القسامة
الحكم في الساحر إذا قتل بسحرهالخلاف في قتال أهل البغيدعوى الدم في الموضع الذي فيه قسامةالشهادة على الجنايةكيف يمين مدعي الدم والمدعى عليهما يسقط القسامة من الاختلاف أو لا يسقطهاما ينبغي للحاكم أن يعلمه من الذي له القسامة وكيف يقسممن يجب قتاله من أهل البغي والسيرة فيهمعدد الأيمانلا يرث القاتللا يرث القاتل من كتاب اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة
الحنفية
المبسوط
اقرأ →
باب القسامة
فتح القدير
اقرأ →
372 ( بَابُ الْقَسَامَةِ ) .
قَالَ ( وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةٍ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ . 373 يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اسْتَحْلَفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَقْضِي لَهُمْ بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً . وَقَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَوْتُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ظَاهِرٍ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ ، 374 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَمَذْهَبُهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ الْيَمِينَ بَلْ يَرُدُّهَا عَلَى الْوَلِيِّ ، فَإِنْ حَلَفُوا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبَدَاءِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَوْلِيَاءِ { فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ } وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ ، فَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَلِيِّ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ وَرَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي أَصْلٌ لَهُ كَمَا فِي النُّكُولِ ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فِيهَا نَوْعُ شُبْهَةٍ وَالْقِصَاصُ لَا يُجَامِعُهَا وَالْمَالُ يَجِبُ مَعَهَا فَلِهَذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ . وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } وَفِي رِوَايَةٍ { عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَدَأَ بِالْيَهُودِ بِالْقَسَامَةِ وَجَعَلَ 375 الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ } وَلِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ وَحَاجَةُ الْوَلِيِّ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمَالَ الْمُبْتَذَلَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ النَّفْسَ الْمُحْتَرَمَةَ . وَقَوْلُهُ يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ إشَارَةً إلَى أَنَّ خِيَارَ تَعْيِينِ الْخَمْسِينَ إلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْ يَتَّهِمُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ يَخْتَارُ صَالِحِي أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِمَا أَنَّ تَحَرُّزَهُمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَبْلَغُ التَّحَرُّزِ فَيَظْهَرُ الْقَاتِلُ ، وَفَائِدَةُ الْيَمِينِ النُّكُولُ ، فَإِنْ كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ وَيَعْلَمُونَ يُفِيدُ يَمِينَ الصَّالِحِ عَلَى الْعِلْمِ بِأَبْلَغَ مِمَّا يُفِيدُ يَمِينُ الطَّالِحِ ، وَلَوْ اخْتَارُوا أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ جَازَ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ .
قَالَ ( وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةٍ وَلَا يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ اُسْتُحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ . 373 يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ بِاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ اسْتَحْلَفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَقْضِي لَهُمْ بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمْدًا كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ خَطَأً . وَقَالَ مَالِكٌ : يَقْضِي بِالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ، وَالْمَوْتُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عَلَامَةُ الْقَتْلِ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ ظَاهِرٍ يَشْهَدُ لِلْمُدَّعِي مِنْ عَدَاوَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَدْلٍ أَوْ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ أَنَّ أَهْلَ الْمَحَلَّةِ قَتَلُوهُ ، 374 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لَهُ فَمَذْهَبُهُ مِثْلُ مَذْهَبِنَا ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ الْيَمِينَ بَلْ يَرُدُّهَا عَلَى الْوَلِيِّ ، فَإِنْ حَلَفُوا لَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْبَدَاءِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْأَوْلِيَاءِ { فَيُقْسِمُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ } وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ ، فَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِلْوَلِيِّ يَبْدَأُ بِيَمِينِهِ وَرَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي أَصْلٌ لَهُ كَمَا فِي النُّكُولِ ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فِيهَا نَوْعُ شُبْهَةٍ وَالْقِصَاصُ لَا يُجَامِعُهَا وَالْمَالُ يَجِبُ مَعَهَا فَلِهَذَا وَجَبَتْ الدِّيَةُ . وَلَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ } وَفِي رِوَايَةٍ { عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ { أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَدَأَ بِالْيَهُودِ بِالْقَسَامَةِ وَجَعَلَ 375 الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ لِوُجُودِ الْقَتِيلِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ } وَلِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ لِلدَّفْعِ دُونَ الِاسْتِحْقَاقِ وَحَاجَةُ الْوَلِيِّ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ الْمَالَ الْمُبْتَذَلَ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ بِهِ النَّفْسَ الْمُحْتَرَمَةَ . وَقَوْلُهُ يَتَخَيَّرُهُمْ الْوَلِيُّ إشَارَةً إلَى أَنَّ خِيَارَ تَعْيِينِ الْخَمْسِينَ إلَى الْوَلِيِّ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقُّهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْتَارُ مِنْ يَتَّهِمُهُ بِالْقَتْلِ أَوْ يَخْتَارُ صَالِحِي أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لِمَا أَنَّ تَحَرُّزَهُمْ عَنْ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ أَبْلَغُ التَّحَرُّزِ فَيَظْهَرُ الْقَاتِلُ ، وَفَائِدَةُ الْيَمِينِ النُّكُولُ ، فَإِنْ كَانُوا لَا يُبَاشِرُونَ وَيَعْلَمُونَ يُفِيدُ يَمِينَ الصَّالِحِ عَلَى الْعِلْمِ بِأَبْلَغَ مِمَّا يُفِيدُ يَمِينُ الطَّالِحِ ، وَلَوْ اخْتَارُوا أَعْمَى أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ جَازَ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
باب القسامة
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
باب القسامة
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
540 بَابُ الْقَسَامَةِ
الْقَتِيلُ : كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحَفَّةٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَخْتَارُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ، ثُمَّ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرَّأْسِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ لِتَتِمَّ خَمْسِينَ ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ ، وَلَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ ، وَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ( سم ) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا إِنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّائِقِ وَكَذَا الْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ ( س ) إِنْ كَانُوا حُضُورًا ، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا إِذَا كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ ، وَلَوْ وُجِدَ فِي السَفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَّابِ ، وَفِي مَسْجِدِ مَحِلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا ، وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا قَسَامَةَ ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ فَهُوَ هَدَرٌ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا بِالشَّاطِئِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْهُ إِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ .
الْقَتِيلُ : كُلُّ مَيِّتٍ بِهِ أَثَرٌ ، فَإِذَا وُجِدَ فِي مَحَفَّةٍ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ وَادَّعَى وَلِيُّهُ الْقَتْلَ عَلَى أَهْلِهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ يَخْتَارُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ رَجُلًا يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلَا عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا ، ثُمَّ يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى أَهْلِ الْمَحِلَّةِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ وُجِدَ بَدَنُهُ أَوْ أَكْثَرُهُ أَوْ نِصْفُهُ مَعَ الرَّأْسِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ خَمْسُونَ كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ لِتَتِمَّ خَمْسِينَ ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ ، وَلَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ بِيَمِينِ الْوَلِيِّ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَةِ صَبِيٌّ وَلَا مَجْنُونٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا امْرَأَةٌ ، وَإِنِ ادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى غَيْرِهِمْ سَقَطَتْ عَنْهُمُ الْقَسَامَةُ ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ ( سم ) عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ وُجِدَ عَلَى دَابَّةٍ يَسُوقُهَا إِنْسَانٌ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ السَّائِقِ وَكَذَا الْقَائِدُ وَالرَّاكِبُ ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِ إِنْسَانٍ فَالْقَسَامَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ ( س ) إِنْ كَانُوا حُضُورًا ، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا كُرِّرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ، وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَعَلَى أَقْرَبِهِمَا إِذَا كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ ، وَلَوْ وُجِدَ فِي السَفِينَةِ فَالْقَسَامَةُ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَالرُّكَّابِ ، وَفِي مَسْجِدِ مَحِلَّةٍ عَلَى أَهْلِهَا ، وَفِي الْجَامِعِ وَالشَّارِعِ الْأَعْظَمِ الدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا قَسَامَةَ ، وَإِنْ وُجِدَ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ فِي وَسَطِ الْفُرَاتِ فَهُوَ هَدَرٌ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَبَسًا بِالشَّاطِئِ فَعَلَى أَقْرَبِ الْقُرَى مِنْهُ إِنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ .
الشافعية
الأم
اقرأ →
كتاب القسامة
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
3 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الْقَسَامَةِ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءَ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا ، فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي قَفِيرٍ أَوْ عَيْنٍ ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ : أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ . قَالُوا : مَا قَتَلْنَاهُ . فَقَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْمَقْتُولِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ مُحَيِّصَةُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ . فَكَتَبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ . فَكَتَبُوا : إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ . فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ فَتَحْلِفُ يَهُودُ . قَالُوا : لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ . فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ . قَالَ سَهْلٌ : لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ لِلْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ : تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ . وَأَنْتَ لَا تَحْلِفُ إِلَّا الْأَوْلِيَاءَ ، قِيلَ : يَكُونُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ لِأَخِي الْمَقْتُولِ الْوَارِثِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : تَحْلِفُونَ لِوَاحِدٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُكْمُ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يَدْفَعُ بِهَا الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ يَأْخُذُ بِهَا مَعَ شَاهِدِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِحَالِفِ يَمِينٍ يَأْخُذُ بِهَا غَيْرَهُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْقَسَامَةُ : فَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَسَمِ وَهُوَ الْيَمِينُ . سُمِّيَتْ قَسَامَةً لِتَكْرَارِ الْأَيْمَانِ فِيهَا ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ أَوْ لِلْحَالِفِينَ بِهَا ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ : لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِنْ أَقْسَمَ يُقْسِمُ قَسَامَةً .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ اسْمٌ لِلْحَالِفِينَ بِهَا : لِتَعَلُّقِهَا بِهِمْ وَتَعَدِّيهَا إِلَيْهِمْ . وَالْقَسَامَةُ مُخْتَصَّةٌ بِدَعْوَى الدَّمِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ 4 قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ . فَإِنْ ( تَجَرَّدَتْ ) دَعْوَى الدَّمِ عَنْ لَوْثٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي ، وَإِنِ اقْتَرَنَ بِالدَّعْوَى لَوْثٌ - وَاللَّوْثُ : أَنْ يَقْتَرِنَ بِالدَّعْوَى مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي ، عَلَى مَا سَنَصِفُهُ - فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعِي إِذَا كَانَتْ فِي نَفْسٍ ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيُحْكَمُ لَهُ بَعْدَ أَيْمَانِهِ بِمَا ادَّعَى مِنَ الْقَتْلِ ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُبَرَّأُ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِبَارَ بِاللَّوْثِ ، وَلَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ أُحْلِفَ مِنْ خِيَارِهَا خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِذَا حَلَفُوا وَجَبَتِ الدِّيَةُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ مَوْجُودًا غَرِمَ الدِّيَةَ بَانِي الْقَرْيَةِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ ، وَإِنْ كَانَ قَتِيلُهُمْ مَفْقُودًا يَغْرَمُهَا سُكَّانُ الْقَرْيَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَغْرَمُهَا سُكَّانُ الْقَرْيَةِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ ، وَهَكَذَا لَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ جَامِعٍ حَلَفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهِ ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ عَلَى بَاقِي الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ الْقَتِيلُ مَوْجُودًا ، وَعَلَى الْمُصَلِّينَ فِيهِ إِنْ كَانَ مَفْقُودًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَكُونُ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْأَيْمَانِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى إِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْمُدَّعِي بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ أُعْطِي النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَهَذَا نَصٌّ . وَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي قُتِلَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ . فَقَالَ : يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا . قَالَ : مَا لِي مِنْ أَخِي غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكَ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ . وَهَذَا نَصٌّ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَظِيِّ ، أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ ، فَأَتَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ . فَكَتَبَ إِلَى الْيَهُودِ أَنِ احْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا ، ثُمَّ اعْقِلُوهُ ، فَإِنَّهُ وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَأَلْزَمَهُمُ الْيَمِينَ وَالدِّيَةَ مَعًا .
وَرُوِيَ أَنْ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ حَيَّيْنِ ، فَاعْتَبَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 5 بِأَقْرَبِ الْحَيَّيْنِ وَأَحْلَفَهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ . فَقَالُوا : مَا وَقَتْ أَمْوَالَنَا أَيْمَانُنَا وَلَا أَيْمَانَنَا أَمْوَالُنَا . فَقَالَ عُمَرُ : حَصَّنْتُمْ بِأَمْوَالِكُمْ دِمَاءَكُمْ . وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُنْتَشِرَةٌ ، لَمْ يَظْهَرْ لِعُمَرَ فِيهَا مُخَالِفٌ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا . وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي قَوْلُهُ ، فَلَمْ يُوجَبِ الْحُكْمُ لَهُ كَالدَّعْوَى ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ ، لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ وُجُوبِ اللَّوْثِ كَالْأَطْرَافِ .
وَدَلِيلُنَا : الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ حِينَ ادَّعَوْا قَتْلَ صَاحِبِهِمْ عَلَى الْيَهُودِ : تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ . قَالُوا : لَا . قَالَ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا . قَالُوا : لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ . فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ عَبَّادٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : خَرَجَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سَهْلٍ إِلَى خَيْبَرَ يَمْتَارُونَ ، فَتَفَرَّقُوا لِحَاجَتِهِمْ ، فَمَرُّوا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ قَتِيلًا ، فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ . فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا قَسَامَةً تَسْتَحِقُّونَ بِهِ قَتِيلَكُمْ . قَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى أَمْرٍ غِبْنَا عَنْهُ . قَالَ : فَيَحْلِفُ الْيَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُبَرَّؤُونَ . فَقَالُوا : نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ . فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَالٍ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحْلِفُونَ ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ . فَبَدَأَ بِهِمْ ، وَجَعَلَ الدَّمَ مُسْتَحَقًّا بِأَيْمَانِهِمْ . وَأَبُو حَنِيفَةَ يَبْدَأُ بِغَيْرِهِمْ ، وَيَجْعَلُ الدَّمَ مُسْتَحَقًّا بِأَيْمَانِ غَيْرِهِمْ .
الثَّانِي : قَوْلُهُ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا . فَنَقَلَ الْأَيْمَانَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَجَعَلَهَا مُبْرِئَةً لَهُمْ . وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنْقُلُ الْأَيْمَانَ وَلَا يُبْرِئُ بِهَا مِنَ الدَّمِ . فَاعْتَرَضُوا عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ كَانَ طِفْلًا لَا يَضْبِطُ مَا يَرْوِيهِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَابِطًا لِحَالِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِسَهْلٍ حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِي سِنِينَ ، وَقَدْ عَمِلَ التَّابِعُونَ بِمَا رَوَاهُ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي : أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهَا رِوَايَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا سُفْيَانُ وَشَكَّ فِيهَا ، هَلْ بَدَأَ بِأَيْمَانِ الْأَنْصَارِ أَوِ الْيَهُودِ ؟ وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهِمَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ : أَنَّ بَشِيرَ بْنَ يَسَارٍ رَوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تِلْكَ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : 6 أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ الْمَائِدَةِ : 50 ] ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لَمَا قَالَ : وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ . فَيَصِيرُ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَبِمَا قَالَ بَعْدَهُ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، خَارِجًا عَنِ الْإِنْكَارِ ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلِفَ لِيَخْرُجَ عَنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ : لِأَنَّ قَوْلَهُ : " تَحْلِفُونَ " شَبِيهٌ بِالْأَمْرِ الْمَحْتُومِ ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفَ لِلِاسْتِفْهَامِ لِيَصِيرَ تَفْرِيقًا لِلْحُكْمِ ، وَاسْتِخْبَارًا عَنِ الْحَالِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : . . الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا نَصٌّ : لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ وَاسْتَثْنَى مِنْهَا الْقَسَامَةَ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى دُونِ الْمُنْكِرِ . فَاعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ : " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " يُرِيدُ بِهِ اخْتِصَاصَهَا بِالْمُنْكِرِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَوْلُهُ : " إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ " يُرِيدُ بِهِ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُنْكِرِ وَعَلَى غَيْرِهِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ : لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ ، وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ، فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ : وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِثْبَاتًا لِيَمِينِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ نَفْيًا لِيَمِينِهِ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ " إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ " أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا مِنَ الْإِثْبَاتِ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ : لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ مِنَ الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ ، دُونَ الْبَرَاءَةِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ الْمَذْكُورِ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ .
وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ : أَنَّ أَيْمَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِمُوجِبِهَا : لِأَنَّهُمْ لَا يَرْمُونَ عِنْدَ الْمُسْتَحْلِفِ إِذَا حَلَفُوا ، وَالْيَمِينُ تَسْتَحِقُّ إِمَّا فِيمَا يَأْخُذُ بِهَا الْحَالِفُ لِنَفْسِهِ مَا ادَّعَى ، وَإِمَّا لِيَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَا أَنْكَرَ . فَنَقُولُ : كُلُّ يَمِينٍ لَا يُحْكَمُ لِلْحَالِفِ بِمُوجِبِهَا ، لَمْ يَجُزِ الِاسْتِحْلَافُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي فِي غَيْرِ الدِّمَاءِ ، وَعَلَى يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِالْحَقِّ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُنْتَقَضٌ بِأَيْمَانِ الْمُتَبَايِعِينَ إِذَا تَحَالَفَا فِي الثَّمَنِ يَسْتَحْلِفَانِ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِمُوجِبِهَا ، قِيلَ : قَدْ يُحْكَمُ بِمُوجِبِهَا إِذَا حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، وَلَا يُحْكَمُ بِمُوجِبِهَا إِذَا حَلَفَا لِتَعَارُضِهِمَا ، كَمَا يُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ إِذَا انْفَرَدَتْ ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا إِذَا تَعَارَضَتْ . فَإِنْ قِيلَ : فَأَنْتُمْ لَا تَحْكُمُونَ بِمُوجِبِ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ : لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْقَوَدُ ، وَأَنْتُمْ لَا تُوجِبُونَهُ . قِيلَ : مُوجِبُهَا ثُبُوتُ الْقَتْلِ ، وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ ، وَلَنَا فِي الْقَوَدِ قَوْلٌ نَذْكُرُهُ . وَمِنَ الدَّلِيلِ أَنَّهَا أَيْمَانٌ تَكَرَّرَتْ فِي الدَّعْوَى شَرْعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يُبْدَأَ فِيهَا بِالْمُدَّعِي كَاللِّعَانِ . فَإِنْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ يَمِينًا ، دَلَّلْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ . 7 فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " . مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ : " إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ " .
وَالثَّانِي : أَنَّ حَدِيثَ الْقَسَامَةِ أَخَصُّ مِنْهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَجْهُولُ الْإِسْنَادِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ .
وَالثَّانِي : حَمْلُهُ عَلَى الدَّعْوَى إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِلَوْثٍ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْقُرَظِيِّ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : ضَعْفُ إِسْنَادِهِ وَصِحَّةُ إِسْنَادِنَا ، وَانْفِرَادُهُ وَكَثْرَةُ رُوَاتِنَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ أَخْبَارَنَا أَزْيَدُ نَقْلًا وَأَشْرَحُ حَالًا ، وَالزِّيَادَةُ أَوْلَى مِنَ النُّقْصَانِ ، وَالشَّرْحُ أَصَحُّ مِنَ الْإِجْمَالِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَضِيَّةِ عُمَرَ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهَا ، فَقَتَلَ فِي الْقَسَامَةِ ، وَلَمْ يَقْتُلْ فِيهَا عُمَرُ ، فَتَنَافَتْ قَضَايَاهُمَا ، فَسَقَطَ الْإِجْمَاعُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى قَتْلَ الْعَمْدِ لِيَسْتَحِقَّ الْقَوَدَ ، فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِقَتْلِ الْخَطَأِ ، فَأَحْلَفَهُمْ عَلَى الْعَمْدِ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ دِيَةَ الْخَطَأِ بِالِاعْتِرَافِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى : فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ يَمِينُ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ يَمِينُ الْمُنْكِرِ بِإِنْكَارِهِ ، لِلْفَرْقِ فِيمَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَمُجَرَّدِ الْقَوْلِ . أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى سَائِرِ الدَّعَاوَى : فَهُوَ إِجْمَاعُنَا عَلَى اخْتِصَاصِ الْقَسَامَةِ بِالدِّمَاءِ دُونَ سَائِرِ الدَّعَاوَى .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَطْرَافِ : فَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَدْخُلُهَا وَإِنْ دَخَلَتْ فِي النَّفْسِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا : لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ ؛ وَلِذَلِكَ تَغَلْغَلَتْ بِالنَّفْسِ دُونَ الْأَطْرَافِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
كِتَابُ الْقَسَامَةِ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءَ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا ، فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي قَفِيرٍ أَوْ عَيْنٍ ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ : أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ . قَالُوا : مَا قَتَلْنَاهُ . فَقَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْمَقْتُولِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ مُحَيِّصَةُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ . فَكَتَبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ . فَكَتَبُوا : إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ . فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ فَتَحْلِفُ يَهُودُ . قَالُوا : لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ . فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ . قَالَ سَهْلٌ : لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ لِلْوَلِيِّ وَغَيْرِهِ : تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ . وَأَنْتَ لَا تَحْلِفُ إِلَّا الْأَوْلِيَاءَ ، قِيلَ : يَكُونُ قَدْ قَالَ ذَلِكَ لِأَخِي الْمَقْتُولِ الْوَارِثِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : تَحْلِفُونَ لِوَاحِدٍ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحُكْمُ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا يَدْفَعُ بِهَا الْمَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ ، أَوْ يَأْخُذُ بِهَا مَعَ شَاهِدِهِ ، وَلَا يَجُوزُ لِحَالِفِ يَمِينٍ يَأْخُذُ بِهَا غَيْرَهُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا الْقَسَامَةُ : فَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَسَمِ وَهُوَ الْيَمِينُ . سُمِّيَتْ قَسَامَةً لِتَكْرَارِ الْأَيْمَانِ فِيهَا ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ أَوْ لِلْحَالِفِينَ بِهَا ؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ : لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِنْ أَقْسَمَ يُقْسِمُ قَسَامَةً .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ اسْمٌ لِلْحَالِفِينَ بِهَا : لِتَعَلُّقِهَا بِهِمْ وَتَعَدِّيهَا إِلَيْهِمْ . وَالْقَسَامَةُ مُخْتَصَّةٌ بِدَعْوَى الدَّمِ دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ سَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ 4 قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ . فَإِنْ ( تَجَرَّدَتْ ) دَعْوَى الدَّمِ عَنْ لَوْثٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي ، وَإِنِ اقْتَرَنَ بِالدَّعْوَى لَوْثٌ - وَاللَّوْثُ : أَنْ يَقْتَرِنَ بِالدَّعْوَى مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْمُدَّعِي ، عَلَى مَا سَنَصِفُهُ - فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعِي إِذَا كَانَتْ فِي نَفْسٍ ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَيُحْكَمُ لَهُ بَعْدَ أَيْمَانِهِ بِمَا ادَّعَى مِنَ الْقَتْلِ ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي رُدَّتِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيُبَرَّأُ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا اعْتِبَارَ بِاللَّوْثِ ، وَلَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ أُحْلِفَ مِنْ خِيَارِهَا خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا ، فَإِذَا حَلَفُوا وَجَبَتِ الدِّيَةُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : فَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ مَوْجُودًا غَرِمَ الدِّيَةَ بَانِي الْقَرْيَةِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ ، وَإِنْ كَانَ قَتِيلُهُمْ مَفْقُودًا يَغْرَمُهَا سُكَّانُ الْقَرْيَةِ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَغْرَمُهَا سُكَّانُ الْقَرْيَةِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ ، وَهَكَذَا لَوْ وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ جَامِعٍ حَلَفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ أَهْلِهِ ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ عَلَى بَاقِي الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ الْقَتِيلُ مَوْجُودًا ، وَعَلَى الْمُصَلِّينَ فِيهِ إِنْ كَانَ مَفْقُودًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَكُونُ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَفْقُودِ ، فَإِنْ نَكَلُوا عَنِ الْأَيْمَانِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى إِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ الْمُدَّعِي بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَوْ أُعْطِي النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ وَهَذَا نَصٌّ . وَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أَخِي قُتِلَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ . فَقَالَ : يَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا . قَالَ : مَا لِي مِنْ أَخِي غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكَ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ . وَهَذَا نَصٌّ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَظِيِّ ، أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ ، فَأَتَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ . فَكَتَبَ إِلَى الْيَهُودِ أَنِ احْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا ، ثُمَّ اعْقِلُوهُ ، فَإِنَّهُ وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَأَلْزَمَهُمُ الْيَمِينَ وَالدِّيَةَ مَعًا .
وَرُوِيَ أَنْ رَجُلًا وُجِدَ قَتِيلًا بَيْنَ حَيَّيْنِ ، فَاعْتَبَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 5 بِأَقْرَبِ الْحَيَّيْنِ وَأَحْلَفَهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا ، وَقَضَى عَلَيْهِمْ بِالدِّيَةِ . فَقَالُوا : مَا وَقَتْ أَمْوَالَنَا أَيْمَانُنَا وَلَا أَيْمَانَنَا أَمْوَالُنَا . فَقَالَ عُمَرُ : حَصَّنْتُمْ بِأَمْوَالِكُمْ دِمَاءَكُمْ . وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مُنْتَشِرَةٌ ، لَمْ يَظْهَرْ لِعُمَرَ فِيهَا مُخَالِفٌ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا . وَمِنَ الْقِيَاسِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعِي قَوْلُهُ ، فَلَمْ يُوجَبِ الْحُكْمُ لَهُ كَالدَّعْوَى ، وَلِأَنَّهَا دَعْوَى فَلَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي كَسَائِرِ الدَّعَاوَى ، وَلِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ ، لَمْ يُحْكَمْ فِيهَا بِيَمِينِ الْمُدَّعِي مَعَ وُجُوبِ اللَّوْثِ كَالْأَطْرَافِ .
وَدَلِيلُنَا : الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ حِينَ ادَّعَوْا قَتْلَ صَاحِبِهِمْ عَلَى الْيَهُودِ : تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ . قَالُوا : لَا . قَالَ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا . قَالُوا : لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ . فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ عَبَّادٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : خَرَجَ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سَهْلٍ إِلَى خَيْبَرَ يَمْتَارُونَ ، فَتَفَرَّقُوا لِحَاجَتِهِمْ ، فَمَرُّوا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ قَتِيلًا ، فَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ . فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا قَسَامَةً تَسْتَحِقُّونَ بِهِ قَتِيلَكُمْ . قَالُوا : نَحْلِفُ عَلَى أَمْرٍ غِبْنَا عَنْهُ . قَالَ : فَيَحْلِفُ الْيَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُبَرَّؤُونَ . فَقَالُوا : نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ . فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَالٍ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَحْلِفُونَ ، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ . فَبَدَأَ بِهِمْ ، وَجَعَلَ الدَّمَ مُسْتَحَقًّا بِأَيْمَانِهِمْ . وَأَبُو حَنِيفَةَ يَبْدَأُ بِغَيْرِهِمْ ، وَيَجْعَلُ الدَّمَ مُسْتَحَقًّا بِأَيْمَانِ غَيْرِهِمْ .
الثَّانِي : قَوْلُهُ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا . فَنَقَلَ الْأَيْمَانَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَجَعَلَهَا مُبْرِئَةً لَهُمْ . وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنْقُلُ الْأَيْمَانَ وَلَا يُبْرِئُ بِهَا مِنَ الدَّمِ . فَاعْتَرَضُوا عَلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ كَانَ طِفْلًا لَا يَضْبِطُ مَا يَرْوِيهِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهُ قَدْ كَانَ ضَابِطًا لِحَالِهِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ كَانَ لِسَهْلٍ حِينَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِي سِنِينَ ، وَقَدْ عَمِلَ التَّابِعُونَ بِمَا رَوَاهُ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي : أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهَا رِوَايَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا سُفْيَانُ وَشَكَّ فِيهَا ، هَلْ بَدَأَ بِأَيْمَانِ الْأَنْصَارِ أَوِ الْيَهُودِ ؟ وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهِمَ سُفْيَانُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّالِثُ : أَنَّ بَشِيرَ بْنَ يَسَارٍ رَوَى عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَنْصَارِ : أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ ؟
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : تِلْكَ لَهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : 6 أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ الْمَائِدَةِ : 50 ] ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لَمَا قَالَ : وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ . فَيَصِيرُ بِالِاسْتِحْقَاقِ ، وَبِمَا قَالَ بَعْدَهُ : فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، خَارِجًا عَنِ الْإِنْكَارِ ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلِفَ لِيَخْرُجَ عَنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ : لِأَنَّ قَوْلَهُ : " تَحْلِفُونَ " شَبِيهٌ بِالْأَمْرِ الْمَحْتُومِ ، فَأَدْخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفَ لِلِاسْتِفْهَامِ لِيَصِيرَ تَفْرِيقًا لِلْحُكْمِ ، وَاسْتِخْبَارًا عَنِ الْحَالِ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : . . الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ، إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا نَصٌّ : لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ وَاسْتَثْنَى مِنْهَا الْقَسَامَةَ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا عَلَى دُونِ الْمُنْكِرِ . فَاعْتَرَضُوا عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ : " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " يُرِيدُ بِهِ اخْتِصَاصَهَا بِالْمُنْكِرِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَقَوْلُهُ : " إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ " يُرِيدُ بِهِ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُنْكِرِ وَعَلَى غَيْرِهِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَا يَصِحُّ : لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ ، وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ، فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ : وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إِثْبَاتًا لِيَمِينِهِ ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ نَفْيًا لِيَمِينِهِ .
وَالِاعْتِرَاضُ الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ " إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ " أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِيَمِينِهِ ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا مِنَ الْإِثْبَاتِ .
وَالْجَوَابُ عَنْهُ : أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ : لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ مِنَ الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ ، دُونَ الْبَرَاءَةِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ عَنِ الْمَذْكُورِ إِلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ .
وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ : أَنَّ أَيْمَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لَا يُحْكَمُ لَهُمْ بِمُوجِبِهَا : لِأَنَّهُمْ لَا يَرْمُونَ عِنْدَ الْمُسْتَحْلِفِ إِذَا حَلَفُوا ، وَالْيَمِينُ تَسْتَحِقُّ إِمَّا فِيمَا يَأْخُذُ بِهَا الْحَالِفُ لِنَفْسِهِ مَا ادَّعَى ، وَإِمَّا لِيَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ مَا أَنْكَرَ . فَنَقُولُ : كُلُّ يَمِينٍ لَا يُحْكَمُ لِلْحَالِفِ بِمُوجِبِهَا ، لَمْ يَجُزِ الِاسْتِحْلَافُ بِهَا قِيَاسًا عَلَى يَمِينِ الْمُدَّعِي فِي غَيْرِ الدِّمَاءِ ، وَعَلَى يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِالْحَقِّ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُنْتَقَضٌ بِأَيْمَانِ الْمُتَبَايِعِينَ إِذَا تَحَالَفَا فِي الثَّمَنِ يَسْتَحْلِفَانِ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِمُوجِبِهَا ، قِيلَ : قَدْ يُحْكَمُ بِمُوجِبِهَا إِذَا حَلَفَ أَحَدُهُمَا ، وَلَا يُحْكَمُ بِمُوجِبِهَا إِذَا حَلَفَا لِتَعَارُضِهِمَا ، كَمَا يُحْكَمُ بِالْبَيِّنَةِ إِذَا انْفَرَدَتْ ، وَلَا يُحْكَمُ بِهَا إِذَا تَعَارَضَتْ . فَإِنْ قِيلَ : فَأَنْتُمْ لَا تَحْكُمُونَ بِمُوجِبِ الْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ : لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْقَوَدُ ، وَأَنْتُمْ لَا تُوجِبُونَهُ . قِيلَ : مُوجِبُهَا ثُبُوتُ الْقَتْلِ ، وَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ ، وَلَنَا فِي الْقَوَدِ قَوْلٌ نَذْكُرُهُ . وَمِنَ الدَّلِيلِ أَنَّهَا أَيْمَانٌ تَكَرَّرَتْ فِي الدَّعْوَى شَرْعًا ، فَوَجَبَ أَنْ يُبْدَأَ فِيهَا بِالْمُدَّعِي كَاللِّعَانِ . فَإِنْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللِّعَانُ يَمِينًا ، دَلَّلْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ . 7 فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " . مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ : " إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ " .
وَالثَّانِي : أَنَّ حَدِيثَ الْقَسَامَةِ أَخَصُّ مِنْهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَجْهُولُ الْإِسْنَادِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ .
وَالثَّانِي : حَمْلُهُ عَلَى الدَّعْوَى إِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِلَوْثٍ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْقُرَظِيِّ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : ضَعْفُ إِسْنَادِهِ وَصِحَّةُ إِسْنَادِنَا ، وَانْفِرَادُهُ وَكَثْرَةُ رُوَاتِنَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ أَخْبَارَنَا أَزْيَدُ نَقْلًا وَأَشْرَحُ حَالًا ، وَالزِّيَادَةُ أَوْلَى مِنَ النُّقْصَانِ ، وَالشَّرْحُ أَصَحُّ مِنَ الْإِجْمَالِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَضِيَّةِ عُمَرَ ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَقَدْ خَالَفَهُ فِيهَا ، فَقَتَلَ فِي الْقَسَامَةِ ، وَلَمْ يَقْتُلْ فِيهَا عُمَرُ ، فَتَنَافَتْ قَضَايَاهُمَا ، فَسَقَطَ الْإِجْمَاعُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ ادَّعَى قَتْلَ الْعَمْدِ لِيَسْتَحِقَّ الْقَوَدَ ، فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِقَتْلِ الْخَطَأِ ، فَأَحْلَفَهُمْ عَلَى الْعَمْدِ ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ دِيَةَ الْخَطَأِ بِالِاعْتِرَافِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى : فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ يَمِينُ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ يَمِينُ الْمُنْكِرِ بِإِنْكَارِهِ ، لِلْفَرْقِ فِيمَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَمُجَرَّدِ الْقَوْلِ . أَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى سَائِرِ الدَّعَاوَى : فَهُوَ إِجْمَاعُنَا عَلَى اخْتِصَاصِ الْقَسَامَةِ بِالدِّمَاءِ دُونَ سَائِرِ الدَّعَاوَى .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَطْرَافِ : فَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَدْخُلُهَا وَإِنْ دَخَلَتْ فِي النَّفْسِ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَنَا : لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ ؛ وَلِذَلِكَ تَغَلْغَلَتْ بِالنَّفْسِ دُونَ الْأَطْرَافِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
382 بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَسَامَةُ : مَصْدَرُ أَقْسَمَ قَسَمًا وَقَسَامَةً . وَمَعْنَاهُ حَلَفَ حَلِفًا . وَالْمُرَادُ بِالْقَسَامَةِ هَاهُنَا الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ . قَالَ الْقَاضِي : هِيَ الْأَيْمَانُ إذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ . قَالَ : وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ ; سُمُّوا بِاسْمِ الْمَصْدَرِ ، كَمَا يُقَالُ : رَجُلٌ زُورٌ وَعَدْلٌ وَرِضًى . وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ ، فَهُوَ مِنْ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ الْحَلِفُ .
وَالْأَصْلُ فِي الْقَسَامَةِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، { أَنَّ مُحَيِّصَةُ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخِيلِ ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبِّرْ . أَوْ قَالَ : لِيَبْدَأ الْأَكْبَرُ . فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ فَقَالُوا : أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ ، كَيْفَ نَحْلِفُ ؟ قَالَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَوْمٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ . قَالَ : فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِهِ . قَالَ سَهْلٌ : فَدَخَلْت مِرْبَدًا لَهُمْ ، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ . } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَالْأَصْلُ فِي الْقَسَامَةِ مَا رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، { أَنَّ مُحَيِّصَةُ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ انْطَلَقَا إلَى خَيْبَرَ ، فَتَفَرَّقَا فِي النَّخِيلِ ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ ، فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ ، فَجَاءَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَمْرِ أَخِيهِ ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَبِّرْ كَبِّرْ . أَوْ قَالَ : لِيَبْدَأ الْأَكْبَرُ . فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمَا . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ فَقَالُوا : أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ ، كَيْفَ نَحْلِفُ ؟ قَالَ : فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَوْمٌ كُفَّارٌ ضُلَّالٌ . قَالَ : فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قِبَلِهِ . قَالَ سَهْلٌ : فَدَخَلْت مِرْبَدًا لَهُمْ ، فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ . } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
( بَابُ الْقَسَامَةِ ) اسْم لِلْقَسَمِ أُقِيم مَقَامُ الْمَصْدَر مِنْ أَقْسَمَ إقْسَامًا وَقَسَامَةً فَهِيَ الْأَيْمَانُ إذَا كَثُرَتْ عَلَى وَجْهِ 67 الْمُبَالَغَةِ ( وَهِيَ ) شَرْعًا ( أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومُ ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِف أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّة الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ ا هـ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَارِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ ( وَلَا تَثْبُتُ ) الْقَسَامَةُ ( إلَّا بِشُرُوطٍ ) أَرْبَعَةٍ بَلْ عَشَرَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي :
( أَحَدُهَا دَعْوَى الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ) لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ لَا يَثْبُتُ لِشَخْصٍ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْ الْحُقُوقِ ( عَلَى وَاحِدٍ ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ } وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَة خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ لِدَلِيلٍ فِي الْوَاحِدِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مَا عَدَاهُ ( مُعَيَّنٍ ) لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ عَلَى الْمُبْهَمِ ( مُكَلَّفٍ ) لِتَصِحَّ الدَّعْوَى ( ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ مُلْتَزِمٍ ) لِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ كَالذِّمِّيِّ لِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ " وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ ( ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُول أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا ) لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فَشُرِعَتْ الْقَسَامَةُ فِيهِ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ ( وَيُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ ) الْمَقْتُولِ ( سَيِّدُهُ ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ وَارِثه ( وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ ) قَبْلَ وُجُودِهَا ( كَالْقِنِّ ) لِيُقْسِمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ .
قُلْتُ وَالْمُبَعَّض يُقْسِم عَلَيْهِ وَارِثُهُ وَسَيِّدُهُ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ ( فَإِنْ قُتِلَ عَبْدًا لِمُكَاتِبٍ فَلِلْمُكَاتِبِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي ) بِشُرُوطِهِ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الْمَقْتُولِ ( وَإِنْ عَجَزَ ) الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ ( قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ ) الْجَانِي ( فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ ) عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ هُوَ وَمَا كَانَ بِيَدِهِ ( وَلَوْ اشْتَرَى ) الْعَبْدُ ( الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَة عَبْدًا أَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ عَبْدًا فَقُتِلَ فَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِهِ ) لِأَنَّهُ الْمَالِكُ ( دُونَهُ ) أَيْ الْمَأْذُونُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَوْ مَلَكَ ( وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ وَالْمَالِ غَيْرَ الْعَبْدِ ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ ثَبَتَتْ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ ( وَالدَّعْوَى فِيهَا كَ ) الدَّعْوَى فِي ( سَائِرِ الْحُقُوقِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً ) لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ .
( وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَتِيلٍ وَلَا عَدَاوَةَ ) فَالْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينًا وَاحِدَةً لِعُمُومِ الْخَبَرِ ( وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ 68 كَغَيْرِهِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا فِي مَالِهِمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ .
( وَ ) الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ كَغَيْرِهِ فِي ( الدَّعْوَى عَلَيْهِ ) بِالْقَتْلِ ( إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ ) لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ( وَلَوْ جُرِحَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ فَلَا قَسَامَةَ ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ .
( وَإِنْ مَاتَ ) الْمَجْرُوحُ ( مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَارِثُهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ فَلِذَلِكَ ) أَيْ لَا قَسَامَةَ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ لِمَا لَهُ إمَّا أَنْ يَزُولَ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا وَحُقُوقُ الْمَالِ لَهَا حُكْمُهُ فَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا مَوْقُوفٌ فَهُوَ قَبْلَ انْكِشَافِ حَالِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ خُصُوصًا قَتْلَ مُسْلِمٍ ( وَإِنْ ارْتَدَّ ) الْوَارِثُ ( قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ كَانَتْ الْقَسَامَةُ لِغَيْرِهِ ) أَيْ غَيْرِ الْمُرْتَدِّ ( مِنْ الْوَارِثِ ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَالْعَدَمِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهِ فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسَامَةِ غَيْرِهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَة قَالَهُ فِي الشَّرْحِ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ ) أَيْ الْمُرْتَدُّ ( فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ ) لِعَدَمِ الْوَارِث الْخَاصِّ ( وَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَقُتِلَ عَبْدُهُ أَوْ ارْتَدَّ ) السَّيِّدُ .
( فَإِنْ عَادَ ) السَّيِّدُ ( إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ الْقَسَامَةُ ) كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدّ ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ بِأَنْ قُتِلَ لِلرِّدَّةِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا ( فَلَا ) قَسَامَةَ لِعَدَمِ الْوَارِثِ الْخَاصِّ .
( أَحَدُهَا دَعْوَى الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ ) لِأَنَّ كُلَّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ لَا يَثْبُتُ لِشَخْصٍ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ لَهُ وَالْقَتْلُ مِنْ الْحُقُوقِ ( عَلَى وَاحِدٍ ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ } وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَة خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ لِدَلِيلٍ فِي الْوَاحِدِ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ وَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مَا عَدَاهُ ( مُعَيَّنٍ ) لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ عَلَى الْمُبْهَمِ ( مُكَلَّفٍ ) لِتَصِحَّ الدَّعْوَى ( ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ مُلْتَزِمٍ ) لِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ كَالذِّمِّيِّ لِعُمُومِ قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ " وَالْأُنْثَى كَالذَّكَرِ ( ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُول أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا ) لِأَنَّهُ قَتْلُ آدَمِيٍّ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فَشُرِعَتْ الْقَسَامَةُ فِيهِ كَالْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلِأَنَّ مَا كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ كَانَ حُجَّةً فِي قَتْلِ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ ( وَيُقْسِمُ عَلَى الْعَبْدِ ) الْمَقْتُولِ ( سَيِّدُهُ ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ وَارِثه ( وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ ) قَبْلَ وُجُودِهَا ( كَالْقِنِّ ) لِيُقْسِمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ .
قُلْتُ وَالْمُبَعَّض يُقْسِم عَلَيْهِ وَارِثُهُ وَسَيِّدُهُ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ ( فَإِنْ قُتِلَ عَبْدًا لِمُكَاتِبٍ فَلِلْمُكَاتِبِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الْجَانِي ) بِشُرُوطِهِ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الْمَقْتُولِ ( وَإِنْ عَجَزَ ) الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ ( قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ ) الْجَانِي ( فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ ) عَلَيْهِ لِعَوْدِهِ إلَيْهِ هُوَ وَمَا كَانَ بِيَدِهِ ( وَلَوْ اشْتَرَى ) الْعَبْدُ ( الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَة عَبْدًا أَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ عَبْدًا فَقُتِلَ فَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِهِ ) لِأَنَّهُ الْمَالِكُ ( دُونَهُ ) أَيْ الْمَأْذُونُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَلَوْ مَلَكَ ( وَلَا قَسَامَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ وَالْمَالِ غَيْرَ الْعَبْدِ ) لِأَنَّ الْقَسَامَةَ ثَبَتَتْ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ ( وَالدَّعْوَى فِيهَا كَ ) الدَّعْوَى فِي ( سَائِرِ الْحُقُوقِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ يَمِينًا وَاحِدَةً ) لِأَنَّهَا دَعْوَى لَا قَسَامَةَ فِيهَا فَلَا تُغَلَّظُ بِالْعَدَدِ .
( وَكَذَا لَوْ ادَّعَى الْقَتْلَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَتِيلٍ وَلَا عَدَاوَةَ ) فَالْبَيِّنَة عَلَيْهِ وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينًا وَاحِدَةً لِعُمُومِ الْخَبَرِ ( وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ 68 كَغَيْرِهِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا فِي مَالِهِمَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ .
( وَ ) الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ كَغَيْرِهِ فِي ( الدَّعْوَى عَلَيْهِ ) بِالْقَتْلِ ( إلَّا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمهُ فِي حَالِ حَجْرِهِ ) لِاحْتِمَالِ التَّوَاطُؤِ وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ ( وَلَوْ جُرِحَ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ فَلَا قَسَامَةَ ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ .
( وَإِنْ مَاتَ ) الْمَجْرُوحُ ( مُسْلِمًا فَارْتَدَّ وَارِثُهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ فَلِذَلِكَ ) أَيْ لَا قَسَامَةَ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ لِمَا لَهُ إمَّا أَنْ يَزُولَ أَوْ يَكُونُ مَوْقُوفًا وَحُقُوقُ الْمَالِ لَهَا حُكْمُهُ فَإِنْ قُلْنَا بِزَوَالِ مِلْكِهِ فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا مَوْقُوفٌ فَهُوَ قَبْلَ انْكِشَافِ حَالِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِشَيْءٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ خُصُوصًا قَتْلَ مُسْلِمٍ ( وَإِنْ ارْتَدَّ ) الْوَارِثُ ( قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ كَانَتْ الْقَسَامَةُ لِغَيْرِهِ ) أَيْ غَيْرِ الْمُرْتَدِّ ( مِنْ الْوَارِثِ ) لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ كَالْعَدَمِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهِ فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسَامَةِ غَيْرِهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْقَسَامَة قَالَهُ فِي الشَّرْحِ ( وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ ) أَيْ الْمُرْتَدُّ ( فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ ) لِعَدَمِ الْوَارِث الْخَاصِّ ( وَإِنْ ارْتَدَّ رَجُلٌ فَقُتِلَ عَبْدُهُ أَوْ ارْتَدَّ ) السَّيِّدُ .
( فَإِنْ عَادَ ) السَّيِّدُ ( إلَى الْإِسْلَامِ فَلَهُ الْقَسَامَةُ ) كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدّ ( وَإِلَّا ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ بِأَنْ قُتِلَ لِلرِّدَّةِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا ( فَلَا ) قَسَامَةَ لِعَدَمِ الْوَارِثِ الْخَاصِّ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
بَابُ الْقَسَامَةِ بِفَتْحِ الْقَافِ ( وَهِيَ ) اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ أَقْسَمَ إقْسَامًا وَقَسَامَةً .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُمْ الْقَوْمُ يُقْسِمُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ سُمُّوا قَسَامَةً بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَرِضًا . وَشَرْعًا ( أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ ) لَا نَحْوِ مُرْتَدٍّ وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمًا .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ . فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ ( فَلَا تَكُونُ ) الْقَسَامَةُ ( فِي ) دَعْوَى قَطْعِ ( طَرَفٍ وَلَا ) فِي دَعْوَى ( جُرْحٍ ) لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ ( وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا ; عَشَرَةٌ ) أَحَدُهَا ( اللَّوْثُ وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ وُجِدَ مَعَهَا ) أَيْ : 330 الْعَدَاوَةِ ( أَثَرُ قَتْلٍ ) كَدَمٍ فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ ( أَوْ لَا ) لِحُصُولِ الْقَتْلِ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَضَمِّ الْوَجْهِ وَالْخَنْقِ وَعَصْرِ الْخُصْيَتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لَا ( وَلَوْ ) كَانَتْ الْعَدَاوَةُ ( مَعَ سَيِّدِ مَقْتُولٍ ) لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمٍ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ فِي ذَلِكَ كَالْقِنِّ ، لِأَنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ . وَالْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ ( نَحْوُ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ ، وَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ ) وَمَا بَيْنَ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ ، وَمَا بَيْنَ الشُّرْطَةِ وَاللُّصُوصِ . وَلَا يُشْتَرَطُ مَعَ اللَّوْثِ أَنْ لَا يَكُونَ بِمَوْضِعِ الْقَتْلِ غَيْرُ الْعَدُوِّ نَصًّا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهَا لِاسْتِغْلَالِهَا .
وَفِي الْإِقْنَاعِ لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي صَحْرَاءَ وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ عَبْدِهِ كَانَ ذَلِكَ لَوْثًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ ( وَلَيْسَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى ) أَيْ : دَعْوَى الْقَتْلِ ( كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ وَ ) كَ ( وُجُودِهِ ) أَيْ : الْقَتِيلِ ( عِنْدَ مَنْ مَعَهُ مُحَدَّدٌ ) كَسِكِّينٍ وَخِنْجَرٍ ( مُلَطَّخٌ بِدَمٍ وَ ) كَ ( شَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِمْ قَتْلٌ ) كَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ ( بِلَوْثٍ ) خَبَرُ لَيْسَ ( كَقَوْلِ مَجْرُوحٍ : فُلَانٌ جَرَحَنِي ) فَلَيْسَ لَوْثًا لِأَنَّهُ الْعَدَاوَةُ فَقَطْ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ مَعَ الْعَدَاوَةِ بِقَضِيَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْمَظِنَّةِ ، وَلَا يُقَاسُ فِي الْمَظَانِّ وَلَا قِيَاسَ فِي الْمَظَانِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِتَعَدِّي سَبَبِهِ . وَالْقِيَاسُ : الْمَظَانُّ جَمْعٌ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ وَغَلَبَةِ الظُّنُونِ ; وَالْحُكْمُ بِالظُّنُونِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ فَلَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا ( وَمَتَى فُقِدَ ) اللَّوْثُ ( وَلَيْسَتْ الدَّعْوَى بِ ) قَتْلِ ( عَمْدٍ ) بِأَنْ كَانَتْ بِقَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ ( حَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ( وَلَا يَمِينَ فِي ) دَعْوَى قَتْلِ ( عَمْدٍ ) مَعَ فَقْدِ لَوْثٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ( فَيُخْلَى سَبِيلُهُ ) أَيْ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ عَمْدًا حَيْثُ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ ( وَعَلَى رِوَايَةٍ فِيهَا قُوَّةٌ ) وَهِيَ أَشْهُرُ وَاخْتَارَهَا الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ . ذَكَرَهُ فِي التَّنْقِيحِ ( يَحْلِفُ ، فَلَوْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الدِّيَةِ ) احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ . الشَّرْطُ ( الثَّانِي تَكْلِيفُ ) 331 الـ ( قَاتِلِ ) أَيْ مُدَّعًى عَلَيْهِ الْقَتْلُ ( لِتَصِحَّ الدَّعْوَى ) لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ . الشَّرْطُ ( الثَّالِثُ إمْكَانُ الْقَتْلِ مِنْهُ ) أَيْ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( وَأَلَّا ) يُمْكِنَ مِنْهُ قَتْلٌ لِنَحْوِ زَمَانَةٍ لَمْ تَصِحَّ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ ( كَبَقِيَّةِ الدَّعَاوَى ) الَّتِي يُكَذِّبُهَا الْحِسُّ ، وَإِنْ أَقَامَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ وَلَا يُمْكِنُهُ مَجِيئُهُ مِنْهُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَطَلَتْ الدَّعْوَى . قَالَ فِي الشَّرْحِ . الشَّرْطُ ( الرَّابِعُ وَصْفُ الْقَتْلِ ) أَيْ : أَنْ يَصِفَهُ الْمُدَّعِي ( فِي الدَّعْوَى ) كَأَنْ يَقُولَ جَرَحَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ وَنَحْوِهِ فِي مَحَلِّ كَذَا مِنْ بَدَنِهِ ، أَوْ خَنَقَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِنَحْوِ لَتٍّ فِي رَأْسِهِ وَنَحْوِهِ ( فَلَوْ اسْتَحْلَفَهُ ) أَيْ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( حَاكِمٌ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ ) أَيْ : وَصْفِ مُدَّعٍ الْقَتْلَ ( لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ) أَيْ الْحَلِفِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الدَّعْوَى . الشَّرْطُ ( الْخَامِسُ : طَلَبُ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ) فَلَا يَكْفِي طَلَبُ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ انْفِرَادِهِ بِالْحَقِّ . الشَّرْطُ ( السَّادِسُ اتِّفَاقُهُمْ ) أَيْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ( عَلَى الدَّعْوَى ) لِلْقَتْلِ ( فَلَا يَكْفِي عَدَمُ تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ) إذْ السَّاكِتُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حُكْمٌ . الشَّرْطُ ( السَّابِعُ : اتِّفَاقُهُمْ ) أَيْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ( عَلَى الْقَتْلِ فَإِنْ أَنْكَرَ ) الْقَتْلَ ( بَعْضُ ) الْوَرَثَةِ ( فَلَا قَسَامَةَ ) الشَّرْطُ ( الثَّامِنُ : اتِّفَاقُهُمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ ( عَلَى ) عَيْنِ ( قَاتِلٍ ) نَصًّا ( فَلَوْ قَالَ بَعْضُ ) الْوَرَثَةِ ( قَتَلَهُ زَيْدٌ وَ ) قَالَ ( بَعْضُهُمْ قَتَلَهُ بَكْرٌ فَلَا قَسَامَةَ ) . وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ قَتَلَهُ زَيْدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَقْتُلْهُ زَيْدٌ ، عَدْلًا كَانَ الْمُكَذِّبُ أَوْ فَاسِقًا ; لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ زَيْدٍ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْ الْقَتِيلِ قَتَلَهُ زَيْدٌ ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا أَعْلَمُ قَاتِلَهُ فَلَا قَسَامَةَ كَمَا لَوْ كَذَّبَهُ ; لِأَنَّ الْأَيْمَانَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي الْأَيْمَانِ كَسَائِرِ الدَّعْوَى ( وَيَقْبَلُ تَعْيِينَهُمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ لِقَاتِلٍ ( بَعْدَ قَوْلِهِمْ لَا نَعْرِفُهُ ) لِإِمْكَانِ عِلْمِهِ بَعْدَ جَهْلِهِ . الشَّرْطُ ( التَّاسِعُ : كَوْنُ فِيهِمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ ( ذُكُورٌ مُكَلَّفُونَ ) لِحَدِيثِ { يَقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ فَلَمْ تُسْمَعْ مِنْ النِّسَاءِ كَالشَّهَادَةِ ، وَالدِّيَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ ضِمْنًا لَا قَصْدًا . ( وَلَا يَقْدَحُ غَيْبَةُ بَعْضِهِمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ ( وَ ) لَا ( عَدَمُ تَكْلِيفِهِ ) بِأَنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ( وَ ) لَا يَقْدَحُ ( نُكُولُهُ ) أَيْ : بَعْضِ الْوَرَثَةِ عَنْ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، فَقِيَامُ الْمَانِعِ بِصَاحِبِهِ لَا يَمْنَعُ حَلِفَهُ وَاسْتِحْقَاقَهُ لِنَصِيبِهِ كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ ( فَلِذَكَرٍ حَاضِرٍ مُكَلَّفٍ ) أَنْ يَحْلِفَ ( بِقِسْطِهِ ) مِنْ الْأَيْمَانِ ( وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ 332 الدِّيَةِ ) كَمَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ حَاضِرِينَ مُكَلَّفِينَ ( وَلِمَنْ قَدِمَ ) مِنْ الْغَائِبِينَ ( أَوْ كُلِّفَ ) أَيْ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ مِنْ الْوَرَثَةِ ( أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِ نَصِيبِهِ ) مِنْ الْأَيْمَانِ ( وَيَأْخُذُهُ ) أَيْ : نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ لِبِنَائِهِ عَلَى أَيْمَانِ صَاحِبِهِ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا مُكَلَّفًا ابْتِدَاءً . الشَّرْطُ ( الْعَاشِرُ : كَوْنُ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ ) لَا اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ ( مُعَيَّنٍ ) لِقَوْلِهِ لِلْأَنْصَارِ : { يَقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ( فَلَوْ قَالُوا ) أَيْ وَرَثَةُ الْقَتِيلِ ( قَتَلَهُ هَذَا مَعَ آخَرَ ) فَلَا قَسَامَةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( أَوْ ) قَالُوا قَتَلَهُ ( أَحَدُهُمَا فَلَا قَسَامَةَ ) لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ ( وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا ) أَيْ الْقَسَامَةِ ( بِقَتْلٍ عَمْدٍ ) لِأَنَّهَا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ . ( وَيُقَادُ فِيهَا ) أَيْ : الْقَسَامَةِ ( إذَا تَمَّتْ الشُّرُوطُ ) الْعَشَرَةُ ، وَشُرُوطُ الْقَوَدِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } .
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " وَيُسَلَّمُ إلَيْكُمْ " وَالرُّمَّةُ الْحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، وَلِثُبُوتِ الْعَمْدِ بِالْقَسَامَةِ كَالْبَيِّنَةِ فَيَثْبُتُ أَثَرُهُ وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ فِي الطَّائِفِ } .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُمْ الْقَوْمُ يُقْسِمُونَ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ سُمُّوا قَسَامَةً بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَعَدْلٍ وَرِضًا . وَشَرْعًا ( أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ ) لَا نَحْوِ مُرْتَدٍّ وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمًا .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِالْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ . فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِسْلَامِ ( فَلَا تَكُونُ ) الْقَسَامَةُ ( فِي ) دَعْوَى قَطْعِ ( طَرَفٍ وَلَا ) فِي دَعْوَى ( جُرْحٍ ) لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِي النَّفْسِ لِحُرْمَتِهَا فَاخْتَصَّتْ بِهَا كَالْكَفَّارَةِ ( وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا ; عَشَرَةٌ ) أَحَدُهَا ( اللَّوْثُ وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ وُجِدَ مَعَهَا ) أَيْ : 330 الْعَدَاوَةِ ( أَثَرُ قَتْلٍ ) كَدَمٍ فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ ( أَوْ لَا ) لِحُصُولِ الْقَتْلِ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ كَضَمِّ الْوَجْهِ وَالْخَنْقِ وَعَصْرِ الْخُصْيَتَيْنِ ، وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ بِقَتِيلِهِمْ أَثَرٌ أَمْ لَا ( وَلَوْ ) كَانَتْ الْعَدَاوَةُ ( مَعَ سَيِّدِ مَقْتُولٍ ) لِأَنَّ السَّيِّدَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِدَمٍ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ فِي ذَلِكَ كَالْقِنِّ ، لِأَنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةٌ أَشْبَهَ الْحُرَّ . وَالْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ ( نَحْوُ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ ، وَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ ) وَمَا بَيْنَ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْعَدْلِ ، وَمَا بَيْنَ الشُّرْطَةِ وَاللُّصُوصِ . وَلَا يُشْتَرَطُ مَعَ اللَّوْثِ أَنْ لَا يَكُونَ بِمَوْضِعِ الْقَتْلِ غَيْرُ الْعَدُوِّ نَصًّا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ الْأَنْصَارَ هَلْ كَانَ بِخَيْبَرَ غَيْرُ الْيَهُودِ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ فِيهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَمْلَاكًا لِلْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهَا لِاسْتِغْلَالِهَا .
وَفِي الْإِقْنَاعِ لَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي صَحْرَاءَ وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ عَبْدِهِ كَانَ ذَلِكَ لَوْثًا فِي حَقِّ الْعَبْدِ ( وَلَيْسَ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى ) أَيْ : دَعْوَى الْقَتْلِ ( كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ وَ ) كَ ( وُجُودِهِ ) أَيْ : الْقَتِيلِ ( عِنْدَ مَنْ مَعَهُ مُحَدَّدٌ ) كَسِكِّينٍ وَخِنْجَرٍ ( مُلَطَّخٌ بِدَمٍ وَ ) كَ ( شَهَادَةِ مَنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهِمْ قَتْلٌ ) كَنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ ( بِلَوْثٍ ) خَبَرُ لَيْسَ ( كَقَوْلِ مَجْرُوحٍ : فُلَانٌ جَرَحَنِي ) فَلَيْسَ لَوْثًا لِأَنَّهُ الْعَدَاوَةُ فَقَطْ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ مَعَ الْعَدَاوَةِ بِقَضِيَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْمَظِنَّةِ ، وَلَا يُقَاسُ فِي الْمَظَانِّ وَلَا قِيَاسَ فِي الْمَظَانِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِتَعَدِّي سَبَبِهِ . وَالْقِيَاسُ : الْمَظَانُّ جَمْعٌ بِمُجَرَّدِ الْحِكْمَةِ وَغَلَبَةِ الظُّنُونِ ; وَالْحُكْمُ بِالظُّنُونِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ فَلَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا ( وَمَتَى فُقِدَ ) اللَّوْثُ ( وَلَيْسَتْ الدَّعْوَى بِ ) قَتْلِ ( عَمْدٍ ) بِأَنْ كَانَتْ بِقَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ ( حَلَفَ مُدَّعًى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا { الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ( وَلَا يَمِينَ فِي ) دَعْوَى قَتْلِ ( عَمْدٍ ) مَعَ فَقْدِ لَوْثٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ ( فَيُخْلَى سَبِيلُهُ ) أَيْ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ عَمْدًا حَيْثُ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ ( وَعَلَى رِوَايَةٍ فِيهَا قُوَّةٌ ) وَهِيَ أَشْهُرُ وَاخْتَارَهَا الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ وَقَدَّمَهَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ . ذَكَرَهُ فِي التَّنْقِيحِ ( يَحْلِفُ ، فَلَوْ نَكَلَ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الدِّيَةِ ) احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ . الشَّرْطُ ( الثَّانِي تَكْلِيفُ ) 331 الـ ( قَاتِلِ ) أَيْ مُدَّعًى عَلَيْهِ الْقَتْلُ ( لِتَصِحَّ الدَّعْوَى ) لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا مَجْنُونٍ . الشَّرْطُ ( الثَّالِثُ إمْكَانُ الْقَتْلِ مِنْهُ ) أَيْ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( وَأَلَّا ) يُمْكِنَ مِنْهُ قَتْلٌ لِنَحْوِ زَمَانَةٍ لَمْ تَصِحَّ عَلَيْهِ دَعْوَاهُ ( كَبَقِيَّةِ الدَّعَاوَى ) الَّتِي يُكَذِّبُهَا الْحِسُّ ، وَإِنْ أَقَامَ مُدَّعًى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ وَلَا يُمْكِنُهُ مَجِيئُهُ مِنْهُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَطَلَتْ الدَّعْوَى . قَالَ فِي الشَّرْحِ . الشَّرْطُ ( الرَّابِعُ وَصْفُ الْقَتْلِ ) أَيْ : أَنْ يَصِفَهُ الْمُدَّعِي ( فِي الدَّعْوَى ) كَأَنْ يَقُولَ جَرَحَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ وَنَحْوِهِ فِي مَحَلِّ كَذَا مِنْ بَدَنِهِ ، أَوْ خَنَقَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِنَحْوِ لَتٍّ فِي رَأْسِهِ وَنَحْوِهِ ( فَلَوْ اسْتَحْلَفَهُ ) أَيْ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( حَاكِمٌ قَبْلَ تَفْصِيلِهِ ) أَيْ : وَصْفِ مُدَّعٍ الْقَتْلَ ( لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ) أَيْ الْحَلِفِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الدَّعْوَى . الشَّرْطُ ( الْخَامِسُ : طَلَبُ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ) فَلَا يَكْفِي طَلَبُ بَعْضِهِمْ لِعَدَمِ انْفِرَادِهِ بِالْحَقِّ . الشَّرْطُ ( السَّادِسُ اتِّفَاقُهُمْ ) أَيْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ( عَلَى الدَّعْوَى ) لِلْقَتْلِ ( فَلَا يَكْفِي عَدَمُ تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ) إذْ السَّاكِتُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حُكْمٌ . الشَّرْطُ ( السَّابِعُ : اتِّفَاقُهُمْ ) أَيْ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ( عَلَى الْقَتْلِ فَإِنْ أَنْكَرَ ) الْقَتْلَ ( بَعْضُ ) الْوَرَثَةِ ( فَلَا قَسَامَةَ ) الشَّرْطُ ( الثَّامِنُ : اتِّفَاقُهُمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ ( عَلَى ) عَيْنِ ( قَاتِلٍ ) نَصًّا ( فَلَوْ قَالَ بَعْضُ ) الْوَرَثَةِ ( قَتَلَهُ زَيْدٌ وَ ) قَالَ ( بَعْضُهُمْ قَتَلَهُ بَكْرٌ فَلَا قَسَامَةَ ) . وَكَذَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ قَتَلَهُ زَيْدٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَقْتُلْهُ زَيْدٌ ، عَدْلًا كَانَ الْمُكَذِّبُ أَوْ فَاسِقًا ; لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِتَبْرِئَةِ زَيْدٍ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْ الْقَتِيلِ قَتَلَهُ زَيْدٌ ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا أَعْلَمُ قَاتِلَهُ فَلَا قَسَامَةَ كَمَا لَوْ كَذَّبَهُ ; لِأَنَّ الْأَيْمَانَ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فِي الْأَيْمَانِ كَسَائِرِ الدَّعْوَى ( وَيَقْبَلُ تَعْيِينَهُمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ لِقَاتِلٍ ( بَعْدَ قَوْلِهِمْ لَا نَعْرِفُهُ ) لِإِمْكَانِ عِلْمِهِ بَعْدَ جَهْلِهِ . الشَّرْطُ ( التَّاسِعُ : كَوْنُ فِيهِمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ ( ذُكُورٌ مُكَلَّفُونَ ) لِحَدِيثِ { يَقْسِمُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ يَثْبُتُ بِهَا قَتْلُ الْعَمْدِ فَلَمْ تُسْمَعْ مِنْ النِّسَاءِ كَالشَّهَادَةِ ، وَالدِّيَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ ضِمْنًا لَا قَصْدًا . ( وَلَا يَقْدَحُ غَيْبَةُ بَعْضِهِمْ ) أَيْ الْوَرَثَةِ ( وَ ) لَا ( عَدَمُ تَكْلِيفِهِ ) بِأَنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا ( وَ ) لَا يَقْدَحُ ( نُكُولُهُ ) أَيْ : بَعْضِ الْوَرَثَةِ عَنْ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ حَقٌّ لَهُ وَلِغَيْرِهِ ، فَقِيَامُ الْمَانِعِ بِصَاحِبِهِ لَا يَمْنَعُ حَلِفَهُ وَاسْتِحْقَاقَهُ لِنَصِيبِهِ كَالْمَالِ الْمُشْتَرَكِ ( فَلِذَكَرٍ حَاضِرٍ مُكَلَّفٍ ) أَنْ يَحْلِفَ ( بِقِسْطِهِ ) مِنْ الْأَيْمَانِ ( وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ 332 الدِّيَةِ ) كَمَا لَوْ كَانَ الْكُلُّ حَاضِرِينَ مُكَلَّفِينَ ( وَلِمَنْ قَدِمَ ) مِنْ الْغَائِبِينَ ( أَوْ كُلِّفَ ) أَيْ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ مِنْ الْوَرَثَةِ ( أَنْ يَحْلِفَ بِقِسْطِ نَصِيبِهِ ) مِنْ الْأَيْمَانِ ( وَيَأْخُذُهُ ) أَيْ : نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ لِبِنَائِهِ عَلَى أَيْمَانِ صَاحِبِهِ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا مُكَلَّفًا ابْتِدَاءً . الشَّرْطُ ( الْعَاشِرُ : كَوْنُ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ ) لَا اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ ( مُعَيَّنٍ ) لِقَوْلِهِ لِلْأَنْصَارِ : { يَقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } وَلِأَنَّهَا بَيِّنَةٌ ضَعِيفَةٌ خُولِفَ بِهَا الْأَصْلُ فِي قَتْلِ الْوَاحِدِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ( فَلَوْ قَالُوا ) أَيْ وَرَثَةُ الْقَتِيلِ ( قَتَلَهُ هَذَا مَعَ آخَرَ ) فَلَا قَسَامَةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( أَوْ ) قَالُوا قَتَلَهُ ( أَحَدُهُمَا فَلَا قَسَامَةَ ) لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى مُعَيَّنٍ ( وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا ) أَيْ الْقَسَامَةِ ( بِقَتْلٍ عَمْدٍ ) لِأَنَّهَا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا الْخَطَأُ كَالْعَمْدِ . ( وَيُقَادُ فِيهَا ) أَيْ : الْقَسَامَةِ ( إذَا تَمَّتْ الشُّرُوطُ ) الْعَشَرَةُ ، وَشُرُوطُ الْقَوَدِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ إلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ } .
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " وَيُسَلَّمُ إلَيْكُمْ " وَالرُّمَّةُ الْحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، وَلِثُبُوتِ الْعَمْدِ بِالْقَسَامَةِ كَالْبَيِّنَةِ فَيَثْبُتُ أَثَرُهُ وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَادَ بِالْقَسَامَةِ فِي الطَّائِفِ } .
الفروع
اقرأ →
46 بَابُ الْقَسَامَةِ وَهِيَ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ عَنْهُ : عَمْدًا ، وَالنَّصُّ : أَوْ خَطَأً ، وَقِيلَ : لَا قَسَامَةَ فِي عَبْدٍ كَافِرٍ ، كَطَرَفٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا اللَّوَثُ ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ وَلَوْ مَعَ سَيِّدِ عَبْدٍ . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَعَصَبَةُ مَقْتُولٍ ، نَحْوَ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ وَكَالْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ ، وَنَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ : عَدَاوَةٌ أَوْ عَصَبِيَّةٌ ، وَعَنْهُ : أَنَّهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى ، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ ، وَشَهَادَةُ مَنْ لَا يَثْبُتُ قَتْلٌ ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَابْنُ رَزِينٍ وَشَيْخُنَا وَغَيْرُهُمْ . وَقَوْلُ الْمَجْرُوحِ فُلَانٌ جَرَحَنِي لَيْسَ لَوَثًا . وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ : أَذْهَبُ إلَى الْقَسَامَةِ إذَا كَانَ ثَمَّ لَطْخٌ ، إذَا كَانَ ثُمَّ سَبَبٌ بَيِّنٌ ، إذَا كَانَ ثَمَّ عَدَاوَةٌ ، إذَا كَانَ مِثْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَفْعَلُ هَذَا ، وَعَنْهُ : يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَثَرُ الْقَتْلِ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ كَدَمٍ مِنْ أُذُنِهِ ، وَفِيهِ مِنْ أَنْفِهِ وَجْهَانِ ( م 1 ) . وَيُتَوَجَّهُ : أَوْ مِنْ شَفَتِهِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : لَيْسَ أَثَرًا ، 47 وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ لَا يَخْتَلِطَ بِالْعَمْدِ وَغَيْرِهِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ عَنْهُ : عَمْدًا ، وَالنَّصُّ : أَوْ خَطَأً ، وَقِيلَ : لَا قَسَامَةَ فِي عَبْدٍ كَافِرٍ ، كَطَرَفٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا اللَّوَثُ ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ وَلَوْ مَعَ سَيِّدِ عَبْدٍ . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَعَصَبَةُ مَقْتُولٍ ، نَحْوَ مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ وَكَالْقَبَائِلِ الَّتِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ ، وَنَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ : عَدَاوَةٌ أَوْ عَصَبِيَّةٌ ، وَعَنْهُ : أَنَّهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى ، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ ، وَشَهَادَةُ مَنْ لَا يَثْبُتُ قَتْلٌ ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ وَابْنُ رَزِينٍ وَشَيْخُنَا وَغَيْرُهُمْ . وَقَوْلُ الْمَجْرُوحِ فُلَانٌ جَرَحَنِي لَيْسَ لَوَثًا . وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ : أَذْهَبُ إلَى الْقَسَامَةِ إذَا كَانَ ثَمَّ لَطْخٌ ، إذَا كَانَ ثُمَّ سَبَبٌ بَيِّنٌ ، إذَا كَانَ ثَمَّ عَدَاوَةٌ ، إذَا كَانَ مِثْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَفْعَلُ هَذَا ، وَعَنْهُ : يُشْتَرَطُ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَثَرُ الْقَتْلِ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ كَدَمٍ مِنْ أُذُنِهِ ، وَفِيهِ مِنْ أَنْفِهِ وَجْهَانِ ( م 1 ) . وَيُتَوَجَّهُ : أَوْ مِنْ شَفَتِهِ .
وَفِي التَّرْغِيبِ : لَيْسَ أَثَرًا ، 47 وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ لَا يَخْتَلِطَ بِالْعَمْدِ وَغَيْرِهِ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب القسامة
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب القسامة
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب القسامة