505 · ص516
وإذ رغب في ثوابها وغبط بالأجر عليها يقول: وددت أني أنجو منها كفافا لا علي ولا لي ويتمثل بقول الشاعر:
تمنوني الأجر الجزيل وليتني ... نجوت كفافا لا علي ولا ليا
وكانت له اختياراتٌ من أقاويل العلماء يأخذ بها في خاصة نفسه، لا يعدوا بها إلى غيره. منها: أنه كان يقرأ بفاتحة الكتاب في الصلاة على الجنائز أثر التكبيرة الأولى اتباعا للحديث الثابت في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال بذلك من العلماء رحمهم الله. وكان يقرأ بها في صلاة الجمعة إذا لم يسمع قراءة الإمام وكان إذا لم يسمع الخطبة في الجمعة والعيدين لبعده عن الإمام أقبل على الذكر والدعاء والاستغفار والقراءة. وكان يبدأ بالتكبير في العيدين من مساء ليلتهما إلى خروج الإمام وانقضاء الصلاة. وكان يتقي المسح على الخفين ما أمكنه ذلك، ولم تدعه الضرورة إلى ذلك ويقول: أنا لا أعيب المسح عليهما وأصلي وراء من يمسح. وكان قد اعتقد قديما أن يشرك أبويه فيما يفعله من نوافل الخيرات مما ليس يفرض القيام به، وأن يكون ثواب ذلك بينه وبينهما سواء. وكان يقول: إني مضيت على هذه النية مدة ثم أنه وقع بنفسي من ذلك شيء، إذ خشيت أن أكون أحدثت أمرا لم أسبق إليه، ولم أكن رأيت ذلك لغيري قبلي إلا أني لم أقطع ما نويته من ذلك إلى أن مر بي لبعض المتقدمين مثل ذلك فطابت نفسي، وازددت بصيرة في فعلي.
وكان يقول فيما ترك عندنا من القضاء باليمين مع الشاهد: إني لو وجدت من يقضي بذلك لأفتيته به. نقلت معظم ما تقدم من مناقب هذا الشيخ بخط ابنه أبي القاسم.
وذكره أبو علي الغساني في كتاب رجاله الذين لقيهم فقال: أبو عبد الله محمد بن عتاب بن محسن كان من جلة الفقهاء وأحد العلماء الأثبات، وممن عني بالفقه وسماع
506 · ص517
الحديث دهره، وقيده فأتقنه، وكتب بخطه علما كثيراً، وكان حسن الخط، جيد التقييد في المعرفة بالأحكام وعقد الشروط وعللها. بذ في ذلك أقرانه. وكان على سنن أهل الفضل، جزل الرأي، حصيف العقل على منهاج السلف المتقدم. ولد لسبعٍ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وثلاث مائة. وتوفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من صفر من سنة اثنتين وستين وأربع مائة. ودفن بمقبرة الربض قبلي قرطبة. وصلى عليه ابنه عبد الرحمن بن محمد. وشهد جنازته المعتمد على الله محمد بن عباد ومشى فيها راجلا على قدميه.
محمد بن جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن الغمر بن يحيى بن الغافر ابن أبي عبدة رئيس قرطبة؛ يكنى: أبا الوليد.
روى عن أبي المطرف القنازعي، وأبي محمد بن بنوش، ويونس بن عبد الله القاضي وأبي بكر التجيبي. وقرأ القرآن وجوده على أبي محمد مكي بن أبي طالب المقرئ. وكان حافظا للقرآن العظيم. مجودا لحروفه، كثير التلاوة له. وكان معنياً بسماع العلم من الشيوخ وروايته عنهم.
سمع في شبيبته علما كثيرا ورواه، وقرأت تسمية شيوخه المذكورين قبل هذا بخط يده، وفيه تسمية ما سمعه منهم؛ فرأيت فيها كتبا كثيرة تدل على العناية بالعلم والاهتمام به.
وتوفي رحمه الله بشلطيش معتقلا بها من قبل المعتمد على الله محمد بن عباد في منتصف شهر شوال سنة اثنتين وستين وأربع مائة. ومولده في ذي القعدة من سنة إحدى وتسعين وثلاث مائة.
محمد بن يونس الحجاري منها؛ يكنى: أبا عبد الله.
روى عن أبي عمر الطلمنكي، وأبي محمد الأسلمي وغيرهما. وكان مقدما في المعرفة