← المكتبة ▭ 1 page
الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم
أبو بكر فوزي التفسير
A− A+
231 · ص231
كما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تطلب الطلاق من غير حاجة وعذر فقال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ١. ثم بعد هذا النهي استثنى تبارك وتعالى حالة يجوز فيها أن تفتدي المرأة نفسها بإعطاء الزوج ما آتاها من الصداق, وما الاستثناء بعد هذا النهي إلا لأمر عظيم يُخشى وقوعه وهو ما أخبر الله عنه بقوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}. فإذا خشيت المرأة ألا تقيم حق الله في زوجها إما بكراهيتها الشديدة له التي لا تستطيع فيها أن تطيعه بل قد تعصيه, وتمتنع إذا دعاها لحاجته, وقد تسيء خلقها معه, فحينئذ لا يصلح أن تستمر هذه الأسرة وهي لا تقيم حدود الله التي أمرها بها, لأن الزوج إذا رأى من زوجته الإعراض والنشوز فهذا يدعوه إلى التقصير في حقها ومجازاتها بسوء فعلها ولهذا جاء التعبير في الآية بـ (يَخافا) ليدل على أن الخوف من القيام بحدود الله واقع من الزوجين. فحينئذ أباح الله للزوجة أن تفتدي نفسها بأن ترد عليه ما أصدقها إياه. ٢ ففي هذه الآية بيان أكيد لما في إقامة حدود الله من الأهمية وأنه لا حاجة لوجود أسرة بين المسلمين لا تقوم بحقوق الله, ولذلك فإن على أهل الحل والعقد من القضاة أو أقارب الزوجين أن يسعوا في هذا الخلع عند خوفهم من عدم القيام بحقوق الله. وفي الآية إشارة إلى ذلك في قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} فالخطاب في هذه الآية للحكام ومن يتوسط بين الناس في حل مشاكلهم أو الإصلاح فيما
١ أخرجه أبو داود في سننه, كتاب الطلاق, باب في الخلع برقم (٢٢٢٦) , والترمذي في جامعه, كتاب الطلاق, باب المختلعات برقم (١١٨٧) , وابن ماجة في السنن, كتاب الطلاق, باب كراهية الخلع للمرأة برقم (٢٠٥٥) , وأحمد في المسند برقم (٢٢٤٣٣) وقال الأرناؤوط في تعليقه: حديث صحيح ورجاله ثقات رجال الصحيح. وابن حبان في صحيحه, كتاب النكاح باب معاشر الزوجين برقم (٤١٨٤) , والحاكم في المستدرك ووافقه الذهبي في كتاب الطلاق برقم (٢٨٠٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه, ووافقه الذهبي, وصححه الألباني (انظر: إرواء الغليل ٧/ ١٠٠). ٢ انظر: جامع البيان (٤/ ٥٥٢ , ٥٦٣) , التفسير الكبير (٦/ ١١٠) , الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٧٤) , البحر المحيط (٢/ ٣١٤).
232 · ص232
بينهم. ١ وفي قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} على القراءة بالضم (يُخافا) ٢ فالخوف هنا يرجع لولي الأمر أو أهل الزوجين أو من يقوم بالإصلاح بينهما. ٣ وهذا يدل كذلك على مسؤولية المجتمع في إقامة حدود الله بينهم. وهذا ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ثابت بن قيس بن شماس وزوجته رضي الله عنهما, فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ثابت ابن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فتردين عليه حديقته). قالت: نعم فردت عليه, وأمره ففارقها ٤. • المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده, وذمه للمخالف والمعرض عنها. رغب الله تبارك وتعالى وحث على إقامة حدوده التي أمر بها وذلك بالثناء على أهلها ووصفهم بالصفات الحسنة التي وعد من اتصف بها بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة كما ذم المخالفين لأمره ووصفهم بصفات يستحقون عليها العقاب في الدنيا والآخرة. ١. الثناء على المقيمين للحدود بوصفهم بصفة العلم. فقد ختم الله الآيات التي بين فيها أحكام العدة والإيلاء والطلاق والرجعة والفدية في سورة البقرة بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)} [البقرة: ٢٣٠]. فأخبر عز وجل أن هذه الحدود التي أنزلها مميزا فيها وفاصلا بين الحلال والحرام إنما ينتفع بها الذين يعلمون لأنهم لما علموا أنها من عند الله صدقوا بها وأدركوا ما فيها من المصالح فعملوا بمقتضاها ولذلك فقد شرفهم الله بوصف العلم وخصهم ببيان هذه الحدود دون غيرهم. ٥
١ انظر: جامع البيان (٤/ ٥٦٣) , المحرر الوجيز (٢/ ٢٨١) , مدارك التنزيل وحقائق التأويل (١/ ١٢٨) , الكشاف (١/ ١٣٩) , التحرير والتنوير (٢/ ٤٠٨). الجامع لأحكام القرآن (٤/ ٧٥) ٢ قرأ بالضم في هذه الآية أبو جعفر ويعقوب وحمزة (انظر: النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٢٧). ٣ انظر: الدر المصون (٢/ ٤٤٦, ٤٤٧) , تفسير سورة البقرة للعثيمين (٣/ ١٠٨). ٤ أخرجه البخاري في كتاب الطلاق, باب الخلع وكيف الطلاق فيه, برقم (٥٢٧٦). ٥ انظر: جامع البيان (٤/ ٣٩٩) , البحر المحيط (٢/ ٣٢٥) , التحرير والتنوير (٢/ ٤٢١).
→ prev 231–232 / 355 next ←