← المكتبة ▭ 1 page
الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم
أبو بكر فوزي التفسير
A− A+
165 · ص165
وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) , ولا شك أن ما يخالف سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من خطوات الشيطان. ومن خطوات الشيطان في تحريم ما أحل الله ما كان يفعله أهل الجاهلية من تحريم ما أباحه الله لهم, مثل البحائر التي كانوا يجدعون آذانها فلا ينتفع أهل البيت بها ولا بشيء من أشعارها وألبانها, والسوائب التي كانوا يسيبونها لآلهتهم ويحرمونها على أنفسهم, والوصائل التي كانت تلد ستة أبطن فإذا ولدت سبعة جدعت وقطع قرنها ويقولون: وصلت فلا يذبحونها, وكذلك الحام وهو الفحل من الإبل, فقد كان إذا ولد لولده قالوا: حما هذا ظهره فلا يذبحونه ١ ,فخص الله هذه بالإبطال فقال: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)} [المائدة:١٠٣] وحذر من اتخاذ هذه الوسيلة الشيطانية بالعموم فقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)} [يونس:٥٩].وقال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)} [النحل:١١٦] وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الطريق فعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في إحدى خطبه: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا (كل مال نحلته عبدا حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ... ) الخ الحديث. ٢.
١ انظر: تفسير القرآن العظيم (٣/ ٢١١) ٢ رواه مسلم في صحيحه, كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها, باب الصفة التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار, برقم (٢٨٦٥).
166 · ص166
قال النووي رحمه الله في تعليقه على الحديث: والمراد إنكار ما حرموا على أنفسهم من السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي وغير ذلك وأنها لم تصر حراما بتحريمهم ١ • الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله. فإن الشياطين يوسوسون لأتباعهم ويوحون لهم بما يصد عن سبيل الله وقد بين الله أن هذه خطوة من خطوات الشيطان التي نهانا سبحانه عن اتباعها فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)} [الأنعام: ١١٢]. وإن مما أوحاه الشيطان إلى أوليائه في باب الأطعمة من أن الميتة التي حرمها الله أولى بالأكل مما يذبحه الذابح بنفسه لأن ذبح الله أولى من ذبح العبد, وهي في الحقيقة وسوسة شيطانية يراد منها الجدال بالباطل والصد عن دين الله فنهانا الله عن سلوك هذه الوسيلة التي توقع في الشرك فقال: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)} ... [الأنعام:١٢١]. فقد أخرج الطبري بسنده إلى ابن عباس في قوله: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)} [الأنعام: ١١٨] قال: قالوا: يا محمد، أمّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمّا ما قتل ربُّكم فتحرِّمونه! فأنزل الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه، إنكم إذًا لمشركون.
١ صحيح مسلم بشرح النووي (١٧/ ١٩٧).
→ prev 165–166 / 355 next ←