17 · ص41 · ج8
وقوله: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق:٤٤]؛ فإن العيد يوم الزينة فينبغي أن لا ينسى الإنسان خروجَه إلى عرصات الحساب، ولا يكون في ذلك اليوم فرِحًا فخورًا، ولا يرتكب فسقًا ولا فجورًا" ١.
المطلب الثالث: ترتيب المصحف وترتيب النزول.
سُورة (ق) هي السُّورة الخمسون بترتيب المصحف، وقبلها سُورة الحجرات وبعدها سُورة الذاريات.
وهي السُّورة الرابعة والثلاثون (٣٤) في ترتيب نزول السُّور عند جابر بن زيد، نزلت بعد سُورة المرسلات (٣٣) وقبل سُورة البلد (٣٥) ٢.
المطلب الرابع: المُناسَبات في سُورة «ق».
* المسألة الأولى: مُناسَبة أول السُّورة بآخرها ٣:
بدأت سُورة (ق) بذِكر القرآن {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ}، وختمت به {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}.
وكذلك بُدئت بذِكر البَعْث في قوله تعالى: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}، وختمت به في قوله تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ}.
وكذلك ذِكر السماوات والأرض وما بينهما في أول السُّورة: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ... } الآيات، وقال في آخرها: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ}.
١. مفاتيح الغيب، للرازي (٢٨/ ١٤٥). وانظر أيضًا: مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، للبقاعي (٣/ ٢١).
٢. انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٦/ ٢٧٣).
٣. انظر: مراصد المطالع في تناسُب المقاطع والمطالع، للسيوطي (ص ٦٧)، ومفاتيح الغيب، للرازي (٢٨/ ١٩٢).
18 · ص42 · ج8
* المسألة الثانية: مُناسَبة السُّورة لِما قبلها (سُورة الحجرات):
اعتنى العلماء ببيان مُناسَبات السُّور، وهي مسألةٌ اجتهاديَّة غالبًا، ولذلك تعدَّدت أقوالهم فيها:
فقال الإمام أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ): "ومُناسَبتها لآخِر ما قبلها، أنه تعالى أخبر أن أولئك الذين قالوا: {آمَنَّا} [الحجرات: ١٤]، لم يكن إيمانهم حقًّا، وانتِفاء إيمانهم دليلٌ على إنكار نبوة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، فقال: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ} [ق: ٢]، وعدم الإيمان أيضًا يدل على إنكار البَعْث، فلذلك أعقبه به" ١.
وقال البقاعي (ت ٨٨٥ هـ): "مقصودها (أي: سُورة ق) الدلالة على إحاطة القدرة، التي هي نتيجة ما ختمت به الحجرات، من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد من البَعْث ليوم الوعيد" ٢.
وقال الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ): "لما ختم الله تلك السُّورة بذِكر الإيمان وشرائطه للعبيد، افتتح هذه السُّورة بذِكر ما يجب الإيمان به من القرآن وأدلة التوحيد" ٣.
* المسألة الثالثة: مُناسَبة السُّورة لِما بعدها (سُورة الذاريات):
ذكر في سُورة (ق) البَعْث والجزاء والجنة والنار، وافتتح سُورة الذاريات بالقسم بأن ما وعدوا من ذلك صدقٌ وأن الجزاء واقع. وذكر في سُورة (ق) إهلاك كثير من القرون على وجه الإجمال، وذكر ذلك على وجه التفصيل في سُورة الذاريات ٤.
١. تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي (٩/ ٥٢٨).
٢. مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، للبقاعي (٣/ ١٤).
٣. مجمع البيان، للطبرسي (٩/ ١٧٨).
٤. انظر: تفسير المراغي (٢٦/ ١٧٣)، وأسرار ترتيب القرآن، للسيوطي (ص ١٣٣).