَهَ الْإِبْرَاءَ مِنْهُ .
وَفِي لَفْظٍ " وَمَنْ أُحِيلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ " وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّحَوُّلِ ; لِأَنَّهَا تُحَوِّلُ الْحَقَّ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَهِيَ ( عَقْدُ إرْفَاقٍ ) مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا خِيَارَ فِيهَا وَلَيْسَتْ بَيْعًا وَإِلَّا لَدَخَلَهَا الْخِيَارُ وَجَازَتْ بِلَفْظِهِ ، وَبَيْنَ جِنْسَيْنِ كَبَاقِي الْبُيُوعِ ، وَلَمَّا جَازَ 135 التَّفَرُّقُ قَبْلَ قَبْضٍ ; لِأَنَّهَا بَيْعُ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ بَلْ تُشْبِهُ الْمُعَاوَضَةَ ; لِأَنَّهَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ ، وَتُشْبِهُ الِاسْتِيفَاءَ لِبَرَاءَةِ الْمُحِيلِ بِهَا وَ ( هِيَ ) أَيْ الْحَوَالَةُ شَرْعًا ( انْتِقَالُ مَالٍ مِنْ ذِمَّةِ ) الْمُحَالِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا رُجُوعَ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَالٍ ، إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهَا ; لِأَنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ دَيْنٍ لَيْسَ فِيهَا قَبْضٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ وَلَا مِمَّنْ يَدْفَعُ عَنْهُ أَشْبَهَ الْإِبْرَاءَ مِنْهُ .
الإنصاف
اقرأ →
باب الحوالة
الفروع
اقرأ →
255 بَابُ الْحَوَالَةِ ( مَسْأَلَةٌ 1 ) [ قَوْلُهُ ] تَصِحُّ بِلَفْظِهَا أَوْ مَعْنَاهَا الْخَاصِّ بِرِضَا الْمُحِيلِ بِشَرْطِ الْمُقَاصَّةِ وَعِلْمِ الْمَالِ ، وَفِي مَذْرُوعٍ وَمَعْدُودٍ وَجْهَانِ ، انْتَهَى . يَعْنِي يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَالِ وَأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ السَّلَمُ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ ، فَفِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ مِنْ الْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ الْوَجْهَانِ ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَالزَّرْكَشِيِّ ، قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ : إنَّمَا يَصِحُّ فِي دَيْنٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ . وَأَطْلَقَا فِي إبِلِ الدِّيَةِ الْوَجْهَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ فِي الْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ . قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِكُلِّ مَا صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، وَهُوَ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِثْلٌ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَالثِّمَارِ ، أَوْ لَا مِثْلَ لَهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ . وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، قَالَ النَّاظِمُ : يَصِحُّ فِيمَا فِيهِ السَّلَمُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ فِي الْإِبِلِ . قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يُقْضَى بِهِ قَرْضُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : قَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ ، وَصَحَّحْنَاهَا هُنَاكَ ، فَلْيُرَاجَعْ . .
( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ فِي الْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ . قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ : تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِكُلِّ مَا صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ ، وَهُوَ مَا يُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مِثْلٌ كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَالثِّمَارِ ، أَوْ لَا مِثْلَ لَهُ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ . وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ، قَالَ النَّاظِمُ : يَصِحُّ فِيمَا فِيهِ السَّلَمُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : لَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ فِي الْإِبِلِ . قَالَ الشَّيْخُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا يُقْضَى بِهِ قَرْضُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ ، انْتَهَى .
( قُلْت ) : قَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَرْضِ ، وَصَحَّحْنَاهَا هُنَاكَ ، فَلْيُرَاجَعْ . .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب الحوالة
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب الحوالة
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
392 كِتَابُ الْحَوَالَةِ 1227 - مَسْأَلَةٌ :
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ ; وَقَالَ مُسْلِمٌ : نا ابْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ - ثُمَّ اتَّفَقَ الْأَعْرَجُ ، وَهِشَامٌ ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا اُتُّبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } .
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ } . فَوَجَبَ مِنْ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ : أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ آخَر حَقٌّ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ لَكِنْ مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ بِوَجْهِ مَا ، أَوْ مِنْ سَلَمٍ سَلَّمَ فِيهِ ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ مِنْ صُلْحٍ ، أَوْ إجَارَةٍ ، أَوْ صَدَاقٍ ، أَوْ مِنْ كِتَابَةٍ ، أَوْ مِنْ ضَمَانٍ ، فَأَحَالَهُ بِهِ عَلَى مَنْ لَهُ عِنْدَهُ حَقٌّ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ ، لَكِنْ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ .
وَلَا نُبَالِي مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَانَ الْحَقَّانِ ، أَوْ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ يُوفِيه حَقَّهُ مِنْ وَقْتِهِ وَلَا يَمْطُلُهُ : فَفَرْضٌ عَلَى الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَيْهِ ، وَيُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَبْرَأَ الْمُحِيلُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ .
وَلَا رُجُوعَ لِلَّذِي أُحِيلَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ - انْتَصَفَ ، أَوْ لَمْ يَنْتَصِفْ - أَعْسَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ إثْرَ الْإِحَالَةِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يُعْسَرْ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ ، فَإِنْ غَرَّهُ وَأَحَالَهُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ - وَالْمُحِيلُ يَدْرِي أَنَّهُ غَيْرُ مَلِيءٍ أَوْ لَا يَدْرِي - : فَهُوَ عَمَلٌ فَاسِدٌ ، وَحَقُّهُ بَاقٍ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا كَانَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلْهُ عَلَى مَلِيءٍ ، وَلَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إلَّا عَلَى مَلِيءٍ بِنَصِّ الْخَبَرِ . 393 وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرْجِعُ الْمُحِيلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَمَالِكٌ كَقَوْلِنَا ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْحَقَّيْنِ مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ ، نُظِرَ : فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ ، وَكَانَ حَقُّ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ بَيْعٍ : جَازَتْ الْحَوَالَةُ .
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِوَجْهِ التَّوْكِيلِ فَيُوَكِّلُهُ عَلَى قَبْضِ حَقِّهِ قَبْلَهُ ، فَإِنْ قَبَضَهُ لِلْمُوَكَّلِ لَهُ ، فَحِينَ مَصِيرِهِ بِيَدِهِ صَارَ قَابِضًا ذَلِكَ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ ، وَبَرِئَ الْمُحِيلُ .
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَبْضِهِ لِمَانِعِ مَا ، أَيُّ مَانِعٍ كَانَ ؟ رَجَعَ الْمُحِيلُ بِحَقِّهِ ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا ابْتَعْت حَتَّى تَقْبِضَهُ .
وَأَمَّا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الْحَقَّ فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَقْضِيَهُ لِنَفْسِهِ إذَا صَارَ بِيَدِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ اعْتَدَى إذْ ضَيَّعَ مَالَ مُوَكِّلٍ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ بِالتَّضْيِيعِ ، [ فَصَارَ ضَمَانُهُ بِالتَّضْيِيعِ ] فَصَارَ مِثْلُهُ عَلَيْهِ لِمُوَكَّلِهِ فِي ذِمَّتِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جَحَدَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ : رَجَعَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَلَا مَالَ لَهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : وَكَذَلِكَ إذَا أَفْلَسَ - الْقَاضِي الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ مِنْ السِّجْنِ أَيْضًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إذَا صَحَّ أَمْرُهَا فَقَدْ سَقَطَ الْحَقُّ عَنْ الْمُحِيلِ ، وَإِذْ قَدْ أَقَرُّوا بِسُقُوطِهِ فَمِنْ الْبَاطِلِ رُجُوعُ حَقٍّ قَدْ سَقَطَ بِغَيْرِ نَصٍّ يُوجِبُ رُجُوعَهُ ، وَلَا إجْمَاعَ يُوجِبُ رُجُوعَهُ - فَإِنْ قَالُوا : قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَوْ قَالَ فِي الْحَوَالَات : لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًّا .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي أُحِيلَ : لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ إلَّا أَنْ يُفْلِسَ ، أَوْ يَمُوتَ . وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إنْ لَمْ يُنْصِفْهُ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ .
وَعَنْ الْحَكَمِ : لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَنْتَصِفَ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمُحِيلِ ؟ 394 قُلْنَا : لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ الْمُسَيِّبِ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ ، وَلِرَجُلِ آخَر عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِلْمُسَيِّبِ : أَنَا أُحِيلُك عَلَى عَلِيٍّ وَأَحِلْنِي أَنْتَ عَلَى فُلَانٍ ، فَفَعَلَا فَانْتَصَفَ الْمُسَيِّبُ مِنْ عَلِيٍّ وَتَلِفَ مَالُ الَّذِي أَحَالَهُ الْمُسَيِّبُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ الْمُسَيِّبُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَبْعَدَهُ اللَّهُ - فَهَذَا خِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَهَذِهِ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا .
وَإِذَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَلَيْسَ بَعْضُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ بِاتِّفَاقِكُمْ مَعَنَا فِي ذَلِكَ وَلَسْنَا نَرَى إحَالَةَ مَنْ لَا حَقَّ لِلْمُحَالِ عِنْدَهُ ، لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَنَا مِثْلُ فِعْلِ عَلِيٌّ ، وَالْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى الضَّمَانِ ، فَإِنَّهُ إذَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرِيمَيْنِ مَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ ذَلِكَ ، وَلَزِمَ ، وَتَحَوَّلَ الْحَقُّ الَّذِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَمَالِكٌ : لَا يُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَى قَبُولِ الْحَوَالَةِ - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا : لَوْ وَجَبَ إجْبَارُهُ لَوَجَبَ أَيْضًا إذَا أَحَالَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى آخَر أَنْ يُجْبَرَ عَلَى اتِّبَاعِهِ ، ثُمَّ إذَا أَحَالَهُ ذَلِكَ عَلَى آخَر أَنْ يُجْبَرَ أَيْضًا عَلَى اتِّبَاعِهِ ، وَهَذَا أَبَدًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا مَا فِيهِ ، فَكَيْفَ وَاَلَّذِي اعْتَرَضُوا بِهِ فَاسِدٌ ؟ لِأَنَّهُ مَطْلٌ مِنْ غَنِيٍّ ، أَوْ حَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ ، وَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَالْحَوَالَةُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَقْبَلَهَا ، وَإِنَّمَا الْحَوَالَةُ عَلَى مَنْ يُعَجِّلُ الْإِنْصَافَ بِفِعْلِهِ لَا بِقَوْلِهِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ حَوَالَةً بِنَصِّ الْحَدِيثِ
رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ ; وَقَالَ مُسْلِمٌ : نا ابْنُ رَافِعٍ نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ نا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ - ثُمَّ اتَّفَقَ الْأَعْرَجُ ، وَهِشَامٌ ، وَكِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا اُتُّبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ } .
وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي " كِتَابِ الْبُيُوعِ " بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ قَالَ : { إذَا ابْتَعْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ } . فَوَجَبَ مِنْ هَذَيْنِ النَّصَّيْنِ : أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ عِنْدَ آخَر حَقٌّ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ لَكِنْ مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ بِوَجْهِ مَا ، أَوْ مِنْ سَلَمٍ سَلَّمَ فِيهِ ، أَوْ مِنْ قَرْضٍ ، أَوْ مِنْ صُلْحٍ ، أَوْ إجَارَةٍ ، أَوْ صَدَاقٍ ، أَوْ مِنْ كِتَابَةٍ ، أَوْ مِنْ ضَمَانٍ ، فَأَحَالَهُ بِهِ عَلَى مَنْ لَهُ عِنْدَهُ حَقٌّ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ ، لَكِنْ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ .
وَلَا نُبَالِي مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَانَ الْحَقَّانِ ، أَوْ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَكَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ يُوفِيه حَقَّهُ مِنْ وَقْتِهِ وَلَا يَمْطُلُهُ : فَفَرْضٌ عَلَى الَّذِي أُحِيلَ أَنْ يَسْتَحِيلَ عَلَيْهِ ، وَيُجْبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَيَبْرَأَ الْمُحِيلُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ .
وَلَا رُجُوعَ لِلَّذِي أُحِيلَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ - انْتَصَفَ ، أَوْ لَمْ يَنْتَصِفْ - أَعْسَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ إثْرَ الْإِحَالَةِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يُعْسَرْ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ ، فَإِنْ غَرَّهُ وَأَحَالَهُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ - وَالْمُحِيلُ يَدْرِي أَنَّهُ غَيْرُ مَلِيءٍ أَوْ لَا يَدْرِي - : فَهُوَ عَمَلٌ فَاسِدٌ ، وَحَقُّهُ بَاقٍ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا كَانَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلْهُ عَلَى مَلِيءٍ ، وَلَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إلَّا عَلَى مَلِيءٍ بِنَصِّ الْخَبَرِ . 393 وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَرْجِعُ الْمُحِيلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - وَهَذَا خَطَأٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَمَالِكٌ كَقَوْلِنَا ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْحَقَّيْنِ مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ ، نُظِرَ : فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ ، وَكَانَ حَقُّ الْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِ بَيْعٍ : جَازَتْ الْحَوَالَةُ .
فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَلَى الْمُحِيلِ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِوَجْهِ التَّوْكِيلِ فَيُوَكِّلُهُ عَلَى قَبْضِ حَقِّهِ قَبْلَهُ ، فَإِنْ قَبَضَهُ لِلْمُوَكَّلِ لَهُ ، فَحِينَ مَصِيرِهِ بِيَدِهِ صَارَ قَابِضًا ذَلِكَ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ ، وَبَرِئَ الْمُحِيلُ .
وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَبْضِهِ لِمَانِعِ مَا ، أَيُّ مَانِعٍ كَانَ ؟ رَجَعَ الْمُحِيلُ بِحَقِّهِ ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا ابْتَعْت حَتَّى تَقْبِضَهُ .
وَأَمَّا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الْحَقَّ فَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَقْضِيَهُ لِنَفْسِهِ إذَا صَارَ بِيَدِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ اعْتَدَى إذْ ضَيَّعَ مَالَ مُوَكِّلٍ ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ بِالتَّضْيِيعِ ، [ فَصَارَ ضَمَانُهُ بِالتَّضْيِيعِ ] فَصَارَ مِثْلُهُ عَلَيْهِ لِمُوَكَّلِهِ فِي ذِمَّتِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جَحَدَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَلَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ : رَجَعَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَى الْمُحِيلِ بِحَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ وَلَا مَالَ لَهُ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ : وَكَذَلِكَ إذَا أَفْلَسَ - الْقَاضِي الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ مِنْ السِّجْنِ أَيْضًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ مَعَنَا عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ إذَا صَحَّ أَمْرُهَا فَقَدْ سَقَطَ الْحَقُّ عَنْ الْمُحِيلِ ، وَإِذْ قَدْ أَقَرُّوا بِسُقُوطِهِ فَمِنْ الْبَاطِلِ رُجُوعُ حَقٍّ قَدْ سَقَطَ بِغَيْرِ نَصٍّ يُوجِبُ رُجُوعَهُ ، وَلَا إجْمَاعَ يُوجِبُ رُجُوعَهُ - فَإِنْ قَالُوا : قَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَوْ قَالَ فِي الْحَوَالَات : لَيْسَ عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ تَوًّا .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْهُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِي أُحِيلَ : لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ إلَّا أَنْ يُفْلِسَ ، أَوْ يَمُوتَ . وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، كُلُّهُمْ يَقُولُ : إنْ لَمْ يُنْصِفْهُ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ .
وَعَنْ الْحَكَمِ : لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَنْتَصِفَ ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْمُحِيلِ ؟ 394 قُلْنَا : لَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : أَنَّهُ كَانَ لِأَبِيهِ الْمُسَيِّبِ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ ، وَلِرَجُلِ آخَر عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِلْمُسَيِّبِ : أَنَا أُحِيلُك عَلَى عَلِيٍّ وَأَحِلْنِي أَنْتَ عَلَى فُلَانٍ ، فَفَعَلَا فَانْتَصَفَ الْمُسَيِّبُ مِنْ عَلِيٍّ وَتَلِفَ مَالُ الَّذِي أَحَالَهُ الْمُسَيِّبُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ الْمُسَيِّبُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَبْعَدَهُ اللَّهُ - فَهَذَا خِلَافُ الرِّوَايَةِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَهَذِهِ مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا .
وَإِذَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فَلَيْسَ بَعْضُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ بِأَوْلَى مِنْ بَعْضٍ بِاتِّفَاقِكُمْ مَعَنَا فِي ذَلِكَ وَلَسْنَا نَرَى إحَالَةَ مَنْ لَا حَقَّ لِلْمُحَالِ عِنْدَهُ ، لِأَنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ : وَإِنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَنَا مِثْلُ فِعْلِ عَلِيٌّ ، وَالْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى الضَّمَانِ ، فَإِنَّهُ إذَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرِيمَيْنِ مَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ ذَلِكَ ، وَلَزِمَ ، وَتَحَوَّلَ الْحَقُّ الَّذِي عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَمَالِكٌ : لَا يُجْبَرُ الْمُحَالُ عَلَى قَبُولِ الْحَوَالَةِ - وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا : لَوْ وَجَبَ إجْبَارُهُ لَوَجَبَ أَيْضًا إذَا أَحَالَهُ الْمُحَالُ عَلَيْهِ عَلَى آخَر أَنْ يُجْبَرَ عَلَى اتِّبَاعِهِ ، ثُمَّ إذَا أَحَالَهُ ذَلِكَ عَلَى آخَر أَنْ يُجْبَرَ أَيْضًا عَلَى اتِّبَاعِهِ ، وَهَذَا أَبَدًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذِهِ مُعَارَضَةٌ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي هَذَا مَا فِيهِ ، فَكَيْفَ وَاَلَّذِي اعْتَرَضُوا بِهِ فَاسِدٌ ؟ لِأَنَّهُ مَطْلٌ مِنْ غَنِيٍّ ، أَوْ حَوَالَةٌ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ ، وَمَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَالْحَوَالَةُ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يَقْبَلَهَا ، وَإِنَّمَا الْحَوَالَةُ عَلَى مَنْ يُعَجِّلُ الْإِنْصَافَ بِفِعْلِهِ لَا بِقَوْلِهِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ حَوَالَةً بِنَصِّ الْحَدِيثِ
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب الحوالة