39 · ص63 · ج8
وفيه دلالةٌ على أنه يجدر بالمؤمن المحافظة على الطاعة وحفظ وصايا الله وحدوده، فإذا صدرت منه فلتةٌ أعقبها بالتوبة، ورجع إلى ربه. "فلا يكفي أن يعلن المرء إسلامه، بل عليه أن يكون مجتهدًا في تقوى الله بالعمل الصالح واجتناب الآثام، وأن يكون حافظًا لعهوده وواجباته مراقبًا الله في سرِّه وعلنه منيبًا إليه بقلبه وجوارحه. وفي هذا ما فيه من قصد تهذيب نفس المسلم وإعداده ليكون صالحًا بارًّا خيِّرًا راشدًا يَقِظَ القلب طاهر السريرة والنفس قائمًا بواجباته نحو الله والناس لذاتها متَّقيًا ربه في السرِّ والعلن" ١.
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}: هذه الآية واردةٌ في ذِكر الصفة الثالثة والرابعة من صفات المتقين، وهو أنهم يخشونه ٥ في السِّر، مع علمهم برحمته الواسعة، ويرجعون عن معصية الله ويقبلون على طاعته، ولا يبطلون عملهم الصالح في أواخر أعمارهم، فيأتون يوم القيامة مُنيبين.
وفي هذا ما يؤكِّد على أن "الخشية النافعة خشيته ٥ في الغيب والشهادة"، ٢
وأنه من أسباب حُسن الخاتمة. وفي وصفه تعالى بالرحمة، ووصف القلب بالإنابة، استدعاءٌ للمشركين وتلطيف بالعصاة أن لا يقنطوا من رحمة الله وأن "لا ييأسوا من قبول التوبة بسبب كثرة ما سيق إليهم من الوعيد جريًا على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب والعكس" ٣.
وفي اقتران اسم الرحمن بالخشية، تنبيهٌ على أن علم المتقين بسَعة رحمته ٥ لا يصدُّهم عن خشيته، وأن خشيتهم "تكون مقرونةً بالأُنس
١. التفسير الحديث (٢/ ٢٤١).
٢. تفسير السعدي (٧/ ١٧٠٣).
٣. التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٣/ ٢٩٥).
40 · ص64 · ج8
-يعني: الرجاء-، كما هو المشروع" ١، وفي معنى الآية حديث السبعة الذين يُظلهم الله في ظله، ومنهم: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» ٢. وفيه ردٌّ على المشركين الذين أنكروا اسم الرحمن لله ٥.
{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}: هاتان الآيتان في بيان "جزاء من قامت به هذه الأوصاف" ٣ الأربعة المذكورة من قبل، ففيها الامتنان بالإذن لهم بدخول الجنة بالسلامة، وهو "من كمال إكرام الضيف" ٤، وتطمين لهم بأنه يوم الخلود وتشويق لهم إلى ما فيها من النعيم مما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر، ومنه رؤية الله سبحانه. وفيها دلالة على "أن المفاجأة بالإنعام ضرب من التلطف والإكرام" ٥.
وفيه إشارةٌ "إلى أن قدرته لا نهاية لها، ولا تحصر بحدٍّ ولا تحصى بعدٍّ، ردًّا على أهل العناد وبدعة الاتحاد في قولهم "ليس في الإمكان أبدع مما كان"" ٦.
* المقطع الثالث [الآيات: ٣٦ - ٤٥]:
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ}: هذه الآية واردةٌ في المعالجة النفسيَّة لمكذِّبي الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - والمكذِّبين بيوم الدين بأسلوب الترهيب، والتذكير بالعذاب الدنيوي قبل عذاب الآخرة، ففيها
١. نظم الدرر، للبقاعي (١٨/ ٤٣١).
٢. متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، (ح ٦٦٠)، (١/ ١٣٣)، ومسلم في كتاب الزكاة، (ح ١٠٣١)، (٣/ ٩٣). وانظر: تفسير ابن كثير (١٣/ ١٩٧).
٣. الفوائد، لابن القيم (ص ١٨).
٤. التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٦/ ٣٢٠).
٥. التحرير والتنوير، لابن عاشور (٢٦/ ٣٢١).
٦. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي (١٨/ ٤٣٤).