← المكتبة ▭ 1 page
الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم
أبو بكر فوزي التفسير
A− A+
313 · ص313
• المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ ١: فقد وردت آيات المواريث ممهدة وموطئة لما يليها من الأحكام ولم تأت مباشرة بتقسيم الفروض, فقد أصبح من المسلّمات لدى العرب في الجاهلية أن المرأة لا حق لها من الميراث وقضوا على ذلك العقود بعد العقود, فإذا جاء تشريع المواريث مبينا الأحكام التفصيلية ومقدار ما يستحقه كل من الذكر والأنثى, سيشق ذلك على الناس وقد لا تقبله النفوس مباشرة. فكان من الحكمة أن تأتي آية تشريع المواريث ممهدة لبيان الأحكام التفصيلية, لتهيِّئ النفوس لقبول حكم الله والإذعان له ٢. فقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)} [النساء: ٧]. إجمال لما سيتبع من البيان, وإبطال لما قد كان. وكان التمهيد في هذه الآية بقاعدتين أساسيتين هما كالمدخل لبقية الأحكام: الأولى: إثبات حق المرأة في الميراث, لا كما يفعله أهل الجاهلية. الثاني: أن نصيب كل من الرجل أو المرأة محدد معيّن لامجال فيه للآراء أو العادات. ٣ فإن سلمت هاتان القاعدتان واطمئنت النفس إليها, أذعنت واستشرفت لبيان هذه الأحكام لتطبيقها والعمل بها. وفي هذا من تثبيت القلب وتخفيف التكليف الذي يخالف عادة الجاهلية ما يرفع الحرج ويزيل المشقة, ولذلك فقد كان القرآن الكريم ينزل مفرقا على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)} [الفرقان: ٣٢] وجعله الله تعالى مفرقا ليقرأه نبيه - صلى الله عليه وسلم - على مكث فقال:
١ انظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية , للباحسين (ص ٧٢). ٢ انظر: أحكام القرآن, لابن العربي (١/ ٣٢٨). ٣ انظر: التحرير والتنوير (٤/ ٢٤٩).
314 · ص314
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)} [الإسراء: ١٠٦]. وهذا التيسير في أسلوب تبليغ الحكم من رحمة الله وإرادته الخير لعباده حتى يذعنوا ويطيعوا, فهو سبحانه لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين, وما هذا التيسير إلا من اصطفاء الله واختياره لهذه الأمة. • المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت. من فضل الله تعالى وتخفيفه على الناس أن شرع للميت أن يوصي لغير الوارثين والوصية في حقيقتها تمليك لمال بعد الموت والقاعدة في التمليك أنه لا يصح تمليك مضاف إلى حال زوال الملك, ولكن الله شرعها وأباحها لحاجة الناس وذلك: أن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير بماله ليتحقق ما كان يرجوه في هذه الحال، ولو اتسع الوقت وأحوجه إلى الانتفاع بالمال صرفه إلى حاجته في حياته, فشرعها الشارع تمكينا منه جل وعلا من العمل الصالح وقضاء لحاجته عند احتياجه إلى تحصيل المصالح ١. فهذا تيسير من الله تعالى للعباد في حال الحياة وفي حال الموت. • المطلب الثالث: النهي عن الضرر. فالنهي عن الضرر من مظاهر رفع الحرج ٢ , وقد ورد في آيات المواريث النهي عن الضرر في الوصية, فإن الله تعالى لما بين ما للورثة من حق وما للموصَى لهم من حق ختم الآية بالنهي عن الضرر فقال: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: ١٢]. أي: لا يدخل الضرر على الورثة بالوصية التي يوصي بها الميت, وذلك أنه لما كان الموصى لهم والورثة شركاء فيما بقي من التركة بعد أداء الدّين نهى الله عما يضر الورثة في مال مورثهم لما يلحقهم من المشقة والحرج.
١ تبيين الحقائق (٧/ ٣٧٥) , وانظر: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية, د. يعقوب الباحسين (ص ٣٠٦). ٢ انظر: الموافقات (٣/ ٢٦٥) , رفع الحرج في الشريعة الإسلامية, د. صالح بن حميد (ص ١١٤).
→ prev 313–314 / 355 next ←