أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ° ، ثنا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ يَعْقُوبَ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الصَّائِغُ ، ثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، ثنا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ سورة البقرة آية 163 ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَجِبَ الْمُشْرِكُونَ ، وَقَالُوا : إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ : إِنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، إِلَى قَوْلِهِ : لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ سورة البقرة آية 164
قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ بِمَا فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ ، وَالْقَمَرِ ، وَالنُّجُومِ الْمُسَخَّرَاتِ ، وَذَكَرَ خَلْقَ الأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبِحَارِ وَالأَنهَارِ وَالْجِبَالِ وَالْمَعَادِنِ ، وَذَكَرَ اخْتِلافَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَأَخْذَ أَحَدِهِمَا مِنَ الآخَرِ ، وَذَكَرَ الْفُلْكَ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ ، وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مِنَ الْمَطَرِ الَّذِي فِيهِ حَيَاةُ الْبِلادِ ، وَبهِ وَبِمَا وَضَعَ اللَّهُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، يَتِمُّ رِزْقُ الْعِبَادِ وَالْبَهَائِمِ وَالدَّوَابِّ ، وَذَكَرَ مَا بَثَّ فِي الأَرْضِ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ مُخْتَلِفَةِ الصُّوَرِ وَالأَجْسَادِ مُخْتَلِفَةِ الأَلْسِنَةِ وَالأَلْوَانِ ، وَذَكَرَ تَصْرِيفَ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ، وَمَا فِيهِمَا مِنْ مَنَافِعِ الْحَيَوَانَاتِ ، وَمَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ . ثُمَّ أَمَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى بِالنَّظَرِ فِيهِمَا ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة يونس آية 101 يَعْنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مِنَ الآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَالدَّلالاتِ النَّيِّرَاتِ ، وَهَذَا لأَنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَيْئَةَ هَذَا الْعَالَمِ بِبَصَرِكَ ، وَاعْتَبَرْتَهَا بِفِكْرِكَ ، وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ سَاكِنُهُ مِنْ آلَةٍ وَعَتَادٍ ، فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعةٌ كَالسَّقْفِ ، وَالأَرْضُ مَبْسُوطَةٌ كَالْبِسَاطِ ، وَالنُّجُومُ مَنْضُودَةٌ كَالْمَصَابِيحِ ، وَالْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِرِ ، وَضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأةٌ لِلمَطَاعِمِ وَالْمَلابِسِ وَالْمَآرِبِ ، وَصُنُوفُ الْحَيَوَانِ مُسَخَّرَةٌ لِلمَرَاكِبِ ، مُسْتَعْمَلةٌ فِي الْمَرَافِقِ ، وَالإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ لِلْبَيْتِ الْمُخَوَّلِ مَا فِيهِ ، وَفِي هَذَا دَلالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَدْبِيرٍ وَتَقْدِيرٍ وَنِظَامٍ ، وَأَنَّ لَهُ صَانِعًا حَكِيمًا تَامَّ الْقُدْرَةِ بَالِغَ الْحِكْمَةِ ، وَهَذَا فِيمَا قَرَأْتُهُ مِنْ كِتَابِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ : ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَضَّهُمْ عَلَى النَّظَرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ خَلْقِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى ، فَقَالَ : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ سورة الأعراف آية 185 . يَعْنِي بِالْمَلَكُوتِ : الآيَاتِ ، يَقُولُ : أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهَا نَظَرَ تَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ ، حَتَّى يَسْتَدِلُّوا بِكَوْنِهَا مَحَلا لِلْحَوَادِثِ وَالتَّغَيُّرَاتِ عَلَى أَنَّهَا مُحْدَثَاتٌ ، وَأَنَّ الْمُحْدَثَ لا يَسْتَغْنِي عَنْ صَانِعٍ يَصْنَعُهُ عَلَى هَيْئَةٍ ، لا يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ ، كَمَا اسْتَدَلَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَانْقَطَعَ عَنْهَا كُلِّهَا إِلَى رَبٍّ هُوَ خَالِقُهَا وَمُنْشِئُهَا ، فَقَالَ : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سورة الأنعام آية 79 .