25 · ص29
فقال أبو حنيفة: (علمنا هذا رأيٌ، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه) ١.
وقال معن بن عيسى: (سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشرٌ أُخطئ وأُصيب، فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة فاتركوه) ٢.
وقال ابن القاسم: (كان مالك يُكثِر أن يقول: {إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}) ٣.
وقال الشافعي: (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي) ٤.
١ ينظر: إعلام الموقعين ٢/ ١٤٣، من طريق أبي يوسف والحسن بن زياد عنه.
٢ أخرجه ابن عبد البر بإسناده في جامع بيان العلم وفضله (١٤٣٥).
٣ علقه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٤٤٥).
٤ وهذا مما تواتر عن الشافعي كما يقول ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ٤٠)، ولتقي الدين السبكي رسالة اسمها: (معنى قول الإمام المطلبي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي")، طُبعت ضمن الرسائل المنيرية وطُبعت مفردة.
وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده في مناقب الشافعي نحوًا من ذلك (ص ٦٩)، من طريق حرملة عن الشافعي أنه قال: «كل ما قلت، وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ولا تقلدوني».
وأخرج البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٧٣)، من طريق الربيع عنه أنه قال: «إذا وجدتم سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي؛ فخذوا بالسنة ودعوا قولي؛ فإني أقول بها».
26 · ص30
والإمام أحمد كان يقول: (لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا) ١.
وكان يقول: (مِن قلة علم الرجل أن يُقلِّد دينه الرجال) ٢.
وقال: (لا تُقلِّد دينك الرجال؛ فإنهم لن يَسْلَموا مِن أن يَغْلُطوا) ٣.
[المقلد ليس من أهل العلم]
وقال ابن عبد البر: (أجمعَ الناس على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله) ٤.
١ ينظر: إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩).
٢ المرجع السابق.
٣ نقلها عنه أبو العباس الفضل بن زياد كما في العدة لأبي يعلى (٤/ ١٢٢٩)، والتمهيد لأبي الخطاب (٤/ ٤٠٨).
ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٤٦٩)، فصلًا في نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذكر الفُلَّاني في إيقاظ الهمم فصلًا فيما قاله أبو حنيفة وأصحابه في ذم التقليد (ص ١٤٩)، وفصلًا فيما قاله مالكٌ وأصحابه في ذلك (ص ١٩٦)، وفصلًا فيما قاله الشافعي وأصحابه (ص ٢٥٤)، وفصلاً فيما قاله أحمد بن حنبل وأصحابه (ص ٢٨١).، وذكر السيوطي في رسالة: (الرد على من أخلد إلى الأرض) فصلًا في الحث على الاجتهاد وذم التقليد.
٤ هكذا في إعلام الموقعين (٢/ ١١)، وبمعناه عن ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٢)، وعبارته: (قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك)، وقرره ابن القيم في مواضع أخرى من إعلام الموقعين، وكذا الشوكاني في القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد (ص ١٠٧).
ونقل القرافي في نفائس الأصول (١/ ١٨١) عن النقشواني قوله: (التقليد قسيم العلم، ومقتضاه ألا يَصدُق في العلم على التقليد)، وأقرَّه عليه.
وقال القاضي عبد الوهاب في كتابه الملخص: (التقليد لا يثمر علمًا، فالقول به ساقط، والذي قلناه قول كافة أهل العلم، وذهب قوم من ضعفة من ينتمي للعمل وممن يفرع على نفسه من استيفاء النظر على واجبه حتى إن يكشف له به فساد مذهب قد تمت له معه رياسة أو حصل له نشوة أو عادة أو عصبية إلى صحة التقليد وأنه يثمر العلم بالمقلد فيه، والدليل على فساد ذلك أن المقلد لا يخلو أن يكون عالمًا بصحة قول من يقلده أو غيره عالم بذلك، فإن كان عالمًا فهذا ليس بمقلد؛ لأنه متبع لقول قد عرف صحته بالطريق الذي به عرف كون قائله محقًّا، وإن كان غير عالم بصحته لم يأمن أن يكون خطأ وجهلًا، فيقدم على اعتقاده ومعتقد الجهل والخطأ ليس بعالم، ولا يقال إن اعتقاده علم، فبطل بذلك كون التقليد علمًا) ينظر: الرد على من أخلد إلى الأرض ص ٤٩.
والمراد من ذلك: أن المقلد الأعمى خارج من زمرة العلماء، وليس معدودًا من ورثة الأنبياء ولو اجتهد في التحصيل، وأن التعصب والتقليد صارا فتنة ربى عليها الصغير وهرم فيها الكبير، حتى صار أكثر الناس لا يعدُّون العلم إلا إياها، بل وصار طالب الحق لديهم مفتون مغبون والله المستعان، قاله ابن القيم في المرجع السابق.