21 أَنَا أَبُو زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ° ، فِي آخَرِينَ ، قَالُوا : أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ° ، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ° ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ° ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ° ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : " بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ ، فَقَالَ : انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ ، فَخَرَجْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا ، فَإِذَا نَحْنُ بِظَعِينَةٍ ، فَقُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ ، فَقَالَتْ : مَا مَعِي كِتَابٌ ، فَقُلْنَا لَهَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ ، أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا ، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ، يُخْبِرُ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟ فَقَالَ : لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ ، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا قَرَبَاتِهِمْ ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا ، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ شَكًّا فِي دِينِي وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ قَدْ صَدَقَ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتَ لَكُمْ ، وَنَزَلَتْ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ سورة الممتحنة آية 1 "
أَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : طَرْحُ الْحُكْمِ بِاسْتِعْمَالِ الظُّنُونِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْكِتَابُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَ حَاطِبُ كَمَا قَالَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ : شَكًّا فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمْنَعَ أَهْلَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَلَّةً لَا رَغْبَةً عَنِ الْإِسْلَامِ ، وَاحْتَمَلَ الْمَعْنَى الْأَقْبَحَ ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا احْتَمَلَ فِعْلُهُ . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ . !247 أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ سورة التوبة آية 33 . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ دِينَهُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ بِأَنْ أَبَانَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ بَاطِلٌ . وَأَظْهَرَهُ بِأَنَّ جِمَاعَ الشِّرْكِ دِينَانِ : دِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَدِينُ الْأُمِّيِّينَ ، فَقَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُمِّيِّينَ حَتَّى دَانُوا بِالْإِسَلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَسَبَى حَتَّى دَانَ بَعْضُهُمْ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَعْطَى بَعْضُ الْجِزْيَةِ صَاغِرِينَ ، وَجَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ ، وَهَذَا ظُهُورُ الدِّينِ كُلِّهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ يُقَالُ : لَيُظْهِرَنُّ اللَّهُ دِينَهُ عَلَى الْأَدْيَانِ حَتَّى لَا يُدَانَ اللَّهُ إِلَّا بِهِ ، وَذَلِكَ مَتَى شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " !248 أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ سورة التوبة آية 5 ، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ سورة الأنفال آية 39 . قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : فَقِيلَ فِيهِ فِتْنَةٌ سورة الأنفال آية 39 : شِرْكٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ سورة الأنفال آية 39 : وَاحِدًا لِلَّهِ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ سورة التوبة آية 29 ، وَذَكَرَ حِديثَ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَقُوْلَهُ : " فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبِلْ مِنْهُمْ وَدَعْهُمْ ، وَإِنْ أَبُوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ " . ثُمَّ قَالَ : وَلَيْسَتْ وَاحِدةٌ مِنَ الْآيَتَيْنِ نَاسِخَةً لِلْأُخْرَى ، وَلَا وَاحِدٌ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ ، وَلَا مُخَالِفًا لَهُ ، وَلَكِنْ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ وَالْحَدِيثَيْنِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي مَخْرَجَهُ عَامٌّ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ ، وَمِنَ الْجُمَلِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْمُفَسِّرُ ، فَأَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَمْرُهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَفَرْضُ اللَّهِ قِتَالَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ خَاصَّةً . فَالْفَرْضُ فِيمَنْ دَانَ وَآبَاؤُهُ دِينَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُقَاتَلُوا إِذْ قُدِرَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالْفَرْضُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَنْ دَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ دِينَهُمْ أَنْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أَوْ يُسْلِمُوا ، وَسَوَاءٌ كَانُوا عَرَبًا أَوْ عَجَمًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُتُبٌ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، الْمَعْرُوفُ مِنْهَا عِنْدَ الْعَامَّةِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ أَنْزَلَ غَيْرَهُمَا ، فَقَالَ : أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى { 36 } وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى { 37 } سورة النجم آية 36-37 وَلَيْسَ يُعْرَفُ تِلَاوَةُ كِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ، وَذَكَرَ زَبُورَ دَاوُدَ ، فَقَالَ : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ سورة الشعراء آية 196 . قَالَ : وَالْمَجُوسُ : أَهْلُ كِتَابٍ غَيْرِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَقَدْ نَسُوا كِتَابَهُمْ وَبَدَّلُوهُ ، وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَدَانَ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْضِهِمُ الْجِزْيَةَ ، وَسَمَّى مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أُكَيْدِرَ دُومَةَ ، وَهُوَ رَجُلٌ يُقَالُ مِنْ غَسَّانَ أَوْ كِنْدَةَ " !249 أَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : " حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمُشْرِكِينَ حُكْمَيْنِ ، فَحَكَمَ أَنَّ يُقَاتَلَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ حَتَّى يُسْلِمُوا وَأَهْلُ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ إِنْ لَمْ يُسْلِمُوا ، وَأَحَلَّ اللَّهُ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَطَعَامَهُمْ ، فَقِيلَ : طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ ، فَاحْتَمَلَ كُلَّ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَكُلَّ مَنْ دَانَ دِينَهُمْ . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، وَكَانَتْ دَلَالَةُ مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا أَنَّهُ أَرَادَ أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ دُونَ الْمَجُوسِ . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ ، وَفَرَقَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، وَمَا آتَاهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ دَهْرِهِمْ ، فَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابِ إِلَّا لِمَعْنَى لَا أَهْلَ كِتَابٍ مُطْلَقٍ ، فَتُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ كَالْمَجُوسِ ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَحَلَّ لَنَا ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ نَزَلَ ، وَذَكَرَ الرِّوَايَةَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَالَّذِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْلَالِ ذَبَائِحِهِمْ ، وَأَنَّهُ تَلَا : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ سورة المائدة آية 51 ، فَهُوَ لَوْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَوْلَى ، وَمَعَهُ الْمَعْقُوْلُ ، فَأَمَّا وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ سورة المائدة آية 51 ، فَمَعْنَاهَا عَلَى غَيْرِ حُكْمِهِمْ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَدَانُوا دِينَ الْيَهُودِ ، وَالنَّصَارَى نُكِحَتْ نِسَاؤُهُمْ ، وَأُكِلَتْ ذَبَائِحُهُمْ ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي فَرْعٍ مِنْ دِينِهِمْ ، لِأَنَّهُمْ فُرُوعٌ قَدْ يَخْتَلِفُونَ بَيْنَهُمْ ، وَإِنْ خَالَفُوهُمْ فِي أَصْلِ الدَّيْنُونَةِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبَائِحُهُمْ وَلَمْ تُنْكَحْ نِسَاؤُهُمْ " !250 أَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ سورة التوبة آية 29 ، فَلَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ أَمَرَ بِأَخْذِهَا مِنْهُ حَتَّى يُعْطِيَهَا عَنْ يَدٍ صَاغِرًا . قَالَ : وَسَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : الصَّغَارُ : أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمَ الْإِسْلَامِ ، وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا لِامْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْإِسَلَامِ ، فَإِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فَقَدْ أُصْغِرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَكَانَ بَيِّنًا فِي الْآيَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ الَّذِينَ فُرِضَ قِتَالُهُمْ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ الَّذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِالْبُلُوغِ ، فَتَرَكُوا دِينَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَقَامُوا عَلَى مَا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . وَكَانَ بَيِّنًا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِقِتَالِهِمْ عَلَيْهَا الَّذِينَ فِيهِمُ الْقِتَالُ ، وَهُمُ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ ، ثُمَّ أَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمُحْتَلِمِينَ دُونَ مَنْ دُونَهُمْ وَدُونَ النِّسَاءِ " . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ !251 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا سورة التوبة آية 28 . الْآيَةَ . فَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَقُولُ : الْمَسْجِدُ الْحَرَامِ الْحَرَمُ ، وَسَمِعْتُ عَدَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي يَرْوُونَ أَنَّهُ كَانَ فِي رِسَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ وَمُشْرِكٌ فِي الْحَرَمِ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا " !252 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : " فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قِتَالَ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُسْلِمُوا وَأَهْلِ الْكِتَابِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ ، وَقَالَ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 286 ، فَبِذَا فُرِضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا أَطَاقُوهُ ، فَإِذَا عَجَزُوا عَنْهُ فَإِنَّمَا كُلِّفُوا مِنْهُ مَا أَطَاقُوهُ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَنْ يُهَادِنُوهُمْ . ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَهَادَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، فَكَانَتِ الْهُدْنَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينٍ ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ فِي سَفَرِهِ فِي أَمْرِهِمْ : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا { 1 } لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ " قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَمَا كَانَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ أَعْظَمَ مِنْهُ ، وَذَكَرَ دُخُولَ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ حِينَ أَمَنُوا . وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي مُهَادَنَةِ مَنْ يَقْوَى عَلَى قِتَالِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُهَادَنَتُهُمْ عَلَى النَّظَرِ عَلَى غَيْرِ جِزْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ { 1 } فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ سورة التوبة آية 0-1 . الْآيَةَ . وَمَا بَعْدَهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَمَّا قَوِيَ أَهْلُ الْإِسَلَامِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ سورة التوبة آية 1 . ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَقِيلَ كَانَ الَّذِينَ عَاهَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا مُوَادِعِينَ إِلَى غَيْرِ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ جَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ كَذَلِكَ ، وَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ عَاهَدَهُمْ إِلَى مُدَّةٍ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ أَنْ يُتَمَّ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ مَا اسْتَقَامُوا لَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْهُ خِيَانَةً مِنْهُمْ نَبَذَ إِلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَأْنَفَ مُدَّةٌ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَبِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ . !253 وبَهِذَا الْإِسَنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : " مَنْ جَاءَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَحَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَمِّنَهُ حَتَّى يَتْلُو عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَرْجُو أَنْ يدْخِلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ الْإِسَلَامَ . لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ سورة التوبة آية 6 ، وَإِبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُعَاهِدِينَ مَا كَانَ فِي بِلَادِ الْإِسَلَامِ ، أَوْ حَيْثُ مَا يَتَّصِلُ بِبِلِادِ الْإِسْلَامِ . قَالَ : وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ سورة التوبة آية 6 يَعْنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مِنْكَ أَوْ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ عَلَى دِينِكَ ، أَوْ مِمَّنْ يُطِيعُكَ ، لَا أَمَانُهُ مِنْ غَيْرِكِ مِنْ عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِ الَّذِي لَا يَأْمَنُهُ ، وَلَا يُطِيعُكَ " !254 أَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : " جِمَاعُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَالْعَهْدِ كَانَ بِيَمِينٍ ، أَوْ غَيْرِهَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ سورة المائدة آية 1 ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا سورة الإنسان آية 7 ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْوَفَاءَ بِالْعُقُودِ بِالْأَيْمَانِ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ مِنْهَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ سورة النحل آية 91 ، ثُمَّ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا سورة النحل آية 91 إِلَى قَوْلِهِ : تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ سورة النحل آية 92 . الْآيَةَ . وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ سورة الرعد آية 20 مَعَ مَا ذَكَرَ بِهِ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا مِنْ سِعَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ الَّذِي خُوطِبَتْ بِهِ ، فَظَاهِرَهُ عَامٌّ عَلَى كُلِّ عَقْدٍ ، وَيُشْبِهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُوفُوا بِكُلِّ عَقْدٍ كَانَ بِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِ يَمِينٍ ، وَكُلِّ عَقْدٍ نَذْرٍ إِذَا كَانَ فِي الْعَقْدَيْنِ لِلَّهِ طَاعَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا أَمَرَ بِالْوَفَاءِ مِنْهَا مَعْصِيَةٌ . وَاحْتَجَّ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي امْرَأَةٍ جَاءَتَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمَةً سَمَّاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ : إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ سورة الممتحنة آية 10 إِلَى فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ سورة الممتحنة آية 10 . الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا سورة الممتحنة آية 10 ، فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَرُدُّوا النِّسَاءَ ، وَقَدْ أَعْطَوْهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ ، وَهُنَّ مِنْهُمْ فَحَبَسَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : عَاهَدَ رَسُولُ اللَّهِ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سورة التوبة آية 1 . قَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي صُلْحِ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَمَنْ صَالَحَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ صُلْحُهُ لَهُمْ طَاعَةً لِلَّهِ ، إِمَّا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ بِمَا صَنَعَ نَصًّا ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَهُ أَنْ يَعْقِدَ لِمَنْ رَأَى بِمَا رَأَى ، ثُمَّ أَنْزَلَ قَضَاءَهُ عَلَيْهِ فَصَارُوا إِلَى قَضَاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَنَسَخَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلَهُ بِفِعْلِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَكُلٌّ كَانَ طَاعَةٌ لِلَّهِ فِي وَقْتِهِ " . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ !255 وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : " وَكَانَ بَيِّنًا فِي الْآيَةِ مَنْعُ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ مِنْ أَنْ يُرْدَدْنَ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ وَقَطْعُ الْعِصْمَةِ بِالْإِسْلَامِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ قَطْعَ الْعِصْمَةِ إِذَا انْقَضَتْ عِدَدُهُنَّ وَلَمْ يُسْلِمْ أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَكَانَ بَيِّنًا فِي الْآيَةِ أَنْ يُرَدَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ نَفَقَاتُهُمْ ، وَمَعْقَوْلٌ فِيهَا أَنَّ نَفَقَاتِهِمُ الَّتِي تُرَدُّ نَفَقَاتُ اللَّاتِي مَلَكُوا عَقْدَهُنَّ ، وَهِيَ الْمُهُورُ ، إِذَا كَانُوا قَدْ أَعْطَوْهُنَّ إِيَّاهَا . وَبَيِّنٌ أَنَّ الْأَزْوَاجَ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ النَّفَقَاتِ لِأَنَّهُمُ الْمَمْنُوعُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ، وَأَنَّ نَسَاءَهُمُ المْأَذْونُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ ، لِأَنَّهُ لَا إِشْكَالُ عَلَيْهِمْ فِي أَنْ يَنْكِحُوا غَيْرَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ إِنَّمَا كَانَ الْإِشْكَالُ فِي نِكَاحِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ حَتَّى قَطَعَ اللَّهُ عِصْمَةَ الْأَزْوَاجِ بِإِسْلَامِ النِّسَاءِ ، وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ قَبْلَ إِسْلَامِ الْأَزْوَاجِ ، فَلَا يُؤَدِّي أَحَدٌ نَفَقَةً فِي امْرَأَةٍ فَاتَتْ إِلَّا ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُسْلِمِينَ : وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ سورة الممتحنة آية 10 ، فَأَبَانَهُنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَبَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي إِسْلَامِ الزَّوْجِ الْحُكْمَ فِي إِسْلَامِ الْمَرْأَةِ لَا يَخْتَلِفَانِ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا سورة الممتحنة آية 10 يَعْنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ أَزْوَاجَ الْمُشْرِكَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا مَنَعَهُنَّ الْمُشْرِكُونَ إِتْيَانَ أَزْوَاجِهِنَّ بِالْإِسْلَامِ أَدَّوْا مَا دَفَعَ إِلَيْهِنَّ الْأَزْوَاجُ مِنَ الْمُهُورِ كَمَا يُؤَدِّي الْمُسْلِمُونَ مَا دَفَعَ أَزْوَاجُ الْمُسْلِمَاتِ مِنَ الْمُهُورِ . وَجَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ حَكَمَ لَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَعْنَى حُكْمًا ثَانِيًا ، فَقَالَ : وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ سورة الممتحنة آية 11 كَأَنَّهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ يُرِيدُ فَلَمْ تَعْفُوا عَنْهُمْ إِذَا لَمْ يَعْفُوا عَنْكُمْ مُهُورَ نِسَائِكُمْ : فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا سورة الممتحنة آية 11 كَأَنَّهُ يَعْنِي مِنْ مُهُورِهِمْ إِذَا فَاتَتِ امْرَأَةُ مُشْرِكٍ أَتَتْنَا مُسْلِمَةً قَدْ أَعْطَاهَا مِائَةً فِي مَهْرِهَا ، وَفَاتَتِ امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ إِلَى الْكُفَّارِ قَدْ أَعْطَاهَا مِائَةً حُسِبَتْ مِائَةُ الْمُسْلِمِ بِمِائَةِ الْمُشْرِكِ ، فَقِيلَ تِلْكَ الْعُقُوبَةُ . قَالَ : وَيُكْتَبُ بِذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِ عُهُودِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُعْطَى الْمُشْرِكُ مَا قَصَصْنَاهُ مِنْ مَهْرِ امْرَأَتِهِ لِلْمُسْلِمِ الَّذِي فَاتَتِ امْرَأَتُهُ إِلَيْهِمْ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ " . ثُمَّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي مَوْضِعِ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي صُلْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَإِنَّمَا ذَهَبْتُ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ فِي صُلِّحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْخُلْ رَدُّهُنَّ فِي الصُّلْحِ لَمْ يُعْطَ أَزْوَاجُهُنَّ فِيهِنَّ عِوَضًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . !256 أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، قَالَ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ سورة الأنفال آية 58 نَزَلَتْ فِي أَهْلِ هُدْنَةٍ بَلَغَ النَّبِيَّ عَنْهُمْ شَيْءٌ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى خِيَانَتِهِمْ ، فَإِذَا جَاءَتْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوفِ أَهْلُ الْهُدْنَةِ بِجَمِيعِ مَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ . وَمَنْ قُلْتُ لَهُ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْحِقَهُ بِمَأْمَنِهِ ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يُحَارِبَهُ كَمَا يُحَارِبُ مَنْ لَا هُدْنَةَ لَهُ " !257 أَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ سورة المائدة آية 42 ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِيَارَ فِي أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَوْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ وَجَعَلَ عَلَيْهِ إِنْ حَكَمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطِ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَحْضُ الصَّادِقُ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ عَهْدًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ سورة المائدة آية 49 . الْآيَةَ ، قَالَ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ سورة المائدة آية 49 إِنْ حَكَمْتَ لَا عَزْمًا أَنْ تَحْكُمْ ، ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ : أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ قَالَ : " كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ أَلَمْ يُخْبِرْكُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبَدَّلُوا وَكَتَبُوا كِتَابًا بِأَيْدِيهِمْ ، فقَالُوا : هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا سورة البقرة آية 79 أَلَا يَنْهَاكُمُ الْعِلْمُ الَّذِي جَاءَكُمْ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ ؟ وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ قَطُّ يَسْأَلَكُمْ عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ " هَذَا قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، وَبِمَعْنَاهُ أَجَابَ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ ، وَقَالَ فِيهِ : فَسَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى عِلْمَهُ ، يَقُولُ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ سورة المائدة آية 49 إِنْ حَكَمْتَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ سورة المائدة آية 42 ، فَتِلْكَ مُفَسِّرَةٌ ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ ، وَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ تَوَلَّوْا سورة المائدة آية 49 دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ إِنْ تَوَلَّوْا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ وَلَوْ كَانَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ سورة المائدة آية 49 إِلْزَامًا مِنْهُ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ أَلْزَمَهُمُ الْحُكْمَ مُتَوَلِّينَ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ الْإِتْيَانِ ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَأْتُوا فَلَا يُقَالُ لَهُمْ تَوَلَّوْا . !258 وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أَنَا الرَّبِيعُ ، أَنَا الشَّافِعِيُّ ، قَالَ : " لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا نَزَلَ الْمَدِينَةَ وَادَعَ يَهُودَ كَافَّةً عَلَى غَيْرِ جِزْيَةٍ ، وَأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ سورة المائدة آية 42 ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الْمُوَادِعِينَ الَّذِينَ لَمْ يُعْطُوا جِزْيَةً ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِأَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِيَّيْنِ الَّذَيْنِ زَنَيَا . قَالَ : وَالَّذِي قَالُوا : يُشْبِهُ مَا قَالُوا : لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ سورة المائدة آية 43 ، وَقَالَ : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا سورة المائدة آية 49 يَعْنِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، فَإِنْ تَوَلَّوْا عَنْ حُكْمِكَ بِغَيْرِ رِضَاهِمْ ، فَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أَتَاكَ غَيْرَ مَقْهُورٍ عَلَى الْحُكْمِ . وَالَّذِينَ حَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ وَرَجُلٍ زَنَيَا مُوَادِعُونَ ، فَكَانَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمُ ، وَرَجَوْا أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءُوا بِهِمَا ، فَرَجَمَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : فَإِذَا وَادَعَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِمُ الْحُكْمَ ، ثُمَّ جَاءُوهُ مُتَحَاكِمِينَ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، أَوْ يَدَعَ الْحُكْمَ ، فَإِنِ اخْتَارَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حُكْمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنِ امْتَنَعُوا بَعْدَ رِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ حَارَبَهُمْ . قَالَ : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ فِي أَحَدٍ مِنَ الْمُعَاهَدِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمُ الْحُكْمُ إِذَا جَاءُوهُ فِي حَدٍّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ . قَالَ : وَإِذَا أَبَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَا فِيهِ لَهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَأَتَى طَالِبُ الْحَقِّ إِلَى الْإِمَامِ يَطْلُبُ حَقَّهُ فَحَقٌّ لَازِمٌ لِلْإِمَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنْ يَحْكُمَ لَهُ عَلَى مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَأْتِهِ الْمَطْلُوبُ رَاضِيًا بِحُكْمِهِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَظْهَرَ السَّخَطَ لِحُكْمِهِ لِمَا وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَهُمْ صَاغِرُونَ سورة التوبة آية 29 ، فَكَانَ الصِّغَارُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ " . وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي التَّفْرِيعِ . وَكَأَنَّهُ وَقَفَ حِينَ صَنَّفَ كِتَابَ الْجِزْيَةِ أَنَّ آيَةَ الْخِيَارِ وَرَدَتْ فِي الْمُوَادِعِينَ ، فَرَجَعَ عَمَّا قَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي الْمُعَاهِدِينَ ، فَأَوْجَبَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا