← المكتبة ▭ 1 page
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
5 · ص5 · جالمقدمة
‌مقدمة التحقيق إن الحمد للَّه نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)} [آل عمران/ ١٠٢]. {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)}. [النساء/ ١]. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)} [الأحزاب/ ٧٠ - ٧١] أما بعد؛ فقد جعل اللَّه تعالى للصبر الثواب الجزيل، والأجرَ العظيم، في آياتٍ من الذّكرِ الحكيم، وأحاديثِ رسوله الأمين -صلى اللَّه عليه وسلم-، وجاء فضله في آثار الصحابة والتابعين. كما أن للشكر فضله الذي لا يخفى، وهو مع الصبر كفرسي رهان وكجناحي الطائر. لذا فقد كثرت الكتابات فيهما واستفاضت، فتكلم فيهما الفقهاء والمحدثون والأدباء والشعراء، حتى كتب في ذلك العلماء مصنفات مفردة مستقلة، فقد صنَّف أبو الحسن علي بن عبيد البغدادي الكاتب أحد
6 · ص5 · ج1
منزلةً أعظمهم صبرًا وشُكرًا، فصلّى اللَّهُ وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين عليه كما وَحَّدَ اللَّه، وَعَرَّفَ به، ودعا إليه، وَسلَّم تَسليمًا كثيرًا. أما بعد: فإن اللَّه سبحانه جعل الصبر جوادًا لا يكبو ١، وصارما لا ينبو ٢، وجندًا غالبًا لا يهزم، وحصنًا حصينًا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان ٣. رَضِيْعَيْ لِبَانٍ ثديَ أُمٍّ تقاسما ... بأسحمَ ٤ داجٍ عَوضُ لا نتفرق ٥ فالنصر ٦ مع الصبر، والفرج مع الكرب، واليسر مع العسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال، بلا عدة ولا عدد، ومحله من ٧ الظفر كمحل الرأس من الجسد. ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم كتابه أنه يوَفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبر أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)} [الأنفال: ٤٦]؛ فذهب
١ كبا الجواد يكبو كبوة إذا عثر. انظر "لسان العرب" (١٥/ ٢١٣). ٢ نبا السيف إذا كلّ ولم يقطع. انظر "لسان العرب" (١٥/ ٣٠١). ٣ في (م) و (ن) زيادة: لا يفترقان. ٤ في الأصل: "باسود". والمثبت من النسخ الأخرى، وهو الموافق للمصادر الآتية. ٥ البيت للأعشى وهو في "ديوانه" ص ٢٧٥. يمدح به المحلّق بن جشم الكلابي وفيه جعل الأعشى الجود والمحلّق كأخوين رضعا لبانًا واحدًا، من ثدي أم واحدة مبالغة في وصفه بالكرم، وذكر أنهما تحالفا وتعاقدا ألا يفترقا أبدًا. انظر: "الحلل في شرح أبيات الجمل" ص ١٠٤ وما بعدها. ٦ في الأصل "فالنصرة"، والمثبت من النسخ الأخرى. ٧ "من" ساقطة من الأصل، وأثبتها من النسخ الأخرى.
→ prev 5–6 / 596 next ←