حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ ° ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، قَالَ : " أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ أُنَادِيَ أَنْ : لا صَلاةَ إِلا بِـ : فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ "
قَالَ أَبُو بكر : قوله عليه السلام : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " يحتمل نفي الأصل ونفي الكمال , وإن كان ظاهره عندنا على نفي الأصل حتى تقوم الدلالة على أن المراد نفي الكمال . ومعلوم أنه غير جائز إرادة الأمرين جميعا ; لأنه متى أراد نفي الأصل لم يثبت منه شيء , وإذا أراد نفي الكمال , وإثبات النقصان فلا محالة بعضه ثابت , وإرادتهما معا منتفية مستحيلة . والدليل على أنه لم يرد نفي الأصل أن إثبات ذلك إسقاط التخيير في قوله تعالى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ سورة المزمل آية 20 وذلك نسخ , وغير جائز نسخ القرآن بأخبار الآحاد . ويدل عليه أيضا ما : رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، وَابْنُ فُضَيْلٍ ، وَأَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَالَ : " لا تُجْزِي صَلاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِـ : الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ فِي الْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا " . إلا أن أَبَا حنيفة قَالَ : معها غيرها . وقال معاوية : لا صلاة , ومعلوم أنه لم يرد نفي الأصل وإنما مراده نفي الكمال لاتفاق الجميع على أنها مجزية بقراءة فاتحة الكتاب , وإن لم يقرأ معها غيرها فثبت أنه أراد نفي الكمال وإيجاب النقصان , وغير جائز أن يريد به نفي الأصل ونفي الكمال لتضادهما واستحالة إرادتهما جميعا بلفظ واحد . فإن قَالَ قائل : هذا حديث غير حديث عبادة وأبي هُرَيْرَةَ , وجائز أن يكون النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ مرة : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " فأوجب بذلك قراءتها وجعلها فرضا فيها , وقال مرة أخرى : ما ذكره سعيد من قراءة فاتحة الكتاب وشيء معها , وأراد به : نفي الكمال إذا لم يقرأ مع فاتحة الكتاب غيرها . قيل له : ليس معك تاريخ الحديثين , وأن النبي ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ ذلك في حالين , ويحتاج إلى دلالة في إثبات كل واحد من الخبرين في الحالين ولمخالفك أن يَقُول : لما لم يثبت أن النبي عليه السلام قَالَ ذلك في وقتين , وقد ثبت اللفظان جميعا , جعلتهما حديثا واحدا ساق بعض الرواة لفظه على وجهه وأغفل بعضهم بعض ألفاظه , وهو ذكر السورة , فهما متساويان حينئذ , ويثبت الخبر بزيادة في حالة واحدة , ويكون لقول خصمك مزية على قولك , وهو أن كل ما لم يعرف تاريخه فسبيله أن يحكم بوجودهما معا . وإذا ثبت أنه قالهما في وقت واحد بزيادة السورة , فمعلوم أنه مع ذكر السورة لم يرد نفي الأصل , وإنما أراد إثبات النقص , حملناه على ذلك , ويكون ذلك كقوله عليه السلام : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ومن سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له , ولا إيمان لمن لا أمانة له " وكقوله تعالى : إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ {12} أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ سورة التوبة آية 12-13 فنفاها بدءا وأثبتها ثانيا ; لأنه أراد نفي الكمال لا نفي الأصل , أي : لا أيمان لهم وافية فيفون بها . فإن قَالَ قائل : فهلا استعملت الأخبار على ظواهرها واستعملت التخيير المذكور في الآية فيما عدا فاتحة الكتاب قيل له : لو انفردت الأخبار عن الآية , لما كان فيها ما يوجب فرض قراءة فاتحة الكتاب , لما بينا من أن فيها ما لا يحتمل إلا إثبات الأصل مع تركها , واحتمال سائر الأخبار الأخر لنفي الأصل ونفي الكمال . وعلى أن هذه الأخبار لو كانت موجبة لتعيين فرض القراءة فيها لما جاز الاعتراض بها على الآية وصرفها عن الواجب إلى النفل فيما عدا الكتاب ; لما ذكرناه في أول المسألة فارجع إليه فإنك تجده كافيا إن شاء الله تعالى . فصل قَالَ أَبُو بكر : وقراءة فاتحة الكتاب مع ما ذكرنا من حكمها تقتضي : أمر الله تعالى إيانا بفعل الحمد , وتعليم لنا كيف نحمده وكيف الثناء عليه وكيف الدعاء له ، ودلالة على أن تقديم الحمد والثناء على الله تعالى على الدعاء أولى وأحرى بالإجابة ; لأن السورة مفتتحة بذكر الحمد ثم بالثناء على الله , وهو قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة الفاتحة آية 2 إلى مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ سورة الفاتحة آية 4 ثم الاعتراف بالعبادة له وإفرادها له دون غيره بقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ سورة الفاتحة آية 5 ثم الاستعانة به في القيام بعبادته في سائر ما بنا الحاجة إليه من أمور الدنيا والدين , وهو قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ سورة الفاتحة آية 5 ثم الدعاء بالتثبيت على الهداية التي هدانا لها من وجوب الحمد له واستحقاق الثناء والعبادة ; لأن قوله : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ سورة الفاتحة آية 6 هو دعاء للهداية والتثبيت عليها في المستقبل , إذ غير جائز ذلك في الماضي ; وهو التوفيق عما ضل عنه الكفار من معرفة الله وحمده والثناء عليه , فاستحقوا لذلك غضبه وعقابه . والدليل على أن قوله تعالى : الحمد لله رب العالمين مع أنه تعليم لنا الحمد , هو أمر لنا به , قوله : إياك نعبد وإياك نستعين فاعلم أن الأمر بقول الحمد مضمر في ابتداء السورة , وهو مع ما ذكرنا رقية وعوذة وشفاء , لما